حين يصبح العطار طبيباً.. الحرب والفقر يدفعان اليمنيين نحو العلاج بالأعشاب

في أحد أحياء العاصمة صنعاء، كان رجل أربعيني يسند والدته المصابة بمرض في القلب نحو مبنى صغير يحتشد أمامه عشرات المرضى. لم يكن المكان مستشفى ولا مركزاً طبياً متخصصاً، بل عيادة لما يُعرف محلياً بـ"خبير الأعشاب".
يقول الرجل إنه كان يبحث عن باب أقل قسوة من أبواب المستشفيات التي أصبحت مرهقة مادياً ونفسياً لكثير من اليمنيين، لكنه فوجئ بعد انتهاء الجلسة بأن عليه دفع نحو مائة ألف ريال مقابل معاينة أولية وكيسين صغيرين من الأعشاب المطحونة.
عندما سأل المنتظرين عن المبالغ التي دفعوها، اكتشف أن ما دفعه كان أمراً اعتيادياً، فيما تحدث آخرون عن تكاليف تجاوزت مائتي ألف ريال خلال جلسات علاج وأعشاب ومراجعات متكررة.
هذه القصة لم تعد استثناءً، بل مشهداً متكرراً في مدن يمنية عدة، حيث يتزايد الإقبال على مراكز الطب البديل والعلاج بالأعشاب رغم ارتفاع تكاليفها بشكل لافت.
من خيار شعبي إلى تجارة مزدهرة
كان العلاج بالأعشاب في اليمن يُنظر إليه لسنوات باعتباره خياراً شعبياً منخفض الكلفة يلجأ إليه الناس هرباً من نفقات المستشفيات والأدوية، لكنه تحول خلال السنوات الأخيرة إلى نشاط واسع يحقق أرباحاً كبيرة، وبات ينافس المستشفيات الخاصة في الأسعار، وربما يتجاوزها أحياناً.
يروي أحد المواطنين أنه دفع نحو 150 ألف ريال مقابل "استشارة علاجية" وثلاثة أكياس صغيرة من الأعشاب وموعد مراجعة لاحق، فيما يقول آخرون إنهم اضطروا إلى الاستمرار لأشهر في برامج علاجية مكلفة أملاً في تحسن حالتهم الصحية.
ويعكس هذا التحول تغيراً أعمق في نظرة المرضى للعلاج، إذ لم يعد اللجوء إلى الطب البديل مرتبطاً بالكلفة فقط، بل بعوامل نفسية واجتماعية واقتصادية تراكمت خلال سنوات الحرب والانهيار الصحي.
انهيار القطاع الصحي وفقدان الثقة
تعرض القطاع الصحي في اليمن خلال سنوات الحرب لانهيار واسع، مع خروج عدد كبير من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة، ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والكوادر المتخصصة. كما دفعت الظروف الاقتصادية وتوقف الرواتب آلاف الأطباء والكفاءات الصحية إلى مغادرة البلاد، ما أدى إلى تراجع مستوى الخدمات الصحية بشكل ملحوظ.
ومع هذا التدهور، تراكمت لدى المواطنين مشاعر فقدان الثقة تجاه بعض المستشفيات والأطباء، خاصة مع انتشار قصص عن أخطاء طبية أو طلب فحوصات مكلفة دون نتائج ملموسة.

يقول المواطن علي الله البتينة، من أبناء محافظة ريمة، إن دخول المستشفى لم يعد يعني بالضرورة الحصول على علاج، بقدر ما يعني – وفق تعبيره – الخروج بقائمة طويلة من الفحوصات والأدوية المكلفة دون تحسن واضح.
وسواء كانت هذه الصورة دقيقة بالكامل أو متأثرة بالتجارب الفردية والانطباعات الشعبية، فإنها أسهمت في دفع كثير من المرضى نحو البحث عن بدائل يعتقدون أنها أكثر إنسانية وأقرب إليهم.
بحث دائم عن الأمل
لم تقتصر آثار الحرب على تدمير البنية الصحية، بل امتدت إلى معيشة الناس وقدرتهم على تحمل تكاليف العلاج، في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتراجع القدرة الشرائية.
وباتت الأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب والسرطان تمثل عبئاً يومياً على آلاف الأسر، مع حاجة المرضى إلى أدوية وعلاجات مستمرة تفوق قدرة كثير من العائلات.
في هذا الواقع القاسي، يصبح الأمل عاملاً مؤثراً في قرارات المرضى، خصوصاً لمن فشلوا في الحصول على علاج فعال أو لم يعودوا قادرين على تحمل تكاليف العلاج التقليدي، ما يجعلهم أكثر استعداداً لتجربة أي خيار يَعِد بالتحسن أو الشفاء.
السوشيال ميديا وصناعة الثقة
لعب الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً بارزاً في تعزيز شعبية "خبراء الأعشاب"، عبر مقاطع مصورة وشهادات لمرضى يتحدثون عن تحسن حالاتهم الصحية، إلى جانب ظهور إعلاميين ومشاهير في حملات ترويجية لبعض المعالجين.
