الأربعاء 27 مايو 2026
  • الرئيسية
  • عبد الرحمن منيف وروايته مدن الملح: المُنبَتّ

عبد الرحمن منيف وروايته مدن الملح: المُنبَتّ

عبد الرحمن منيف وروايته مدن الملح: المُنبَتّ

يُسَمِّي الرِّوَائِي عبد الرحمن منيف الجزء الرابع من روايته: «المُنبَتّ». وَيُصدِّرُهَا بِالحديث الشريف: «إنَّ المُنبَتَّ لا أرضًا، قَطَعَ، وَلا ظَهرًا أبقى».

تقع «المُنبَتّ» في 258 صفحة بالقطع الصَّغِير. وَيَسرد الروائي رِحلَةَ السُّلطَان «خزعل» إلى ألمانيا؛ لقضاء شهر العسل بزواجه من الطِّفلَة ابنة الحكيم صبحي المحملجي؛ وهو «المُنبَتّ» البَطَل.

يبلغ السلطانَ كَبيرُ المضيفين الاقتراب من «شتو تغارت»؛ في حين يحدثه مرافقه شايع: «أربع لا يشبعن من أربعة: عَينٌ من نظر، وأذنٌ من خبر، وأرضٌ من مطر، وأنثى من ذَكَر».

ابتسم السلطان وَمَسَّدَ لِحيتَه

استقبلتهُ فرقة موسيقى في «بادن بادن». هَمَّ السُّلطَان بالمشاركة في الرَّقص، ولكنه تراجع،

وتجرأت النساء في متابعة الرقص؛ وَالسُّلطَان مَأخوذٌ بكل ما يشاهد: الخُضْرَة، الجمال، النَّهَار الباهِر، الشَّمس التي لا تغيب.

تدعم الدولة المزارعين، وتساعدهم على تشذيب الغابات، وإيقاف زحفها على المدن، وتصنع أسس حضارة ألمانيا الحديثة.

يرفض السُّلطان استقبال وجهاء الجالية العربية. اهتزَّت غرفة زيد الهريدي؛ حين دَخَلهَا السَّفير مُضطَّرِبًا مُصفَرَّ الوجه. سَألَ السَّفير: «هل أنت متأكد؟».

يَهزُّ رَأسه. والحكومة الألمانية تريد مُقابلةَ السَّفِير.

الحيرة.. كيف يبلغ السُّلطان؛ وهو في حضن عرسه؟

المفارقة أنَّهُ قَبلَ معرفة خبر إزاحته، يطلب إلى زيد الهريدي الأقرب له: أنه بعد عودتهم لا بُدَّ وأن يقوم بزيارة الشَّيخة زهوة، وزيارة المعاريف، وطلب السَّماح، والاستماع إليهم؛ ومنهم: «شَدَّاد»، و«شَمران»؛ وهما معارضان تعرضا للتنكيل: شَدَّاد بنقل سوق الحلال، والثَّاني: تقتيل خيوله، ونهب أرضه. (الكاتب).

كَمَا سَيعمَل على بقاء سُوق الحلال في مكانه، ولا يترك أحدًا يجوع أو يحتاج.. «وَبَعدَ اليوم يا زيد لا نترك الشيبان اللي ما عندهم إلا قال الله، أو قال الرسول، يملون مجالسنا، ويسدون بيباننا. خلنا نروح للنَّاس. خلهم يجونا، وبعدها نسوي اللي يقدرنا الله عليه؛ لأنه بعد اليوم مالنا عذر، ومالنا شفاعة عند أحد»(1).

وينتقد مسئول الأمن والسلامة.. «وحَمَّاد ماله سالفة إلا احذر. والتخويف من أولاد الحرام، ومن المؤامرة الفلانية، والجماعة الفلانية».

ويعد بفتح الأبواب والنوافذ، ويعلن إعجابه بأوضاع الألمان، وَالخُضرَة، والشبع في بلادهم، ويعد بالزراعة، والاتجار وإيصال الماء بالمواسير إلى البيوت.. «والمهم أنَّ الواحد ينوي»(2).

يسأل عن السفير. يخبره زيد بطلبه من الخارجية الألمانية. ويتوقع السُّلطَان طلب الألمان مقابلته.

بعدما عَرَف يُهَدِّد ويتوعد.. «والله والله لا خلي الدَّم للركب».

ينقطع التواصل مع السفارة، ومع السلطنة. وَيُهدِّد السُّلطَان بالرُّجُوع.

