صنعاء 19C امطار خفيفة

الثقافة في اليمن: فرصة جديدة بين إنقاذ التراث وإعادة بناء الحياة الثقافية

في بلدٍ مثل اليمن، حيث تتجاور طبقات التاريخ فوق أرض واحدة، لا تبدو الآثار مجرد بقايا من الماضي، بل هي سجل حيّ لحضارات تعاقبت وأسهمت في تشكيل هوية هذا المكان وروحه. لذلك فإن أي مبادرة رسمية تتعلق بحماية الآثار وإعادة الاعتبار للتراث الثقافي لا يمكن النظر إليها بوصفها إجراءً إدارياً عابراً، بل باعتبارها خطوة ذات دلالة عميقة في سياق استعادة الوعي الثقافي لبلد أنهكته الحرب.


في هذا الإطار، تكتسب التوجيهات التي أصدرها وزير الثقافة والسياحة اليمني مطيع دماج بشأن الاهتمام بالآثار وإعداد برنامج للتعامل معها والحفاظ عليها أهمية خاصة. فاليمن يعد من أكثر البلدان ثراءً بالمواقع الأثرية والمدن التاريخية، غير أن هذا الإرث الحضاري تعرض خلال السنوات الماضية لأضرار جسيمة نتيجة الحرب والإهمال وعمليات النهب التي طالت كثيراً من المواقع والمقتنيات التاريخية.

