حسين محسن المقداد.. القائد الذي جمع صرامة الجندية ونبل المشيخة

يعد اللواء الركن/ حسين محسن محمد المقداد واحدًا من أبرز القيادات العسكرية اليمنية التي جمعت بين الصرامة المهنية والنبل الاجتماعي، فكان مثالًا للقائد العسكري المحترف، وصورةً للضابط الذي صاغته المؤسسة العسكرية بقيم الانضباط، وصقلته البيئة الاجتماعية الأصيلة بمعاني الوفاء والمروءة والشهامة. وقد ارتبطت شخصيته بالبزة العسكرية ذات اللون الكاكي التي لم تكن مجرد زيٍّ رسمي، بل عنوانًا لهيبته، ودلالةً على شخصيته الصارمة والمنضبطة، حتى غدا حضوره باعثًا على الاحترام والتقدير في مختلف المواقع التي تولى قيادتها.
وينتمي اللواء المقداد إلى أسرة مشيخية عريقة توارثت الزعامة الاجتماعية جيلاً بعد جيل، حيث نشأ في بيت عزٍّ وإمارة، وتشرب منذ طفولته قيم النبل والكرم والشهامة، فكان بحق “شيخ ابن شيخ، وعزيز ابن عزيز”، وهي خصال انعكست بوضوح على سلوكه الإنساني والعسكري معًا. وقد ولد في خمسينيات القرن الماضي في مديرية عتمة أثناء عمل والده هناك، ونشأ في كنف والده الشيخ محسن محمد المقداد في بيئة محافظة حافظت على أصالتها الاجتماعية، وانفتحت في الوقت ذاته على قيم الجمهورية والتعليم الحديث.
تلقى تعليمه الأولي في كتاتيب محل علول بعزلة دمام التابعة لمديرية جبل الشرق محافظة ذمار، قبل أن يلتحق بالكلية الحربية في صنعاء بتاريخ الأول من سبتمبر 1969 ضمن طلبة الدفعة العاشرة، ليتخرج منها عام 1972 حائزًا درجة البكالوريوس في العلوم العسكرية. ثم التحق بسلاح المدرعات، وواصل تأهيله العسكري عبر عدد من الدورات التخصصية، الأمر الذي أسهم في بناء شخصيته القيادية وصقل خبرته الميدانية.
وقد تدرج في عدد من المناصب العسكرية الرفيعة التي أثبت خلالها كفاءته العالية وقدرته القيادية، فعمل أركان حرب الكتيبة الرابعة مدرعات بمحافظة الحديدة عام 1977، ثم قائدًا للكتيبة نفسها عام 1978، قبل أن يتولى منصب أركان حرب لواء العمالقة عام 1982. وفي عام 1986 التحق بكلية القيادة والأركان الأردنية ضمن الدفعة السابعة والعشرين، وتخرج منها عام 1987، في محطة أكاديمية مهمة عززت من خبراته القيادية والاستراتيجية.
وفي الخامس من نوفمبر 1993 صدر قرار تعيينه قائدًا للواء المجد المرابط بمحافظة الحديدة، ثم جرى تعيينه قائدًا لمحور تعز عام 2007، قبل أن يعيَّن في السادس والعشرين من مارس 2013 قائدًا للواء (314) مدرع حماية رئاسية، وهو آخر المناصب العسكرية التي تقلدها خلال مسيرته الحافلة.
ولم يقتصر عطاؤه على الجانب الميداني فحسب، بل امتد إلى المجال الفكري والعلمي، حيث ألّف كتابًا مهمًا بعنوان (تطور الدبابات وأهميتها في الحروب الحديثة) تناول فيه التطور التاريخي لسلاح الدبابات ودورها في الحروب الحديثة. وقد حظي الكتاب بتقديم من الفريق سعد الدين الشاذلي، أحد أبرز القادة العسكريين العرب في حرب أكتوبر 1973، الأمر الذي منح الكتاب قيمة علمية كبيرة، وجعله مرجعًا مهمًا في حقل الدراسات العسكرية.
وخلال ما يقارب سبعةً وأربعين عامًا من الخدمة في القوات المسلحة اليمنية، ظل اللواء حسين محسن المقداد محل تقدير واحترام لدى الجميع؛ ضباطًا وصفًّا وجنودًا، لما عُرف عنه من نزاهة، وتواضع، وصدق في أداء الواجب، بعيدًا عن السعي وراء الشهرة أو المصالح الشخصية. فقد جسد نموذج الضابط الوطني الذي جعل من خدمة الوطن غايته الكبرى، وظل وفيًّا لمبادئه العسكرية والإنسانية في مختلف الظروف.
لقد عرف بشخصيته العسكرية الكارزمية، وبحنكته القيادية، وبحضوره القوي في الميدان، فضلًا عن التزامه الأخلاقي والمهني الذي جعله أحد النماذج العسكرية النادرة في تاريخ المؤسسة العسكرية اليمنية. إنه بحق خلاصة النبل الاجتماعي، وتجسيد حيٌّ للقائد المحنك الذي جمع بين صرامة الجندية وأصالة القيم.
فله كل التقدير والإجلال، ومتعه الله بموفور الصحة والعافية، وأطال في عمره.