كما يقدم بعض المعالجين برامج إذاعية يومية يشرحون خلالها وصفاتهم ويتلقون اتصالات من مرضى يروون تجارب إيجابية، ما يمنحهم مساحة واسعة لبناء ثقة شعبية متزايدة.
ويروي أحد المواطنين أن شقيقه المقيم في السعودية طلب منه اصطحاب والدته إلى أحد المعالجين في صنعاء بعد مشاهدة إعلامي يمني يروّج له عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ويقول إنه فوجئ عند وصوله بطوابير طويلة من المرضى أمام العيادة، بينما أكد له بعض المراجعين أنهم عادوا بعد شعورهم بتحسن في حالاتهم.
هذا الحضور الإعلامي المكثف يمنح بعض المعالجين صورة أقرب إلى النجوم، خاصة في ظل غياب رقابة واضحة على نشاط العلاج بالأعشاب.
قصص لا تصل إلى العلن
ورغم الانتشار الواسع لقصص التحسن والتعافي، توجد تجارب سلبية تبقى غالباً بعيدة عن الضوء.
تقول امرأة في صنعاء إنها أنفقت أكثر من ثلاثمائة ألف ريال على علاج عشبي لابنها المصاب بمرض مزمن دون أي تحسن، قبل أن تضطر لإعادته إلى المستشفى بعد أشهر من الانتظار.
وفي قصة أخرى، يروي رجل أنه أوقف دواء الضغط بناءً على نصيحة معالج عشبي، معتقداً أن العلاج الطبيعي سيغنيه عن الأدوية، قبل أن تتدهور حالته بشكل مفاجئ ويُنقل لاحقاً إلى العناية المركزة.
وتبقى مثل هذه التجارب أقل حضوراً في النقاش العام، بسبب شعور بعض المرضى وأسرهم بالحرج من الاعتراف بفشل التجربة أو خسارة مبالغ كبيرة دون نتيجة، إضافة إلى غياب جهة رسمية واضحة لتلقي الشكاوى أو توثيق المضاعفات المرتبطة بالعلاج البديل.
ماذا يقول الأطباء؟
لا ينكر أطباء وجود فوائد لبعض الأعشاب الطبيعية عند استخدامها بشكل علمي ومدروس، كما يؤكدون أهمية الطب التكميلي في بعض الحالات، لكنهم يحذرون من تحويل الأعشاب إلى علاج شامل لكل الأمراض دون تشخيص دقيق أو رقابة طبية.
ويقول استشاري جراحة العظام والعمود الفقري في صنعاء الدكتور ماجد الخزان إن التعامل مع العمود الفقري والانزلاقات الغضروفية يتطلب معرفة طبية دقيقة، محذراً من ممارسات وصفها بالخطرة يقوم بها بعض المعالجين غير المتخصصين.
وأشار إلى وصول حالات إلى المستشفيات وهي تعاني مضاعفات شديدة بعد خضوعها لأساليب علاج غير علمية، اضطر بعضها لاحقاً إلى عمليات جراحية معقدة كان يمكن تجنبها.
ويؤكد مختصون أن المشكلة لا تكمن في العلاج بالأعشاب بحد ذاته، بل في غياب التنظيم والرقابة وادعاءات علاج أمراض خطيرة دون أسس علمية واضحة.
قطاع بلا تنظيم
في دول عديدة، يخضع العلاج بالأعشاب لقوانين تنظم التراخيص والإعلانات والادعاءات الطبية، إضافة إلى رقابة على المنتجات العشبية ومكوناتها. أما في اليمن، فقد أصبح المجال مفتوحاً لأي شخص يستطيع تقديم نفسه باعتباره خبيراً في الطب البديل.
ويرى مختصون في القطاع الصحي أن تنظيم هذا المجال لا يعني محاربته، بل وضع ضوابط تحمي المرضى من الاستغلال والممارسات الخطرة، إلى جانب رفع الوعي الصحي وتحسين الخدمات الطبية واستعادة ثقة الناس بالمؤسسات الصحية.
مرض يبحث عن دولة
لا تبدو ظاهرة التوسع في العلاج بالأعشاب مجرد موضة علاجية عابرة، بل تعكس أزمة أعمق يعيشها اليمنيون منذ سنوات. فالحرب والانهيار الاقتصادي وتدهور الخدمات الصحية دفعت كثيراً من المرضى إلى البحث عن أي منفذ يخفف عنهم عبء المرض وتكاليفه.
ومع كل مريض ينتقل من مستشفى إلى عيادة أعشاب بحثاً عن الشفاء، تتكشف فجوة واسعة بين احتياجات الناس وقدرة المؤسسات الصحية على تلبيتها.
وفي ظل غياب الرقابة وضعف الخدمات الصحية، يبقى المرضى عالقين بين كلفة العلاج التقليدي، ومخاطر العلاجات غير المنظمة، فيما يظل السؤال الأهم مطروحاً: من يحمي المرضى، ومن يعيد إليهم الثقة بحقهم في علاج آمن وموثوق؟
