خطوات خارج قفص التجهيل (الخطوة التاسعة والسبعون)
تحدثنا كثيرًا وطالبنا جماعة الانتقالي المنحل بأن تعود إلى جادة الصواب حفاظًا على اللُّحمة الجنوبية التي تمثل شرطًا أساسيًا لانتصار أهداف القضية الجنوبية، ودعوناها مرارًا للتخلي عن التمترس القروي والمناطقي وعن دعوات الاستقطاب وممارسة الابتزاز ضد القوى الجنوبية الأخرى، ولكن توجيهات الضابط الإماراتي التي كانت أكبر من طاقات الجماعة وقيادتها، قادتنا جميعًا إلى ما نحن فيه اليوم!
اليوم، نحن أمام واقع جديد بتنا نلمس فيه تراجع حالة التطرف عند بعض موظفي هذه الجماعة، وأصبحنا نقرأ في خطابهم دعوات هجروها منذ التحاقهم بالجماعة مثل "الضرورة الموضوعية لوحدة الصف" التي تمثل "ضرورة موضوعية لاستعادة الدولة"، وغيرها، وهذا بحد ذاته يبشر ببصيص من ارتفاع منسوب المسؤولية عند هؤلاء تعالج إفرازات تقوقع بقية زملائهم الذين لم يستوعبوا صدمة (حل) الجماعة حتى اللحظة!
كما أننا بتنا أمام خطاب يوحي بالإيجابية في بعض جوانبه لبعض إخواننا موظفي الجماعة حين يعترف بأن الجماعة كانت عبارة عن لفيف من "الفاسدين والمناطقيين وبلاطجة الأراضي"، ويدعو للتخلص من هذه الآفات، ولكن هذا الخطاب يعود ليفقد موضوعيته عندما يكرر نفس المفردات التي أودت بالجماعة إلى حتفها السياسي مثل "التمثيل ورئاسة الجماعة المنحلة لأية جبهة جنوبية وغيرها من مفردات التملك والبحث عن السلطة"!
إن ربط قضية الجنوب بجماعة لم تصمد ساعات أمام خصومها وخانت بعضها البعض، وانقسمت وفقًا لخلافات دول الإقليم، ولم تراع مصلحة الجنوب وقضيته، وذهبت إلى حل نفسها وإنهاء وجودها السياسي طواعية، أمر فيه الكثير من الإجحاف بحق الجنوب وقضيته وتضحيات أبنائه!
إن أي حديث عن أي تفويض يصدر عن أي عاقل متحرر من تأثيرات التبعية العمياء ومن ضغوط الكفيل الإقليمي المادية والمعنوية، يجب أن ينطلق من معطيات وأدوات قانونية ودستورية ومتعارف عليها دوليًا، وليس من حشود لا تخلو من شوائب الماديات والضخ الإعلامي المناطقي والتوظيف الكاذب والسيئ للقضايا، ففي زمن سقوط الدول والحكومات وغياب الآليات القانونية تبرز الأطماع الإقليمية والدولية وتنشط الجماعات المتطرفة كأدوات لتلك الأطماع، وتكون الساحات ميدانًا لتلك الأطماع وتلك الأدوات، وهي معايير لا يتم البناء عليها حتى لا يسقط العالم في قبضة تلك الجماعات!
الدعوات إلى ضرورات موضوعية تهدف إلى لم الشمل لا يجوز أن ترافقها دعوات تحريضية ضد الصوت والطرف الآخر. فالإيحاء بأن البعض ينظر إلى الخروج إلى الساحات إنما هو خروج بالمطلق مادي أو مناطقي أو خليط من ذلك، أمر يستوجب المراجعة، فالعقل يلزمنا جميعًا أن ننظر للأمور من منطلق النسبية، ونبتعد عن التوصيف المطلق حتى لا نجانب الواقع، فكل شيء نسبي!
ما أقدمت عليه جماعة الانتقالي المنحل في حضرموت كانت خطوة إماراتية بامتياز تستهدف شريكتها في التحالف. وهذه الحقيقة التي يجب أن نواجهها مهما كانت مراراتها، لأن الهروب من مواجهتها ينسف دعوات الموضوعية التي عاد إليها البعض الانتقالي مؤخرًا بعد أن استبدلها في سنوات الغرور والتجبر الإماراتي بعبارات أخرى منها "إن الجنوب يجب أن يتبع الزبيدي وجماعته"، لأنهم يمتلكون المال الذي يميزهم عن بقية المكونات الجنوبية المفتقرة لتلك الأموال، وكذلك الإمكانات التي منحها إياهم مجلس رشاد العليمي في مواجهة القوى الجنوبية الأخرى، وليجرهم بخطام غبائهم السياسي إلى مستنقع سقوطهم الأخير!
إننا طالما اقتنعنا بخطأ توجهاتنا في السنوات الماضية، وعدنا أدراجنا إلى واقعية تبني مصطلحات "الضرورات الموضوعية لوحدة الصف"، فإنه من الواجب علينا عدم العودة لمفردات البحث عن السلطة والتشبث بالتمثيل الجنوبي الزائف أو باشتراط الرئاسة للجبهة الجنوبية، فأية جبهة جنوبية تقبل بجماعة منحلة أن تقف على رأسها هي جبهة تعلن مقدمًا خسارتها لمعركتها!
إنه طالما وقد عدنا إلى دعوات الجبهة الجنوبية علينا أن نحتكم إلى القنوات والأدوات القانونية لتحديد معالم تلك الجبهة والعودة إلى الوثائق الجنوبية المتوافق عليها التي تقوم على أساس التمثيل الوطني العادل للمحافظات، وانتخاب الهيئات من الأدنى إلى الأعلى، والالتزام بتدوير المهام وإنهاء حقبة صناعة الأصنام، أما في ما يتعلق بوصول القضية الجنوبية إلى المحافل الدولية، فقد أوصلها أبناء الجنوب قبل ميلاد جماعة الانتقالي المنحل، وقبل أن تصبح الإمارات سيدة على أسياد التاريخ السياسي والإنساني في جزيرة العرب، ولمن مازال يشكك في هذا القول عليه الرجوع إلى القرار الدولي رقم 2140 الصادر في العام 2014م!