بطلب من السَّفِير ناصر السحيمان، ومرافقه زيد الهريدي الاتصال بالسلطنة، ويحاولون دون جدوى، مع محاولة تهدئته؛ وَأنَّهَا نزوة سَيتمّ التَّرَاجُع عنها.

يَصُبُّ جام غضبهِ على فنر؛ مُتَّهِمًا البريطانيين والأمريكان بتحريضه، وَطَلبَ إرسال برقية بِأنَّ السلطان في الطريق إليهم، وَأقنِعَ بالتريث ليوم أو يومين.

في اليوم السَّابع وَصَلَ الحكيم إلى «بادن» مُنهكًا. وَكَانَ الاتفاق على تأجيل السَّفَر، وإرسال الحكيم إلى «بون»؛ لمعرفة الحقائق وما استجد، بعد اعتذار السَّفِير عن المجيء؛ لأنه في انتظار التعليمات.

لم يتمكن الحكيم من التحدث إلى أحدٍ في «موران»، وارتبك حَمَّاد. أمَّا مطيع، فقد قال له: «بعيدين يا خالي».

وَيَجزم الحكيم أنَّ الشغلانة ماهي شغلتهم. ويتهم الإنجليزي الذي وَزُّهُم.

أبلغ السَّفير الحكيم بالبرقية الواصلة من موران، أبلغوا فيها السُّلطَان السَّابق أنه إذا أراد أن يَبقَى أخًا، وموضعَ تقدير، وَأنْ يَعيشَ؛ فَيجبَ أنْ يَنسَى الماضي.

وَأنَّ الإجراءات التي اتُخِذَت كانت ضرورية؛ للحفاظ على السُّلطة. يجب عليه أن يفهم هذا الشيء. وإذا أخطأ أو اغترَّ؛ فَلا بُدَّ أن تنعكس النتائج على الجميع، وإلى أضرار لا تترك شَيئًا، وَلا ترحَم أحدًا.

وَأبلغُوا السُّلطَان السَّابِق أنَّ مصاريف إقامته، وأية مبالغ يحتاجها يمكن تأمينها؛ بشرط أن يصمت، وينسى أنَّهُ كَانَ السُّلطَان. وقد خَبَّأ السَّفير بعض الفقرات(3).

غَرِقَ القصر في الصَّمت. وفي لقاء مع المرافقين: نزلاء فندقين، يقترب عددهم من المئة وسبعين؛ بعضهم مرضى أتوا للعلاج= اجتمع بهم الحكيم، وألقى كَلمَةً باسم السُّلطان؛ وقد بدأوا يثيرون التساؤلات، ويتصارعون مع بعضهم، ومع إدارة الفندقين، وَيَسخرونَ من الحالة القائمة.

وعندما أحضر الحكيم بدري أبو مصباح؛ لِيَحلِقَ للسلطان رأسه، كانت حالته صَعبة؛ يشبهه بكيس اللبن؛ مصاب بارتجافات عصبية في الوجه، وتشنجات مفاجئة؛ قد تؤدي إلى أخطاء لا يمكن تفاديها.

«أريدك يا سمير أن تعطيني نفسك». يقول الحكيم لسمير قصير. «أن تكون ساعدي ومساعدي».

وأجابه سمير: «الصِّراع بين أخوة، وأنا وأنت غرباء. والأنسب أن نبقى بعيدين».

«لا المسألة مبدأ. ونحن من الأسرة». يقصد النسب.

وَشَعَرَ بالحَرَج؛ فأضاف: «المسألة أكبر من الأسرة؛ ومطلوب من كُلِّ إنسان أن يُحَدِّد موقفه»(4).

الاجتماعات لا تهدأ ولا تتوقف لَيلاً ونَهارًا. السُّلطَان غَاضِب، ويلغي الاجتماعات بِحُجَّة انحراف الصحة.

مركز الثقل انتقل من الداخل كرؤية الحكيم. والموقف تحسمه القوى الكبرى. ويفكر بإعداد بيان قوي يُذَاع على العالم حول الأحداث الأخيرة في موران(5).

وَمَعَ تزايد الاجتماعات؛ تتزايد التهديدات، وَتَتفاقم مشاكل نُزَلاء الفندقين. ويصل السكرتير الأول للسفارة إلى القصر حَامِلاً رِسالةً شفوية..

