لحظة يا زمن
كلمة لا بدّ منها
العنوان أعلاه عمود صاغه وصانه راحلنا العزيز صاحب العمود، الصحفي المتميز محمد عبدالله المساح. سمحت لنفسي أن أستعير عموده مرتين؛ الأولى كانت غداة كارثة 86، وها هي المرة الثانية أستأذنه ليحتل عموده عنوان مقالي هذا.
خصلات العمر، الزمن تدلت شاحبة على الوجه. تجاعيد لامستها الأصابع بلطف، تداعب إحساسًا يحمل ذكريات زمن مرّ، حاملاً أحلامًا وآمال بشر ووطن.
لحظة من الصمت، لحظة تجلّى عبرها الزمن خارطة أشكال شتى تباينت بين الحزن والآهات. أسئلة تجلت، تسأل في حياء وخجل: ما الذي حصل؟ هذه الوهاد والحفر بقلب خارطة الوجه، كيف رسمها الزمن على الوجه؟
حيرة انتابت الأصابع، ذهبت تستشير العقل هادئًا ليفسر مفاعيل الزمن. قاربت الأعين تجهش بالبكاء باللقاء، اللوم على منعرجات العمر سنينًا لم تراعِ العهد حفاظًا على نضارة كانت وبشاشة رافقت طلة الوجه، يقارع معارك محطات الزمن.
فجأة يعود للعقل ما غاب من هدوء، ليخلق مساحة هادئة يفكر فيها المرء، يعيد ترتيب المراحل وما تداخل بها من إنجازات. قطار العمر يمضي، تمر جغرافيا الزمن، تصنع حوادث جمالها وحسنها وأفكها. كوارث لا يخلقها الزمن، بل تخلقها على محيا الوجوه انفعالات اللحظات التي تدرك قسوة طعنات نالها الجسد من تفاهات الزمن.
كل ذلك مقتدر، لكن أقسى على العمر انعكاسًا على تقاسيم الوجوه ضمورًا وتعبًا، تأتي من طعنة نالها الكيان، الجسد، الإحساس بالحياة، إن لامست طعنة نجلاء من صديق أو رفيق كنت تظنه طول الزمن سندًا وجدارًا صلبًا يصد معك عاديات الدهر. فإذا الأيام تكشف خبايا، تقصف العمر، وليس فقط تعمّق على ظاهر الوجه التجاعيد.
فالناس لا تعير طعنات المواجهات مع مصاعب الحياة اعتبارًا، إذ هي من طبائع الأمور، لكن ما يقصف العمر، بما تشيب له الولدان وتعجل ببروز شعيرات بيضاء تعتلي خصلات الشعر، يأتي حين تأتيه الطعنات من عزيز، من صديق، من كائن كنت تظنه بشرًا، فإذا بك ومع جريان العمر تكتشف أن من اعتقدتهم ملائكة هم وحوش كواسر.
ولكن بعد وقوع الفأس في الرأس، وعلى محيا الوجه تعرجات جغرافيا الزمن، صدقوني: اللحظات، الأيام، الأشهر، السنين، عقود العمر، معارك يومية نخوضها، والواقع غابة. معالمها مهما تمايزت الضحكات، فبين البين ضحكات خاملة، سكاكين حقد تطعن بالخفاء.
يخفف من وطأتها كلمة نجلاء يرميها عابر سبيل، يعيد التوازن بين آهات تكذب، ولعنات تطعن، ووشايات تخنق الرمق. هنا نقول ما قاله الراحل المساح: لحظة يا زمن.
يا زمن، لك معنى ندركه حين نبحث عنه في وجوه من نحب. كثيرون كانوا ضمن سجلات الزمن، عناوينهم شتى، ضحكاتهم إن تعالت تفلق الحجر، وإن كتبت مالت تارة نحو الغزل، الإطراء لمن نافق أو كذب.
لست طول الوقت قاسيًا يا زمن، لست المهيمن بالمعنى الفلسفي. لحظة للوعي يصل إليها أولئك البسطاء العظماء، يمهدون الطريق للآخر كي يمر، أنبياء العمر. تحية من عابر لا ينتظر مصلحة ولا اتصالًا ممن كان ينافق، وحين انقضت لحظة الانتفاع انقطع صوته، فلا صام ولا صلى، ولا عبر بسطاء الخلق، ولا أعير انتباهًا أو رفع تحية.
أيها الزمن، تعابيرك برحلة العمر اكتشاف، تأبى المراحل كشف معادنها. لكن صدفة، وما أحلى الصدف، ينتابك القلق، وشعيرات بيضاء تهاجم الحياة، تستجلب النظرات، تراها بأم العين طعنات. وما تكاد تخلص من مأزق الشعيرات حتى تفاجئك الأيام على بشرة الوجه بخطوط الطول والعرض. وتلك، ورب العزة، أقل مرارة من رنة هاتف كانت تطارد هاتفك، وحين جرت محطات الوظيفة والزمن، إذا الوجوه صامتة، وإذا الشموس كُوِّرت، وإذا الهواتف صامتة، وإذا أنت تسأل:
ماذا جرى للناس يا زمن؟
سؤال جوابه أنت أدرى الناس به، فلا تتعب كثيرًا. دع الخرائط كلها، قد مرّ عليها الزمن. أنت تعيس بزمن لا يمت لزمانك من قريب ولا بعيد. عليك قراءة:
الأيام دول
يوم لك
ويوم عليك
والقول:
﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾
خوفي عليك يا وطن، تلاعبت بك حقب أزمان. زمن أسوأ منها زمان أبي لهب، زمان حمّالة الحطب، زمن من أراد ومن يريد تقسيم الوطن.
تحية لك يا مساح، أدركت متى تغادر ساحة البشر.
