الخميس 21 مايو 2026

الحكومة وسياسة «سَـلخ» المواطن!

في أدبيات العلوم السياسية والقانون الدستوري، تُعرّف الحكومات بأنها الأداة التنفيذية لحماية العقد الاجتماعي، ورعاية مصالح الشعوب، والذود عن لقمة عيشها.. غير أن المشهد الذي تقدمه السلطة التنفيذية اليوم في بلادنا يضرب بكل هذه القواعد والمواثيق عُرض الحائط، مقدمًا أسوأ نموذج لإدارة الأزمات.

لقد تجلت أحدث فصول هذه «المعضلة» الاقتصادية والقانونية في القرارات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة؛ إذ أعلنت – وفي خطوة تُشبه الاستغفال العلني – عن زيادة طفيفة وهزيلة في مرتبات الموظفين لم تتجاوز الـ 20%، في مقابل قرار كارثي غير مدروس قضى برفع التعرفة الجمركية بنسبة 100%.. هذه المفارقة الرقمية الصادمة لا تمثل عجزًا اقتصاديًا فحسب، بل هي «جريمة مشهودة» واعتراف صريح برداءة السياسات المتبعة التي تمنح الفتات باليمين لتسلب أضعافه بالشمال.

أما ذروة «الوقاحة» والتهرب من المسؤولية القانونية والأخلاقية، فتمثلت في التبرير الحكومي الذي ساقته للرأي العام، حين خرجت لتقول: «إن رفع التعرفة الجمركية - أو ما يعرف بتحرير سعر الدولار الجمركي - يستهدف التجار فقط ولن يتضرر منه المواطن»!.. وكأن هذه السلطة تعيش في عالم آخر، أو أنها تفترض في الشعب جهلًا مطلقًا بأبجديات السوق وقوانين العرض والطلب.

ولا شك أن أي مبتدئ في علم الاقتصاد يدرك أن أي أعباء أو ضرائب إضافية تُفرض على التاجر والمستورد، يتم ترحيلها تلقائيًا إلى جيب المستهلك، بمعنى أن المواطن «التعبان» هو من سيتحمل الفاتورة كاملة من قوته وقوت أطفاله.

إن هذا التسطيح والتبجح في تمرير الجرعات السعرية تحت مسمى «الإصلاحات الاقتصادية» يعكس حالة من موت الضمير السياسي؛ فلم يعد في وجه هذه السلطة متسع للخجل، وهي تملك في يدها الكثير من البدائل، ومنها: إلغاء المجالس والهيئات والفرق واللجان التي تُشكّل دون هدف ولا غاية سوى إرهاق الدولة بالتزامات مالية تفوق قدراتها، أو اتخاذ قرار جاد بعودة إجبارية لجميع القيادات والموظفين المدنيين والعسكريين وعلى مختلف المستويات الذين يعيشون حالة الترف في الخارج إلى داخل البلاد، ووقف صرفيات العبث والنهب المنظم جهارًا نهارًا، وكذا ما يسمى بكشوفات الإعاشة.

لقد منح استمرار الصمت الشعبي، والقبول بحالة «الاستسلام» والتطبيع مع الجوع، هذه السلطة «الكسيحة» الضوء الأخضر لتمارس هذا العهر السياسي والمالي.. خاصةً بعد أن أدار الشعب ظهره لسياسات التجويع والتركيع، وانشغل بتفاهات الأمور، حتى ظنت «الحكومة» أنه قطيع تسوقه نحو الهاوية بلا وعي ولا كرامة.. لكن الأكيد أن التاريخ لن يرحم كل من جعل عذاب وإذلال هذا الشعب خطة للبقاء على الكرسي!