قَلَق السَّفَارة من النشاطات المعادية والتحريضية التي تتم في «بادن بادن»، وتعتبر هذه النشاطات غير الوُدِّيَّة بمثابة موقف عدائي تجاهها؛ الأمر الذي يضطرها إلى اتخاذ موقف مقابل.

وَقَد أبلغت السَّفَارة بضرورة إبلاغها بجميع التحركات؛ لكي تحدد الموقف على ضوئها.

ويشير السَّفِير أنَّهُ لا يمكنه أن يتغاضى؛ لأنَّ هناك من يبلغ موران مُباشَرةً، ويطلب إيقاف النشاطات(6).

غَضِبَ الملك من رسالة السَّفير، وَغَضِبَ أكثر أنهم لم يقبضوا على السكرتير، ولكن الحكيم أفهمهم أنَّ لَهُ حصانة، وأنهم في ألمانيا.

مشكلتان تواجهان الحكيم: الأمير فنر، ووداد. يستعيد الحكيم ذكريات موران، واستضافة خزعل في «المليحة».

يتسلل لَيلاً إلى الغرفة؛ مُعتَقِدًا أنَّ وداد نائمة، ولكنها تستقبله باللوم وَالشُّكَا والبكاء؛ فيستطيع إرضاءها.

هانس أورلخت سِمسَار ألماني ينسج علاقة بالقصر؛ لِيَكونَ مُتعاونًا.

مزاج السلطان يزداد سُوءًا كُلَّ يوم. وسمير عنفص طَلبَ مَبلغًا من المال؛ لإرساله للقاهرة. حَصَلَ على المال، واختفى.

بدأت صحف موران تصل، وَيَتعمَّد السَّفير إيصالها للقصر؛ وفيها إشادة بالعهد الجديد. وكانت أخبار وموضوعات صحف موران تشعل النَّار في القصر.

وَيَتوجَّه شَيءٌ من اللوم للحكيم الذي يَضطرّ للانزواء بِحجَّة المَرَض. والاتصالات بموران متعثرة.

يحاول الحكيم التَّواصُل مع غزوان دون جدوى، وعندما يتمكن يطلب منه المجيء إلى بادن؛ فيعتذر لارتباطه بمواعيدَ مُهِمَّة، ويبذل الحكيم مَجهودًا كَبيرًا للحصول على تأشيرة للسفر إلى أمريكا. يسمحون لزوجته، ولا يسمحون له.

تسافر وداد، وتفشل كُلَّ المساعي لحصوله على التأشيرة.

ألقَى السُّلطَان خِطابًا بين المجموعة. شَكَى خيانة الأصدقاء والإخوان، وَخَيَّرَ الموجودين بين البقاء، أو العودة، وَأثنى الحكيم على كلامه.

مَحُاولات الحكيم الاتصال بغزوان، وَحَثَّهُ على زيارة بادن بادن لا تؤدي إلى نتيجة، وَتأخذ في السَّرد مِسَاحةً وَاسِعة.

وَالسُّلطَان لا يُعلِّق الكثير على غزوان. وَتُقبَل سِمَة وداد؛ لزيارة أمريكا، وتبدأ الاستعداد للسَّفَر.

يصل الأمير محجم لزيارة أخيه. يَلتقيان مَعًا. وَاصلا الاجتماعات وحدهما. يُقِيم السُّلطان وَجبةَ غداء لعدد كبير، يكون الحكيم وَاحدًا منهم، وعندما يتحرك الأخوان يرافقهما زيد؛ سَواءٌ داخل القصر، أو أثناء النزول إلى المدينة.

تُعومِلَ مع الحكيم وكأنه غير موجود، أو لا شيء.

يبكي. يضرب رأسه في الجدار.. كيف؛ وهو المستشار يُتَعامَل مَعَهُ بالتجاهل، ويحتاج لكي ينام استخدام الفاليوم.

أصيب بانهيار كامل: حُمَّى، وبردوة تتناوبان عليه كُلَّ ساعة، وأطياف تحوم حوله، وأصوات تخاطبه، ولا يستطيع التمييز.

زَارهُ السُّلطان وزيد مَعًا، ثُمَّ زَاره كُلَّ وَاحدٍ بمفرده.. أخذ يشغل نفسه بمراقبة الحمام في دُور النقاهة.. يستمتع بصوت البلابل. تبلغه سلمى بين حين وآخر باتصال غزوان والأم.

وَصَلَ خمسةٌ من أولاد السُّلطان، ومعهم عديلة. أجريت عِدَّة تبدلات في القصر، وَلازَمَت سلمى غرفتها.

