من جرب المجرب عقله مخرب
أطلقوا عليها اسم "تجربة الثورة الوطنية الديمقراطية" في جنوب اليمن بين عامي 1969 و1990م، وكأي تجربة سياسية في العالم كان يفترض أن تخضع للمراجعة والنقد والتقييم؛ فالتجارب قد تنجح وقد تفشل، وقد تصيب في جانب وتخطئ في آخر. غير أن المشكلة الحقيقية ليست في فشل التجربة أو نجاحها بقدر ما هي في الإصرار على استعادتها بذات الأدوات القديمة، والعقليات ذاتها، والأساليب نفسها، وكأن الزمن لم يتحرك، وكأن الشعوب لا تتعلم من تجاربها.
والأدهى من ذلك أن القوى التي ظلت لعقود تتحدث عن "تخلف الشمال" وعن مشروع الدولة المدنية الحديثة، باتت اليوم تمارس أسوأ ما كانت تنتقده. فبدل أن تكون عدن نموذجًا للدولة المدنية والقانون، أصبحت الأعراف القبلية والسلوكيات البدائية تتسلل إلى فضائها المدني، حتى وصل الأمر إلى مشاهد ذبح الأبقار في قلب المدينة التي كانت تُقدَّم يومًا باعتبارها عنوان الحداثة والانفتاح.
والمفارقة الأكثر إثارة أن الخطاب ذاته ما يزال يردد الحديث عن "هوية مختلفة" و"ثقافة مغايرة"، بينما الواقع يكشف أن التخلف ليس مرتبطًا بجغرافيا أو منطقة، بل بعقلية سياسية وثقافة سلطة تعجز عن بناء دولة المؤسسات، سواء كانت في الشمال أو الجنوب.
إن الأزمة اليمنية لم تكن يومًا أزمة هوية بين شمال وجنوب، بقدر ما هي أزمة نخب فشلت في بناء مشروع وطني حديث، واستبدلت الدولة بالعصبية، والقانون بالمزاج، والمواطنة بالولاء الضيق.
أما الحل الحقيقي، فليس في إعادة إنتاج الانقسام والكراهية، ولا في عزل فئة من اليمنيين أو السخرية من ثقافتهم، بل في بناء دولة مدنية حديثة يتساوى فيها الجميع أمام القانون، وتُحترم فيها الدولة بوصفها فضاءً للنظام والحقوق، لا ساحةً لاستعراض العصبيات القديمة.
