سعر الصرف في اقتصاد الحرب: من فوضى التوقعات إلى حتمية القرار السيادي
مقدمة:
مع كل ضخ موسمي للعملة الأجنبية في مناطق الحكومة الشرعية – سواء عبر سداد متأخرات المرتبات، أو تقديم دعم من الدول الشقيقة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية – يتجدد الجدل في الأوساط الاقتصادية والمالية والسياسية حول مستقبل سعر الصرف: هل سيصمد؟ هل سينخفض؟ هل سيرتفع؟ وهل السعر الحالي "حقيقي" أم مؤقت؟
هذا الجدل لا يقتصر على السوق أو وسائل التواصل، بل يمتد – للأسف – إلى بعض التحليلات الاقتصادية التي ما زالت تتعامل مع سعر الصرف في اليمن كما لو أنه مازال خاضعًا لنظام التعويم أو التعويم المدار، يكشف عن فجوة عميقة في الوعي النقدي؛ متجاهلة أن البنك المركزي اليمني في عدن قد اتخذ، منذ عدة أشهر، قرارًا واضحًا بتثبيت سعر الصرف تقريبًا عند:( 425 ريالًا يمنيًا لكل ريال سعودي، 1630 ريالًا يمنيًا لكل دولار أمريكي). ويُشير القرار إلى أن تثبيت سعر الصرف جاء بدعم خارجي ورعاية مؤسسية مباشرة، بهدف ضمان الاستقرار النقدي والاجتماعي.
هذا المقال ليس تبريرًا لقرار التثبيت ولا الدفاع السياسي عنه، بل هو تفكيك أكاديمي لطبيعة هذا التحول، وحسم الخلط المفاهيمي المحيط به، وتوضيح ما يترتب عليه قانونيًا واقتصاديًا وسلوكيًا، في سياق اقتصاد حرب لا يمكن إخضاع "سياسة سعر الصرف" آليًا لقواعد الاقتصاد في زمن السلم.
أولًا: من إدارة السعر إلى تحمّل المسؤولية: ما الذي تغيّر؟
في نظام سعر الصرف المعوم أو المدار، يكون البنك المركزي:(لاعبًا غير مباشر، يتدخل بأدوات محدودة، ويتقاسم المسؤولية مع السوق وتوقعاته. أما في نظام سعر الصرف الثابت، فالأمر مختلف جذريًا: السعر قرار سيادي ملزم، البنك المركزي هو الجهة الوحيدة المسؤولة عنه مباشرة، وأي تغيير فيه (رفعًا أو تخفيضًا) لا يتم إلا بقرار مُعلن ومسبق. بعبارة أدق:
"الانتقال إلى التثبيت ليس انتقالًا شكليًا أو ظرفيًا، بل انتقال قانوني كامل من "إدارة سعر" إلى "تحمّل مسؤولية سعر".
هذا التحول يفرض على الجميع (بنكًا، حكومة، سوقًا، وإعلامًا) تغيير طريقة التفكير واللغة والسلوك.
ثانيًا: حين تُدار سياسة تثبيت بلغة تعويم: (خطورة الخلط المفاهيمي):
من أخطر مظاهر الإرباك في المشهد النقدي اليمني اليوم، استمرار استخدام مصطلحات تنتمي لنظام التعويم أو التعويم المدار، مثل: ارتفاع سعر الصرف، انخفاض سعر الصرف، حساسية السعر للشائعات، السوق يضغط صعودًا أو هبوطًا. هذه المصطلحات غير صحيحة علميًا في ظل نظام سعر صرف ثابت.
في نظام التثبيت: لا يوجد "ارتفاع" أو "انخفاض" للسعر. يوجد فقط التزام أو إخلال. ويوجد تعديل (رفع/تخفيض) بقرار سيادي، لا حركة سوقية. إن استمرار تداول هذه المصطلحات لا يخلق فقط التباسًا لغويًا، بل: يعيد إنتاج سلوكيات تعويم داخل نظام تثبيت، ويزرع عدم اليقين في ذهن المواطن، ويمنح الوسطاء مساحة للمناورة والتربح من الإرباك. فاللغة هنا ليست محايدة؛ اللغة النقدية الخاطئة تقوّض السياسة النقدية نفسها. وأي تذبذب غير مُعلن أو تعويم مقنّع أو غضّ طرف عن المضاربة هو: كسر سيادة الدولة من الداخل .