حَاولَ السلطان من خلال زوجته وأبنائه أن يعرف تفاصيلَ ما حدث، وَتوافقَ كُلّ فرد والمحيطين به أنَّ الخيانة جَتْ من جماعته.

وَقَال السلطان: «المسألة أكبر من حَمَّاد ومن فنر». قالت عديلة: «ثارنا عند اللي خانونا: حَمَّاد، وفنر».

وَطَلبَ السلطان منها ترك السَّالفة للرجال، ولكنها واصلت: «كُلّ البلاوي يا طويل العمر جت من خويك الحكيم».

تركها تتكلم.. «من يوم ما شفناه ما شفنا الخير»(7).

أولاد السُّلطَان الصِّغَار كبروا.. حملوا كميات كبيرة من الذهب والمال والمجوهرات.. كبروا من الهزيمة، ويرغبون في الانتقام.

قال مجلي- الابن الكبير: «لي كلمة معاك يا طويل العمر، وأريدك ما تزعل مني».

رَدَّ السُّلطان؛ وهو يضحك: «أريدك تسولف».. «ما ظل حد ببوران إلا وقال لي: بعدما تبلغ طويل العمر السلام؛ هذا خويه- نسبه الجديد، إذا تَركَه اليوم قبل باكر أخير له وأحسن. حتى أعمامنا يقولون: لو أنَّ السلطان ما حَطّ يده بيد الحكيم.. لو ما ناسبه؛ كانت الأمور ما وصلت ها المواصيل»(8).

كان التحريض ضد الحكيم كَبيرًا، ويبدو أنه مُوحَىً به من موران.

تَحدَّثَ مجلي مع زيد فوافقه، ووعده بأنَّ تهجيج الحكيم سَهل، ولكن تبقى علاقة السلطان بابنته؛ إلا إذا الوالدة ساعدتنا(9).

كانت عديلة قد بدأت الشغل قبل أن يكلمها أحد؛ فهي تعرف أنَّ تَعلُّق السُّلطان بالحكيم لأجل المقويات، وَرُبَّمَا السِّحر، وأدركت أنَّ السُّلطَان وسلمى بعد شهر كالحبال المبلولة. والبنت خجولة شديدة الارتباك كطالبة مدرسة، وطفلة غِرَّة.

سَلَّطت عديلة خادمتها روفة على سلمى؛ لِتستخرجَ منها أسرار ممارسة السلطان معها، وَنَقلت كُلَّ مَا دَارَ إلى عديلة، وإلى السلطان.

صفاء الشَّلَبي -كأخ شقيق لغزوان- يعرف أدقَّ التفاصيل عن عائلة غزوان، قبل أن يقدم الهدايا، قَدَّمَ رسالة غزوان للحكيم.

يُعَبِّر عن فرحه لِمَا حَصَلَ لسلمى، ويؤكد أنَّ الأعمال الحُرَّة علمته أنَّ الثروة والثروة الحقيقية هي الهدف.. «ولذلك؛ فَإنَّ السؤال الأساسي الذي أطرحه على نفسي صباح مساء هُوَ: كيف أستطيع أن أصل إلى الثروة؟ وكيف أصبح ثريًّا؟»(10).

ويرى أنَّ موران هي الثروة، وليس السلطان. ويطرح ضرورة التعامل مع الإدارة الجديدة، وإزالة ما عَلِقَ بالأذهان: الارتباط بالإدارة القديمة.

سَألَ الحكيم صفاء عن العقود السابقة؛ وهل نفذت؟ وعن العقود الجديدة.

يعود بالذاكرة إلى وصوله إلى موران، ومحاولاته البائسة التخاطب بلهجة موران، ودور مالك الفريح في التسمخر به، ومحاولاته معرفة طباع الناس، وكيف يفكرون، وغموضهم، وشدة مكرهم.

ويحتار من تَبَدُّل موقف السُّلطان منه بعد مجيئ محجم، ووصول عديلة؛ فَلمْ يَلتقِ السُّلطَان إلا مرتين بعد مجيئ عديلة؛ وَكَانَ السُّلطان في حالة سُهُوم، وتبادلا بضع كلمات، وبدا السلطان أكثر مَيلاً لزيد.

يقرر مُفَاتَحَةَ السلطان، ثم يَتراجع. يفرح لسفر غزوان ووداد لموران، ويبقى حَائرًا في حالته.

يفكر في الاستعانة بشايع السحيمي، ثُمَّ يتراجع، ويستقر رأيه على مفاتحة زيد الهريدي.

