الخميس 30 أبريل 2026

الثأر..وجذوره

قد يكون من الصعب تحديد البدايات الأولى لظهور ما يسمى شرعة الثأر عند العرب، إلا أنه من المرجح أنها تزامنت مع وجود القبيلة كمؤسسة سياسية فاعلة، لها قيمها وأعرافها في حياة المجتمع.
فعندما تسيطر القبيلة وقيمها على حياة أي مجتمع من المجتمعات، تكون بالتالي شرعة الثأر هي المتسيدة، ويكون العرف القبلي، باعتباره سلطة من سلطات المجتمع، وما يحمله – ضمناً وصراحة – من نزعة ثأرية، هو القائد والموجّه، بل والمستساغ – أحياناً – ثقافةً ومجتمعاً في الوعي الجمعي للأمة. لأن الثأر يعد جزءاً من نسيج قبلي تقليدي، يشكّل قيمة قبلية تراكمية قابلة للتطويع مع مرور الزمن.
ونحن هنا لسنا بصدد تتبع الجذور الأولى التي تدفقت منها شرعة الثأر، وإنما نحاول – بهذه العجالة – تناول ظاهرة الثأر في المجتمع اليمني المعاصر، وانعكاساتها على الحياة العامة في المجتمع، كثقافة وممارسة لها مبرراتها ومسوغاتها، حتى غدا – في أغلب الحالات – بمثابة ثقافة اعتيادية لدى الإنسان اليمني. كما نحاول – قدر الإمكان – الإجابة على سؤال إشكالي فرض نفسه بقوة على مسرح الأحداث اليومية: لماذا نكرّس – بوعي أو بدون وعي – عملياً لغة الثأر في حياتنا وممارساتنا، لاسيما علاقتنا السياسية والاجتماعية؟ وهل لا يزال يحكمنا منطق القبيلة وأعرافها، برغم تجاوزنا – زمنياً – ظروف وثقافة القرن العشرين؟
لعل الإجابة الموضوعية على هذا السؤال وغيره تخرجنا من وهدة الحيرة والتردد في معالجة هذه الظاهرة والقضاء عليها. يتسم المجتمع اليمني – عموماً – بظاهرة الجمود والمحافظة في بنيته القبلية، ذلك أن قيم القبيلة وأعرافها، ومنها الثأر، لا تزال تلعب دوراً كبيراً في تشكيل وعيه ورؤاه السياسية والاجتماعية، الأمر الذي جعل دعوات الحداثة والتحديث – بكل أطيافها – تبدو أمام قوة وصلابة هذه البنى والقيم ذات الثقافة المتجذرة بمثابة المستحيل واللاممكن. ويبدو معها المجتمع اليمني عصيّاً على هضم وتبيئة تلك الدعوات، فقد شكّلت لديه نوعاً من الغربة الثقافية التي لا يستطيع التعامل معها.
من هنا يتضح لنا مدى تغلغل شرعة الثأر وتمفصلاتها في حياة المجتمع، والتي لا يمكن التغلب عليها إلا بالتغلب على بعض قيم القبيلة أو الإثنية الموغلة في التعصب والجاهلية. صحيح أن ثمة قيماً قبلية حميدة قابلة للتطور والاستمرار، كالشجاعة والكرم ونصرة المظلوم... إلخ، إلا أن ثمة قيماً أخرى تشكّل عقبة كؤود أمام مسيرة التحديث وبناء الدولة المدنية الحديثة، ينبغي التخلص منها ورفضها. من أبرزها: التعصب المناطقي (الجهوي) والسلالي، وممارسة الثأر بكل أشكاله... إلخ، والذي لا نزال نتعامل معه – من منطق اللادولة – كما لو كان بمثابة ضرورة حياتية أمنية لا بد منها.
إن شرعة الثأر تمثل نزعة انتقامية اكتسبها مجتمعنا من مخلفات صراعات الماضي، غير أن الكثير منا لا يزال مستمراً في الاعتقاد بها والعمل بمقتضياتها – ضمناً أو صراحة – إما بشكل انتقام سياسي واجتماعي، أو انتقام ثقافي فكري، أو حتى ديني – عقائدي. كيف لا، وخطابنا الثقافي النخبوي لا يزال أسير المصطلحات الثأرية الانتقامية من الآخر المغاير في الرؤى والتوجهات؟ هل لا تزال بقية من ممارسة لشرعة الثأر، وإن أخذت منحى آخر مغايراً لما هو معتاد عند القبائل؟
ينبغي التعامل مع هذه الظاهرة بوعي بالغ؛ ولهذا لا بد من التمييز بين شرعة الثأر التي ولدتها ظروف اللادولة، والتي يرى البعض – من منظور قبلي – أنها ضرورة حياتية من أجل البقاء، وشرعة الثأر التي أخذت طابع الاحتراف وحب الانتقام ليس إلا. فالأخيرة من الصعب اليوم أن نغير نظرتنا حولها بسهولة، ولكن من المهم أن نشرع في تصحيح مفاهيمها والوعي بالمخاطر الناجمة عنها.
وليس هناك من يحبذ لغة الثأر مهما كانت نتائجها ومسبباتها، فهي آفة مجتمعية/أخلاقية بكل المقاييس. وإذا تأملنا في انعكاسات هذه الظاهرة وأبعادها السلبية مجتمعياً، فإنها لا شك تنطوي على هدم للمنظومة القيمية في حياتنا المعاصرة، ذلك أنها تمثل بؤرة للعنف الذي أضحى صفة شبه مميزة للقبيلة، وأصبح الفرد بمقتضاها أسيراً لتبعاتها، مجبولاً على الانصياع لها، وكأنها دستور يحدد مرجعية وهوية القبيلة وفقاً للتمسك بمضامينها واستشعاراً للمسؤولية إزاءها.
ومن هنا أضحى الالتزام بالتبعية المفرطة لشرعة الثأر نوعاً من الاعتداد بواحدية الانتماء للقبيلة أو السلالة، بل إن العنصر القبلي يعد التمسك بها جزءاً لا يتجزأ من تراثه المنتمي إليه، كما أن تمثل هذه الظاهرة عملياً والتمظهر بها يعد بحد ذاته متمماً لمعاني الرجولة، بأبرز تجلياتها بحسب مفهوم القبيلة.
مما تقدم يتضح أن لشرعة الثأر تاريخاً يرتبط بجذور القبيلة المعاصرة ويؤطرها وفقاً له، حتى أضحت بمثابة مرجعية تراثية متكاملة تغذي منابع القبيلة وترتبط بقيمها التقليدية المعاصرة.
وعلى هذا الأساس، فإن التمسك المفرط ببعض تقاليد القبيلة أو السلالة المرتبطة بها شرعة الثأر يفضي إلى انعكاسات سلبية تؤثر – فيما يبدو – على قيم المجتمع وهويته، وتخلق مناخاً ملائماً لبروز بعض مظاهر العنف الاجتماعي المحاكي لظاهرة الإرهاب بالمفهوم المعاصر.