مطيع دماج
إن حماية الآثار في اليمن ليست مسألة تقنية تخص خبراء الآثار وحدهم، بل هي قضية وطنية تتعلق بحماية الذاكرة التاريخية للشعب اليمني. فالمعابد القديمة، والنقوش الحجرية، والأسواق التاريخية، والعمارة التقليدية، ليست مجرد معالم سياحية، بل شواهد على حضارات أسهمت في تشكيل التاريخ الإنساني في المنطقة.
ومن هنا يمكن النظر إلى هذه المبادرة باعتبارها فرصة لإعادة فتح ملف الثقافة والتراث في اليمن بصورة أوسع، بحيث لا يقتصر الاهتمام على إنقاذ المواقع الأثرية فحسب، بل يمتد إلى بناء رؤية ثقافية شاملة تعيد الاعتبار للدور الذي يمكن أن تلعبه الثقافة في مرحلة التعافي الوطني.
لقد مرت المؤسسات الثقافية في اليمن خلال سنوات الحرب بظروف صعبة أدت إلى تراجع دورها إلى حد كبير. توقفت مشاريع عديدة، وتعطلت برامج ثقافية كانت تمثل رئة للحياة الفكرية والفنية في البلاد. كما فقد كثير من المثقفين والفنانين مصادر عملهم، في حين تراجعت الفعاليات الثقافية التي كانت تشكل مساحة للحوار والإبداع.
وفي هذا السياق، تبرز جزيرة سقطرى كمثال حي على الفرص المتاحة لاستثمار الثقافة والسياحة معاً. فالجزيرة تجمع بين الطبيعة الخلابة والدهشة الجغرافية، ويمكن تطوير بنيتها التحتية بشكل يخدم السياح والزائرين، بما يجعلها منصة لجذب إيرادات كبيرة. ولتحقيق ذلك، يمكن إنشاء صندوق خاص لتفعيل الموارد الناتجة عن السياحة في سقطرى، بحيث تُعاد توجيهها لدعم الثقافة والمثقفين، من خلال تمويل برامج فنية وأدبية، ودعم الفعاليات الثقافية، وإعادة تأهيل المعاهد الفنية، وتعزيز المشهد الإبداعي المحلي. هذه الخطوة، إذا أُديرت بشفافية واحترافية، يمكن أن تحوّل تجربة الجزيرة إلى نموذج يحتذى به في ربط السياحة بالثقافة، مع تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي ملموس يدعم الحياة الثقافية اليمنية بأكملها.
إن إعادة إحياء السياحة الثقافية لا تعني فقط استقطاب الزوار من الخارج، بل تعني أيضاً إعادة اكتشاف اليمنيين أنفسهم لتراثهم وهويتهم الحضارية. فحين يشعر المجتمع بقيمة تاريخه وثقافته، يصبح أكثر قدرة على حماية هذا التراث والحفاظ عليه للأجيال القادمة.
غير أن النهوض بالثقافة في اليمن لا يمكن أن يقتصر على ملف الآثار وسقطرى وحدها. فالثقافة منظومة متكاملة تشمل الأدب والفنون والمسرح والموسيقى والتراث الشعبي والتعليم الفني، وكل ما يسهم في تشكيل الوعي الجمعي للمجتمع. ولذلك فإن أي مشروع جاد لإحياء الثقافة يجب أن يتضمن رؤية شاملة تعيد الاعتبار لجميع هذه المجالات.
لقد تضرر آلاف المثقفين والفنانين خلال سنوات الحرب، حيث فقد كثير منهم وظائفهم أو مصادر دخلهم، وتوقفت مشاريعهم الإبداعية بسبب الظروف الصعبة. كما أُغلقت بعض المعاهد والمؤسسات الثقافية التي كانت تشكل حاضنة للمواهب الشابة. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة تفعيل المعاهد الفنية والثقافية المتوسطة والصغيرة التي كانت تسهم في إعداد أجيال جديدة من الفنانين والمبدعين، إضافة إلى دعم الفنانين والكتاب الذين تضرروا خلال سنوات الحرب.
كما أن إعادة إحياء الفعاليات الثقافية تمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه. فالمهرجانات الأدبية والفنية، والمعارض التشكيلية، والأنشطة المسرحية، ليست مجرد مناسبات احتفالية، بل فضاءات ضرورية لتجديد الحياة الثقافية وتعزيز حضورها في المجتمع.
ومن بين القضايا التي تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً إعادة تفعيل صندوق التراث والتنمية الثقافية، الذي كان في فترات سابقة إحدى الأدوات المهمة لدعم المثقفين والمبدعين. فقد أسهم هذا الصندوق في تمويل مشاريع ثقافية عديدة، وكان يوفر دعماً مباشراً للكتاب والفنانين في مختلف المجالات، غير أنه تعرض خلال سنوات الحرب لقدر كبير من التعطيل وسوء الإدارة، الأمر الذي يستدعي اليوم إعادة تنظيمه وفق آليات شفافة تضمن توجيه موارده لدعم المشاريع الثقافية الحقيقية.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن الحديث عن نهضة ثقافية حقيقية من دون الاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى المثقفين اليمنيين الذين لعبوا أدواراً مهمة في الحياة الثقافية خلال العقود الماضية. فقد شهدت بعض المؤسسات الثقافية في السنوات الأخيرة حالة من التهميش لكفاءات ثقافية معروفة، بينما تولى إدارة بعض المرافق أشخاص لا يمتلكون الخبرة الكافية في هذا المجال.
إن الثقافة ليست وظيفة إدارية عادية، بل مجال يحتاج إلى رؤية وخبرة ومعرفة بطبيعة العمل الثقافي. ولذلك فإن إشراك المثقفين في صياغة السياسات الثقافية يمكن أن يسهم في بناء برامج أكثر واقعية وفاعلية.
كما أن الثقافة يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تحسين صورة اليمن في الخارج. فاليمن، رغم ما يمر به من ظروف صعبة، يظل بلداً غنياً بتراثه الحضاري والفني، ويمكن لهذا التراث أن يكون جسراً للتواصل مع العالم. والسياحة الثقافية تحديداً تمثل أحد المجالات التي يمكن أن تسهم في دعم الاقتصاد الوطني مستقبلاً، إذا ما توفرت لها الظروف المناسبة والتخطيط السليم.
إن بلداناً كثيرة حول العالم استطاعت أن تحول تراثها الثقافي إلى مصدر مهم للدخل الوطني، وفي الوقت نفسه إلى وسيلة لتعزيز حضورها الثقافي على المستوى الدولي. واليمن يمتلك مقومات لا تقل أهمية عن تلك التي تمتلكها هذه البلدان، لكنه يحتاج إلى رؤية واضحة وإدارة فعالة للاستفادة من هذه الإمكانات.
في نهاية المطاف، تبقى الثقافة هي الواجهة الأعمق لأي بلد أمام العالم. فهي التي تعكس تاريخه وروحه وجماله الإنساني. وإذا كان اليمن قد عُرف عبر تاريخه الطويل بأنه أرض الحضارات والشعر والفنون، فإن الحفاظ على هذه المكانة يتطلب اليوم عملاً جاداً يعيد للثقافة موقعها الطبيعي في الحياة العامة.
إن المبادرة التي أطلقها وزير الثقافة مطيع دماج بشأن حماية الآثار يمكن أن تكون بداية مهمة في هذا المسار، وتتحقق بشكل أفضل عندما تُدمج مع رؤية شاملة لاستثمار المواقع السياحية مثل جزيرة سقطرى، وإعادة توجيه الموارد الناتجة عن السياحة لدعم الحياة الثقافية، بما يجعل الثقافة قوة فاعلة في إعادة بناء المجتمع اليمني بعد سنوات طويلة من الصراع.

الكلمات الدلالية