بدأ اللقاء مع زيد الهريدي.. يَعِدُهُ بصفاء القلوب، والتسريع بالعودة إلى موران إذا مَا تَمَّ الاتفاق بينهما. «وطويل العمر ما له أحد غيرنا».

وعندما يسأله زيد: كيف؟

يَرُدُّ عليه بقطع علاقة السُّلطان مع إخوانه؛ يَرُدُّ زيد: «الرأي رأيه. والأفضل لا نتدخل في الأخوة».

يا زيد من يوم مجيء محجم، وأحوال السلطان متغيرة. يطلب الحكيم من زيد المواجهة مع إخوان السلطان؛ في حين لا يرى زيد صَوَاب ذلك. ويشعر الحكيم بمرارة الهزيمة، وما تتركه.

لَمَحَ زيد يدخل القصر في ساعةٍ متأخرة من الليل. بعد نِصف سَاعة تأتي سلمى؛ وهي في حَالةٍ من الخوف.

أحداث كثيرة حصلت. قال لي السلطان: «أنت طالز.. أنت طالز.. أنت طالز».

حمل زيد إليه صُرَّة تملأ كَفَّهَ، وعلبتي الدواء، ووعده بالبحث له عن بيت. طَلَبَ منه الحكيم من يوصله إلى محطة القطار.

انتابه شعور بأنَّ هناك من يترصده لاغتياله. مَلأهُ هذا الشعور بالخوف، وَحَكَمَ تصرفاته.. يتخفى. يُغَيِّر الملابس.. يتنكر، ولديه قلق، وخوف.

علن لسلمى انتهاء عصر موران، وَلا بُدَّ من البدء من جديد؛ مُعتذرًا عن هَا الجيزة اللي ما كان لها لزمة.

وَيَطول الحديث بينه وبين غزوان بعد رجوع غزوان من موران. التقيا في جنيف. سأله عن الفتاة المرافقة. رَدَّ عليه: إنها سكرتيرته.

يلومه على ترك أمِّهِ في موران. ويتحدث غزوان عن مشاريعه الجديدة. استأذنَ في السَّفر؛ لارتباطه بموعد في اليابان؛ مُذكِّرًا أبيه بما قَالَه:

«وطن الإنسان حيث يكون قَويًا وَمؤثرًا وَقَادرًا. الوطن ليس التراب، أو المكان الذي يولد فيه الإنسان؛ وَإنَّمَا المكان الذي يستطيع فيه أن يتحرك.. هل تتذكر، أم نسيت؟!»(11).

هَمُّهُ كبير في التأليف، وفي رأسه عشرات العناوين، ولكنه لا يقرأ، ولا يصطحب كِتابًا. وعندما يُسأل عن مؤلفاته؛ يُحِيل إلى مشاغله الكثيرة.

تَمَّ الاتفاق على شراء قصر له في جنيف، وكان صديقه مولان وصديق غزوان صفاءهما الأساس. وضع هو مواصفات القصر ومكانه.

فَكَّرَ؛ وهو في السيارة بالعناوين للدفاتر الثلاثة: «أثقال المنون في معرفة الظنون». وهو متردد في العناوين، لكنه يريد إلزام نفسه ببرنامج، ولا يترك شَيئًا للصُّدفَة، أو المزاج.

موران في ذاكرته مضطربة. يتذكر النَّاس الذين ساعدهم، وفتح الأبواب أمامهم، وتنكروا له.

يُفَكِّر في الكتابة دون مراجع، أو مناقشة أحد. يفكر في نسيان موران، والبادية.

سائق السيارة المرزوقي غير قادر على التفاهم معه. يحتار في اختيار اسم للقصر: «عُشّ النَّسر»، واستبعده؛ لارتباطه بالسُّلطَان.

ويتذكر قِصَّةَ الكتاب الذي كان هو وسمير يعملان على تأليفه عن السلطان، ويتبرم بمحاولة إرضاء الشَّرِه المنافق سمير الذي صَرَفَ عليه ما يمكنه من تأليف عَشرةِ كُتُب(12).

لن يَقعَ بعد اليوم في أشراك الآخرين.. يجب أن ينصرف إلى كتاباته الخاصة(13).

سَألَ المرزوقي: «هل تبقى هنا طول حياتك؟ بحق الرَّبِّ ما تقول لي: نروح فين؟ ما نحب نرجع للبلاد. نحب البلاد، لكن بالبلاد ما في إلاChomage ، والبوليس(14) .

