أيوب طارش قيثارة الأرض والهوية الروحية..!
يظل الفن، في جوهره الأعمق، محاولة إنسانية كبرى لترويض الزمن وتحويل العابر والمتشظي إلى مطلق وكوني.
إن معضلة العالمية والمحلية في الأدب والفن والنقد الثقافي لا تبدأ من رغبة الانعتاق من الجغرافيا، بل تبدأ من مدى الغوص في تفاصيلها وعروقها السحيقة.

العالمية الحقة ليست بطاقة عبور تمنحها المنابر الخارجية، بل هي الكثافة والعمق اللذان يبلغهما المبدع حين يتحول إلى ناطق باسم الوجدان الجمعي لأرضه.
من هنا، فإن افتراض ضرورة وصول المبدع المحتفي بأرضه إلى المتلقي العربي أو الغربي كشرط للاعتراف بعظمته، هو وهم نقدي صادر عن مركب نقص في الوعي الجمالي.
إن عظماء المطربين والمبدعين في أوطانهم يكتسبون ألوهيتهم الفنية من فرط انغماسهم في تربتهم الأولى، وتواطئهم الباذخ مع تفاصيلها اليومية البسيطة.
لنأخذ مطربي السودان الشقيق على سبيل المثال، أو مغنيي الأحراش في البرازيل، أو رواد النغم التقليدي في أقاصي الصين؛ هل ينتظر هؤلاء صك غفران جمالي من مستمع غربي أو عربي ليثبتوا جدارتهم الإنسانية؟
طبعاً لا، لأن الفن الذي ينبت من جدران الطين، وحواف الوديان، وهدير الأنهار المحلية، يمتلك كفايته الذاتية، ويشكل نظامه الوجودي المستقل الذي لا يقبل التجزئة أو الاستجداء.
المحلية هي المختبر الوجودي الوحيد الذي يتخلق فيه الإبداع الصادق، ومن يمتلك شعبه، يمتلك بالضرورة مفاتيح الخلود الكوني.
إذا أردنا إسقاط هذا الفهم الفلسفي على واقعنا الجمالي، سنجد أن أيوب طارش عبسي ليس مجرد صوت عابر في تاريخ الغناء اليمني، بل هو جغرافيا نفسية وتاريخ شعوري متكامل.
هو فنان الشعب اليمني، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، وهذا الإجماع المطلق حول صوته في زمن التمزق والتشظي يمثل بحد ذاته معجزة سوسيولوجية وظاهرة فنية تكفيه وتزيد.
إن صوته لم يكن يوماً مجرد ذبذبات صوتية تطرب لها الآذان، بل كان الشريان السري الذي يغذي الهوية اليمنية، ويوحد النبض في لحظات الفرح والانكسار على حد سواء.
تأتي أحدث أناشيده وأعماله لتفاجئ الوعي السطحي الذي اعتاد منه على وتيرة نمطية محددة، وتطرح تساؤلاً جوهرياً حول تطور البنية الذهنية والروحية للفنان مع تقدم العمر والمراحل.
إن العمل الأخير لـ أيوب طارش جاء رائعاً بكل المقاييس الأنثروبولوجية والفنية، ومن الإجحاف النقدي محاكمته بـ "النسق الفني" ذاته الذي عرف به في مراحل القوة والشباب والتحشيد الحماسي.
فقد تحولت الأنشودة الأخيرة في بنيتها الجوانية من الصخب التحريضي والميلودي الحاد إلى فضاء روحي، صوفي، متأمل، يتناسب تماماً مع فيزيولوجيا السن، وحكمة التجربة الحياتية، وطبيعة المرحلة التاريخية الراهنة التي تعيشها البلاد.
إنها أنشودة تنزع نحو الخلاص الداخلي والسلام الجواني، وتعبّر عن فلسفة الوجود والزوال، وهي أعمق بكثير من أن تُختزل في معايير الحماس الآني أو العاطفة السطحية العابرة.
تشبه هذه النقلة الروحية والفلسفية في تجربة أيوب طارش، إلى حد كبير, التحولات الفكرية والأسلوبية التي مر بها رائد الحداثة الشعرية في اليمن، عبد الله البردوني.
ثمة قطاع واسع من القراء والمتذوقين لـ شعر البردوني يقفون، لقصور في أدواتهم النقدية، عند تخوم شعره المبكر، مستعذبين القوافي الكلاسيكية المألوفة والإيقاعات المنضبطة، ومكررين إياها دون وعي بتحولاته الكبرى.
بينما تشهد القراءات النقدية المعمقة بأن شعر البردوني الأكثر غزارة، وفلسفة، وعمقاً، وتفكيكاً للواقع، هو ذلك الذي خطه في دواوينه الأخيرة، حيث تلاشت الخطابة المباشرة لصالح الرمزية الكثيفة والتأمل الميتافيزيقي.
