صوت لن ينطفئ
قلادة شمسان على صدر ناصر بحاح، مذهَّبة، وهبها معطى المواهب ميزاتٍ لمن يستحقها عن جدارة واقتدار: ثقافةً واطلاعًا، وقبل هذا وذاك سموًّا عن الصغائر. حضورٌ تتشرف به لحظات الإشراق صوتًا مذيعًا، وشعرًا بديعًا، وروحًا… عناقيد روح.
بساطتها تحمل في جوفها معاني السمو والخلق الرفيع، وبساطة تجمع بين الأصل والأصالة. تظل تشع خيرًا وإبداعًا مهما تقادم الزمن أو شاخت الأيام. ظل كما كان، وما زلت أراه كذلك، رغم اختفاء نبضات قلمه.
إبداعاته الحاملة للصدق، أمانة القول، ودقة الإحساس بنبرة كل حرف يكتبه لتصل إلى روح وعقل من يحبهم. العزيز الدائم ناصر بحاح؛ هو هكذا كان، وهكذا ظل وسيظل. نبرة حرف تقول إن قالت تضيف ولا تتصنّع، لكنها تضيف ألقًا وصدقًا، تستدعي من الذكريات أجمل ما فات، وتطرح رؤى لما ينبغي أن يكون لصالح الإنسان أيًّا كان وأينما يكون.
حرفه وطن، وكلماته مشاعر إنسان، وسطورُه خطوط الطول والعرض لوطنٍ ساهم في بنائه المكان. أي مكان بالنسبة له وطن، تمامًا كما الكلمة بالنسبة له أمانة.
ناصر بحاح الذي عرفته ردحًا طويلًا من الزمن؛ بكل بقعة التقينا فيها كان يصنع وطنًا نعشقه ونبنيه بالأحلام وبما نكتب. ناصر، حين كان صوتًا يذيع، كان صوتًا يرتاح له وجه جبل شمسان، وكان صداه يتردد في جبل عيبان.
كان، وما زال، عاشقًا حتى الثمالة لمدينة أحبها: عدن… كما أحب المكلا وسواها. والشاعر يحب كل الأمكنة التي تطأها قدماه، لكن تظل أعماق الشاعر غلّابة تناجي ليلاها:
«وما الحب إلا للحبيب الأول».
كان وما زال محبًا لعدن؛ المدينة الحديقة، ديوان الشعر وملهمة الكلمات.
أكتب هذه الكلمات وأنا بأشد حالاتي وجعًا وألمًا. فقد انقطعت أخبار ناصر، وبت أشعر أن مورد الماء المطفئ لهيب الظمأ قد انقطع؛ فلا صوته في الهاتف يرن، ولا انسياب كلماته عبر وسائل التواصل الاجتماعي يشع نورًا وقولًا جميلًا.
أيها الرمز الباقي أقلًّا في زمن بات فيه الجحود سمة البعض ممن كانوا يومًا يضحكون. واليوم صارت التحية والكلمة تضيقان عن النطق لدى من يتناسون أو يتعمدون النسيان والتغاضي.
لا، لم يكن ذلك من سمات ناصرنا العزيز: الصوت البلبل، والحرف الجامع، والروح التي تحمل في ثناياها معنى أن يكون الإنسان أخًا وصديقًا، وفوق ذلك شاعرًا تفيض ملكاته بساطة وصدقًا. وتلك، ورب العزة، كنت ألمسها حين كنا نقضي ثوانٍ وسويعات تساوي عمرًا كاملًا.
إليك، أيها الناصر الشاعر المبدع، البسيط بساطة الشهم، من يمتلك ثروة من الخلق والإخاء أثمن من ثروات زمننا الرديء. كم أنا حزين لأنني لم أعد أهاتفك، فهاتفك صامت.
تذكّر، أيها الناصر الأعز، حين زرناك أنا والعزيز عوبل، ووجدناك وحيدًا في منزلك بحي القطيع، كأنك بمعرّة أبي العلاء شاعرًا تحاسب دهرًا لا يلين لعاتب.
إليك أكتب هذه الكلمات، عسى أن تصل إليك. وعبرها أرجو أن أستطيع خلال خواتيم رمضان زيارتك. وكم هي فرحة العمر إن أُتيحت زيارتكم خلال أيام عيد الفطر المبارك. سأقول له:
«عيدٌ بأي حالٍ عدتَ يا عيد؟»
سيجيب: ها قد عدتُ بصحبة صوت الزمان الشجي، شاعر اللحن الأجمل والروح الأطيب.