كَانَ الحَكيم عَائدًا مع السائق؛ عندما شاهد البوليس أمام القصر، وتبين موت سلمى في الحمام.

الكلب الألماني ظَلَّ ينبح؛ فتحركت الخادمة، والبستاني؛ ليكتشفا أنَّ بابَ الحمام مُغلَق؛ فاستدعى البوليس، وَجَرت تحقيقات، وظلت الأسئلة دون إجابة.

في القصر أدَّى طلاق سلمى، ومصير أبيها إلى حالة تعاطف في صفوف المقيمين في الفنادق، والحراسة. وحتى زيد الذي شاهد خروج سلمى، وَعَبَّرَ عن حزنه، وَتَغيَّرَتْ النظرة للسُّلطان الذي لم يرحم أقرب الناس إليه.

وَسَاءت النظرة لعديلة، ولمبارك الموينع- مسئول التحقيقات في القصر، وَهَربَ كثيرون، وأصبح نزلاء الفنادق أكثر شَراسةً وَتحدِيًّا.

أوقفَ مبارك صرفيات نزلاء الفندقين بتهمة السُّكر؛ فتنادوا للاجتماع والاحتجاج؛ مَا أدَّى إلى اعتقاله وعزله.

وَتَبيَّنَ لمدير أحد الفنادق أنَّ قَتلاً قد حَدَثَ في الغرفة 337، ويعتقد وجود أسلحة؛ فَيُطَوِّق الفندق من قبل البوليس.

تَولَّت السَّفَارة التفاوض مع بلدية المدينة، وَتَغيَّرَ موقف البوليس، وَجَرى تسفير عدد من المرافقين، والمرضى، وقسم من الحرس، ووصل الابن الأكبر مشعل وثلاث من نساء السلطان، وَحَمل لأبيه أخبار عن قرب موعد الحل.

ولوصول مشعل والزوجات الثلاث علاقة بالثروة، وولاية العهد، ومنافسة الآخرين(15).

وَصَلَ الأخوان: مهيد، ومزعل، وَأكَّدَا، وأقسما؛ كُلٌّ بطريقته.. نَدِمَ فنر على ما حصل، وأنه بعد أن رَاجعَ نفسه، وراجعه الإخوة؛ اعترف بخطئه، وأعلن أمامهم ندمه وتوبته.

لكن يُفَضِّل أن يَتِمَّ التراجع عن الخطا في بحر شهرين أو ثلاثة؛ لئلا يشمت بنا الناس، وَنُطمِعُ العدا.

وكتعبير عن هذا التوجه طلب تأمين رَاحةَ السُّلطَان في المصيف، وتوفير كُلَّ مَا يحتاج؛ كَمَا طَلبَ من الأولاد والأخوة القيام بزيارته، والتماس العفو منه(16).

حَاوَلَ السَّفير أن يقبل ركبته، ويعتذر، ولكنه مَنعهُ. وأبدى قَدرًا من التسامح، وَنِسيانَ الماضي، ولكنه كان في نفسهِ مُصَمِّمًا على تصفية كُلَّ مَن غَدَر، أو خان، أو شَارَك.

كَتبَ يوسف شاهين عن عظمة السُّلطَان، واهتمامه بأخيه المعزول، واتصاله بالسفارة. وكان يتلقى تقارير ضافيةً من بعض مرافقي السُّلطَان المخلوع، وكانت هذه التقارير تصل عبر قنوات متعددة(17).

عندما أبلغ جلالته الأمير محجم بَدا فَرِحًا مثل طفل. يجب أن يغادر، لا يبقى إلى جانبه.

أمَّا بعد أن غادر، وَطلَّقَ السُّلطَان ابنته؛ فقد قال كلمةً انتشرت في الحاشية: «النِّصف الصَّعب انتهى، أمَّا النِّصف السَّهل، فالزمن كفيل به»(18).

أوعَزَ إلى عددٍ من الأخوة والسفارة وأصدقائه أن يجعلوه يعيش على الأمل، وعلى الوعود فَترةً بعد أخرى؛ فإذا انقضت شهور؛ يصبح خَبرًا بعد أثر. (19)

طلبت السُّلطَات الألمانية ترحيل صالح الهلالي؛ لارتباطه بتحقيقات السلاح، كَمَا أشاروا إلى سهرات نساء القصر، وطلبوا صُورًا لهن كُلهنَّ؛ وَكُنَّ دَخلنَ بجوازات بدون صُوَر.