ثالثًا: إشكالية التوقعات: (السعر "العادل" أم السعر "السيادي"؟):
تسود في أوساط بعض البنوك، وشركات الصرافة، والبيوت التجارية، قناعة مفادها أن: السعر الحقيقي للريال اليمني أقوى من السعر المثبت حاليًا، وأن العملة الأجنبية (الريال السعودي والدولار) مقومة بأكبر من قيمتها بالريال اليمني. بغض النظر عن سلامة أو خطأ هذه التقديرات نظريًا، فإن الإشكالية هنا ليست فنية، بل مؤسسية.
في نظام التثبيت: لا يُدار السعر وفق "ما يراه السوق مناسبًا"، بل وفق ما تقرره الدولة لتحقيق:(الاستقرار، حماية المدخرات، كبح التضخم، ومنع تفكك الجبهة الداخلية). السعر المثبت ليس "توقعًا"، بل تعهدًا سياديًا. والتشكيك العلني فيه يخلق حالة انتظار جماعي تؤدي إلى: تجميد السيولة، الامتناع عن الشراء، وتعطيل وظيفة السوق نفسها.
رابعًا: امتناع الصرافين عن الشراء:
تُبرّر بعض شركات الصرافة الاحتكارية امتناعها عن شراء العملات الأجنبية بذريعة: عدم توفر السيولة. لكن هذا السلوك، في سياق سعر صرف ثابت، لا يمكن فهمه فقط كمسألة سيولة، بل كأحد أمرين: إما عدم اعتراف فعلي بشرعية السعر المثبت، أو رهان على تعديل قادم يحقق مكاسب احتكارية. في الحالتين، نحن لا نتحدث عن "سلوك سوق"، بل عن فجوة بين القرار السيادي وسلوك الفاعلين، وهي فجوة لا تُعالج بالتصريحات، بل بأدوات مؤسسية ستُناقش لاحقًا.
خامسًا: التثبيت كأداة في اقتصاد الحرب:
في اقتصاد الحرب، لا تُقاس السياسة النقدية فقط بكفاءتها الاقتصادية، بل بـ: قدرتها على حماية الجبهة الاجتماعية، ومنع تفكك الثقة، وتجفيف مسارات اقتصاد الحرب النقدي. والتثبيت هنا ليس خيارًا مثاليًا، بل يأتي خيارًا اضطراريًا عقلانيًا: يمنع استنزاف مدخرات المواطنين، يحد من التلاعب الموسمي، ويُخرج سعر الصرف من لعبة التوقعات، ويحمي العملة من التجريف "جيوسياسية النقد". سعر الصرف ليس أداة كفاءة بل أداة استقرار اجتماعي وأمني، في الدولة الهشة والتي تعاني من الصراع:
تعويم السعر = نقل عبء الحرب إلى المواطن، وتقلب السعر = تآكل المدخرات، والغموض = انهيار الثقة؛ لذلك: التمسك بسعر مُثبّت في اقتصاد حرب ليس خطأ اقتصاديًا… بل خيار سيادي دفاعي. فمن يسيطر على سعر الصرف؛ يسيطر على:(الغذاء، الدواء، الرواتب، التحويلات والسلم الاجتماعي) لذلك: لا يمكن إدارة السياسة النقدية بعقلية زمن السلم في زمن حرب.
"إن احترام سعر الصرف المثبت، والدفاع عنه، لا يعني إنكار التحديات، بل إدارتها ضمن منطق الدولة لا منطق السوق المنفلت".
خاتمة:
هذا المقال لم يتناول عن قصد: بنية الاحتكار المالي، "تكتلات البنوك والصرافة والبيوت التجارية"، ولا أدوات كسر احتكار القلة، ولا بيئة الأعمال، ولا "جيوسياسية النقد"، هذه ليست ثغرة، بل تمهيد. فالتحدي الحقيقي أمام سياسة التثبيت لا يكمن في الإعلان عنها، بل في: حمايتها من الداخل، والمرساة الخارجية، وضمان التزام الفاعلين بها، ومنع تحويلها إلى فرصة ربح لفئات محدودة. وهذا ما سيُناقش في المقالات القادمة.
باحث متخصص في اقتصاد الحرب والتعافي بعد الصراع