علي فلسطين!
تكرر النغمة نفسها في تليفوني
لا أرد.. ولكن
تعودت ألا أرد على أرقام بدون أسماء
لكن الرقم ظل يلح علي:
طيب اسأل من هو
أرسلت الرقم إلى حسام:
من هو؟
رد علي بعد لحظات:
علي العبسي
!!!!
من علي العبسي؟ سألت نفسي
لكن الاسم ظل يلح علي:
اسأل عني
اتصلت:
من الذي اتصل بي؟
علي العبسي
من علي العبسي؟
علي فلسطين، هل نسيتني!
أبدًا، من ينسى علي فلسطين
مرحلة طويلة بدايتها ثورة 26 سبتمبر 62، حين هب الناس معها يبنون ويدافعون، كان علي عبدالمغني أول بشائر الخير... أهدى إلى ذلك الرجل الرائع العم القاضي علي أبو الرجال، ذاكرة البلاد 15 لقطة لعلي عبدالمغني، ولايزال طريقًا بجانب السور.. هدية لأنني ذكرت بيت البردوني في محاضرتي عن شارع علي عبدالمغني "الثورة والثوار مروا من هنا"...
في العام 66 تحديدًا افتتح علي العبسي مطعمه وسماه "مطعم فلسطين"، يترسخ في أذهان الناس والمارة تحديدًا من الجهة اليمنى لشارع علي عبدالمغني، قلب صنعاء الذي كان مجرد طريق بجانب السور.

شيئًا فشيئًا تشكلت ملامح الشارع في الاتجاهين، دكاكين تحتوي على كل شيء، وصنعاء من كل الاتجاهات تستكب إلى قلبها علي عبدالمغني، وتسمع ما يتردد على كل لسان:
وين كنت؟
عند علي فلسطين قرب الفتحة التي تؤدي إلى بيت زبارة، حيث كانت الشرطة العسكرية، ونحن نهب كل راحة بين الدروس في مدرسة عبدالناصر إلى مطعم فلسطين، لنكحل عيوننا بمشهد ضباط الشرطة العسكرية وجنودها، والتي كانت في بيت زبارة، وبالتحديد كنا نركز على مظهر يحيى الظرافي الضابط في الشرطة، والذي استشهد وهو يطارد المهربين رحمه الله... كان حارسًا عملاقًا لنادي الوحدة، وقبلها لنادي الشعب كما أعتقد...
كان ملعب الظرافي يتدفق بعد كل مباراة إلى المطاعم والمقاهي المتناثرة في شارع علي عبدالمغني الذي تدفقت إليه البلاد كلها، ومن أندية الوحدة وشعب صنعاء والزهرة والمجد، ومن سينما بلقيس وإليها... ويكون نصيب مطعم فلسطين غالبية من يشاهدون أية مباراة وأي فيلم... وتمتع المطعم بالمساحة التي أمامه، حيث تجد الجميع ليلًا يتوزعون على الكراسي، ويجد الناس بعضهم بعضًا في الليالي المتخمات بالحلم، اصحابهم في هذا المطعم أو تلك المقهاية، أو يتمشون في عالم امتد بين البنك العربي القديم ومطعم الزهرة الذي كان في عمارة الحرازي، والتي استأجرها عبدالقوي عثمان، وحولها إلى فندق الزهرة أو الزهراء...
علي فلسطين صار علامة من علامات الشارع، مثله مثل محمد عبدالحليم بعلامته السيد، والبطاريات الجافة، والمستودع العدني، والسوداني، والشرق الأوسط، وحديث المدينة، ومحال أخرى مشهورة كثيرة مثلت "الجديد" كما قال البردوني، وسحب صنعاء من تلك الساحة الصغيرة بجانب الجامع الكبير...
مثًل شارع علي عبدالمغني من يوم أن شقه المصريون، وتوزع حوله كل أصحاب المهن التجارية، مثًل وجهة اليمنيين، وصارت صنعاء تعرف إلى جانب تاريخيتها بعلي عبدالمغني الذي صار الآن مزدحمًا، وبدون ملامح!
وإلى مطعم فلسطين تدفقت كل الفئات من طلبة وشباب ومثقفين ومفكرين وأدباء ورجال يشار إليهم بالبنان، وكذلك المخبرون والسيئون، وطالما توقفت أمامه تلك السيارة التويوتا "الحبّة" من الأمن الوطني، تبحث عمن أسماؤهم في القائمة!
أتذكر تلك الليلة، وكنا نتوزع على الكراسي، ظهرت يقودها علي العتمي الذي ظل يحدق في الموجودين، حتى قام المساح:
مساء الخير يا عم علي، أنا موجود.
فقلب العتمي في الصفحات:
أيوة اطلع
طيب ما عاد فيش مكان
اتعلق
وهكذا كان..
أشهر تقضيها القائمة في معتقل الأمن، ثم يعودون إلى فلسطين! وعلي عبدالمغني..
في بريطانيا عندما قيل إن مطعمًا عمره 200 عام سيغلق أبوابه بسبب الإفلاس، تتدخل حكومة تاتشر، وتسدد دينه:
هذا معلم من معالم لندن!
فندق الزهرة في عالم الغيب.
فندق المخا مثل مدينة وميناء المخا.
وزحمة تجعلك تكره الذهاب إلى الشارع لتبحث عن آثارك.
المتجر العربي صار صرافة لهذه الشركات التي تلد بعضها!
والشرق الأوسط صار صيدلية مروان، وشرائط تقية الطويلية وعلي حنش صارت من الذكرى، و"يا خبرتي باب السبح راعوا.. لا تفتحوا طاقة ولا تداعوا".
والسوداني غاب ليبدأ الذهب من حيث كان البنك العربي حتى السائلة. ومدرسة عبدالناصر هدموها لا فتح الله عليهم، وفندق الأنوار ذهب مع طه عُبيد، وكذلك الشرق والحدأ لم يعد في الركن، وأغلقت البوفية الطويلة العريضة الأفق أمام كشك الجرائد.
وصار مطعم فلسطين ذكرى جميلة تمتد بين العام 66 و2025، سنوات قضاها علي فلسطين يرحب بزبائنه، ويفتح لهم يديه ومطعمه وقلبه...
الآن علي فلسطين في البيت.
يأتيك صوته وضحكته، فتدوي في أعماقك سنوات من جمال الزمن!