عندما طُرِحَ الأمر على السُّلطان، وَافَقَ على أن يأتي مصور إلى القصر، ويصورهنَّ.

كَانَ السُّلطان مُمسكًا بورقة يعتقد أنها الأخيرة؛ وهي الطائرة التي نقلته من موران. عندما عرف أنها رجعت أخيرًا إلى موران، وفيها بعض نزلاء الفندقين= حَزِنَ حُزنًا شَديدًا، واعتقد أنَّ النصف الثاني من مملكته قد طَار.

عتصمَ، ورفض استقبال أيَّ أحد في جناحه. فشلت كُلَّ المحاولات؛ لإقناعه بفتح الجناح. وعندما فتحه بعد مُدَّة؛ عَلَّقَ شايع السحيمي: إنَّ ما أرغم السُّلطَان على الفتح ليس التوسلات، ولا الدعوات، ولا إحراق البخور؛ وَإنَّمَا لأنَّ بول إبليس انتهى.

وَصَلت من موران خيول هدايا من فنر، ومهيد، ومزعل، وكان السلطان في استقبالها. وتكون بيئة وأجواء ألمانيا بالنسبة لخيول آتية من موران مِحنةً قَاسية لهذه الخيول.

وُصُول الخيول العربية إمعانٌ في إغواء السلطان، وتضحية بالخيول في بيئة ألمانيا، وتغطية رجوع الطائرة.

بعد مغادرته الاحتجاب، أمر السُّلطَان بترحيل زوجاته الأربع، ومعظم الذين جاؤوا مَعهُنَّ؛ وَفُسِّرَ ترحيل النساء بمكالمة مع موران في أعلى المستويات، ولم يعرف أحد عن ذلك شَيئًا من المقربين للسلطان.

جرت مكالمات تلفونية بين القصر وموران، وَقِيلَ بين السُّلطَان وإخوانه بما فيهم فنر، ووصلت عروس جديدة (ياسمين)، بمواصفات تشبه سلمى قيل: إنَّ عديلة قد رتبتها؛ لتثبت قدرتها على الاختيار(20).

الهدايا التي تلقاها من إخوانه مع العروس؛ وبخاصة هدية فنر المسدس الذهبي المُهدَى من أبيه في احتفالات البلوغ؛ مع كلمة مُرفَقَة من فنر فُسِّرَت؛ وكأنها اعتذار عَلَني من فنر، أمَّا شايع السحيمي فقال: «الله يستر من التوالي يا زيد». (21)

ما إن وَصَلت العروسة لم تَمضِ إلا فترةٌ قَصيرة؛ حتى بدا السلطان لِكُلِّ من يعرفه، أو رآه= إنسانًا آخرَ؛ عَصبيًا، نَزقًا، سَريعَ الغضب لأية كلمة، ولا يتردد في أن يشتم، أو حتى يضرب(22).

رجال حرسه الخاص، والذين عرفوه عن قرب، وَحَضروا عَددًا من زيجاته السابقة كان في غاية الفرح والمرح؛ يوزع العطايا، ويتباسط معهم، ويمازحهم، أمَّا الآن، فقد تَجاوزَ كُلَّ حدِّ، وَأصبحَ يخرج عن طوره؛ لأبسط الأسباب، وأقلها أهمية(23).

قال تركي الصهيب الذي يقف وراءه مثل ظله: «الثلاثاء: «خنثى: لا ذكر، ولا أنثى، وظني؛ لأنه تزوج بهذا اليوم ارتكس، وانتكس، والله يستر» (24).

غَضِبَ من صويلح الحربان كَاتبهُ عندما اقترح عليه توجيه دعوة للجالية العربية بالمناسبة.

تَراجعت صِحته كَثيرًا، وَقَلَّ أكله، وَيَشكو من آلام في المعدة والخصيتين، ويرفض استدعاء طبيب.

زيد أقرب شخص إلى السلطان ابتعد قَليلاً بعد مجيء مجلي، وما يسمعه من اتهامات، وكلام غير لائق.

لاحظ أنَّ الصبي جاويد أخو العروسة هو سبب تعاسة السُّلطَان؛ لأنه أحول، والسلطان شديد التشاؤم من الأعور والأحول.

أمُّ العروسة تَعرَّضَت لخطر إطلاق النار؛ لأنها تفتش في الحديقة عن الأسحار المدفونة في التربة، وتتهم زوجاته بأنهم قد سحروه، ودفنوا السِّحر.