كذلك هو أيوب طارش؛ يمتلك ثقافة نوعية، أصيلة واستثنائية، تفوق كل متخيل وتتجاوز السائد والمألوف، لكن عبقريته تكمن في أنه لم يترجم هذه الثقافة في كتب منشورة أو خطابات رنانة، بل صهرها في الألحان وسكبها في المقامات الموسيقية.
إن الثقافة في منظورها الفلسفي والأنثروبولوجي المعاصر، ووفقاً للتعاريف الصادرة عن المنظمات الأممية كاليونسكو، ليست مجرد مؤهل أكاديمي معلق على الجدران، وليست مجرد حيازة قاموس لغوي فخم، أو قدرة على الكتابة الإنشائية وبراعة في الخطاب والحديث.
الثقافة هي الكلية المركبة التي تشمل العادات، والتقاليد، والموروث المادي واللامادي، والفنون التاريخية لشعب من الشعوب، إضافة إلى التراكم الاجتماعي للسلوكيات المتوارثة التي تشكل ضمير الأمة.
بناءً على هذا المعطى الفلسفي والتفكيكي لمفهوم الثقافة، يكون أيوب طارش أكثر ثقافة من النخب الثقافية والسياسية المتعالية، وأكثر وعياً من "قائد غيلان" وغيره من الرموز التي توهمت امتلاك المعرفة عبر القوالب الجاهزة.
لقد استطاع أيوب طارش، بعبقرية قل نظيرها، أن يهضم التراث الثقافي الشعري والفني اليمني بأكمله، وتمثل في وجدانه خصوصية الأرض والمدرج الزراعي والأغنية التهامية واللحن اليافعي والصنعاني.
من هذا الهضم والتمثل العميقين، استطاع بناء تجربة إبداعية فريدة استثنائية، فرضت سطوتها الروحية على الوجدان اليمني، وأجبرت ملايين اليمنيين، بمختلف انتماءاتهم، على منحه بكل حب لقب "فنان الشعب".
حين نقول إن أيوب هو فنان الشعب الأوحد، فنحن لا نطلق حكماً عاطفياً، بل نوصف واقعاً سيميولوجياً وأنثروبولوجياً حقيقياً، دون أن يحمل هذا الكلام على غير محمله أو يُؤول بأنه تقليل من شأن قامات فنية باسقة مثل أبو بكر سالم بلفقيه، أو علي بن علي الآنسي، أو محمد مرشد ناجي.
كل أولئك الأعلام كانوا كواكب مضيئة في سماء الأغنية اليمنية والعربية، ولهم منا كل الإجلال والتقدير، لكن أيوب طارش يتميز عنهم بصفة التغلغل الأفقي والعمودي في التربة والنبض الشعبي.
لقد كان أيوب طارش الفنان الوحيد الذي تجاوز الحواجز الجغرافية والاجتماعية، وغنى بكل لهجات اليمن، من حقول تعز وإب، إلى تهامة الساحل، وصنعاء التاريخ، وعدن وحضرموت والمهرة.
هو الموحد النغمي الذي صهر الفوارق اللغوية والمحلية في بوتقة لحنية واحدة، وهو الوعاء الوحيد الذي غنى كل الألوان الشعرية اليمنية، من قديمها الموغل في الأصالة إلى حديثها المنفتح على العصر.
إن هذا التعامل الفذ والفريد مع ذلك الكم الهائل والنوعي من القصائد التي لحنها أو طورها وأعاد بعثها من مرقدها التاريخي، لا يمكن أن يصدر عن مجرد عازف أو مطرب عادٍ.
إنه فعل لا يتأتى إلا لمبدع يمتلك ثقافة موسيوعية، وحساً تاريخياً، وبصيرة نافذة مكنته من سبر أغوار تلك النصوص، وفهم دلالاتها الخفية، ووهبها ما تستحقه ويليق بها من ألحان تضمن لها الخلود في ذاكرة الأجيال.
لقد حول أيوب طارش الأغنية من وسيلة تسلية إلى وثيقة هوية، ومن مجرد طرب عابر إلى بيان وجودي يفسر علاقة اليمني بأرضه، وحقله، وتاريخه، وحبيبته، وخالقه.
من هنا، يصبح من واجب الوعي النقدي أن ينظر إلى هذا الرمز كظاهرة فكرية وفلسفية تستحق الدراسة والتأمل، وليس مجرد ظاهرة صوتية نمر عليها عابرين.
إن العرفان الجميل يقتضي منا جميعاً، كمثقفين وباحثين ومتذوقين، أن نتوجه بالتحية والامتنان لهذا الهرم اليماني العظيم الذي صاغ وجداننا وجمع شمل أرواحنا في زمن الشتات.
شكراً لك يا أيوب، لأنك منحتنا صوتاً نلوذ به من وعثاء التاريخ وقسوة الجغرافيا، ولأنك عشت بيننا كبيراً، ومثقفاً حقيقياً، ومطرباً عبقرياً، وملحناً صاغ من طين الأرض ألحاناً سماوية لا تموت.