بعد تراجع صحته أكثر، وَضَعَ له الطبيب قَائمةً طويلةً بالعلاجات. قال لزيد: «ثلاثة يعرفون دواي يا زين: أنا، وموران، وأبو غزوان.

أنا يا زيد مَربَّط مثل ما تشوف، وموران كلها لثامة، وقلة دين ما تعرف إلا اللي فوقها. وبه حيل. أمَّا أبو غزوان، فيعرف الداء والدواء، لكنه بعيد، وظلمناه» (25).

السُّلطان يظهر ويختفي أيامًا. مجلى لا يظهر إلا لفترات، ويغيب كَثيرًا. هانس يتردد في شراء القصر، ثم يشتريه باسمه لينقل لاحقًا. السحيمي مريض لمرض الخيول.

وَصَلت عديلة، وبدأت الحياة تَدبّ في القصر. غَابَ السُّلطان أسبوعين، وَسَرت إشاعة أنه سافر إلى «بون»؛ ليلتقي بفنر.

وَبَدأ يظهر في الشرفة مع عديلة. يجري التداول حول عودة قريبة للسلطان، ولكن شايع السحيمي لا يعيرها اهتمامًا. وعندما نَزلَ السلطان إلى الحديقة بَدا مُتعبًا. دَاعَبَ الخيل في الاسطبل؛ وبالأخص فرسه «غصن البان»، وَأعطاه قِطعًا من السُّكَّر، وَأجَّلَ امتطاء فرسه لوقتٍ آخر. (26)

في اليوم الثالث يُشَاهد وصول الطبيب في الصباح الباكر، ويصل السفير، ومعه سيارتان ومعه سيارتان، ويشاع أنَّ المريض هو السلطان.

وصول الطبيب في الليل أكَّدَ خطورة الأمر. وبقاء السفير، واثنين من مرافقيه، والركض المفاجئ، والمناداة، وخروج النساء من غرفهن إلى غرفة السلطان، ومجيء اثنين من الأطباء، ومغادرتهما السريعة، والاضطرابات في القصر، وما أعقبها من السكون= دَلَّلَ بوضوح أنَّ السُّلطان أسلَمَ الرُّوحَ(27).

قال تركي الصهيب، وكان يبكي: «كان صاحي ناظرنا، وابتسم، وتحسنت أحواله، بعدما أخذ الدواء. ما إن نام وغفا، حتى بدأ يرتجف، وعيونه شاخصة. جت عمتى عديلة، وجا كُلّ مَنْ بالقصر.. ناديناه.. هزيناه.. جاء الطبيب، فحصه. ضربه إبرة، لكن ما مَرَّت ساعة إلا وخلص»(28).

بدأت الاتصالات لنقل الجثمان، وَصَلت الطائرة من موران؛ لنقل الجثمان. نفس الطائرة التي حملته إلى هنا. ونفس القائد. سَافَرَ نزلاء القصر، وأفراد الحرس، والحاشية.

تأخر شايع السحيمي مع الخيل، ووعده زيد بطائرة خَاصَّة؛ لنقله مع الخيل، وأغلقت أبواب القصر، واتجه شايع السحيمي إلى الاسطبل يُحَدِّث الخيل، ويبكي.

صيف 1988.

الهامش:

(1) مدن الملح: "المنبت"، عبد الرحمن منيف، ص13.

(2) المصدر السابق، ص16.

(3) المصدر السابق، ص29.

(4) المصدر السابق، ص40.

(5) المصدر السابق، ص43.

(6) المصدر السابق، ص45.

(7) المصدر السابق، ص109.

(8) المصدر السابق، ص110، 111.

(9) المصدر السابق، ص114.

(10) المصدر السابق، ص120.

(11) المصدر السابق، ص184.

(12) المصدر السابق، ص197.

(13) المصدر السابق، ص198.

(14) المصدر السابق، ص198.

(15) المصدر السابق، ص213.

(16) المصدر السابق، ص215.

(17) المصدر السابق، ص219.

(18) المصدر السابق، الصفحة نفسها.

(19) المصدر السابق، الصفحة نفسها.

(20) المصدر السابق، ص247.

(21) المصدر السابق، ص248.

(22) المصدر السابق، ص250.

(23) المصدر السابق، الصفحة نفسها.

(24) المصدر السابق، ص250.

(25) المصدر السابق، ص253.

(26) المصدر السابق، ص256.

(27) المصدر السابق، ص257.

(28) المصدر السابق، ص257.