جمهورية الخوف الأخيرة
أيها الوطن المعلق
بين سيفين وخريطتي نفط
لماذا كلما كبر النشيد
صغر الرجال؟
في الساحات
كان الخطيب يبيعنا وطنًا
بالتقسيط العسكري
ويقسم أن الهزيمة
مؤامرة على حنجرته فقط
نحن شعب
كلما مات منا واحد
خرج ألف قبر إلى الشارع
يطالب بحق التصويت
والحاكم
ذاك الذي يضع تاجه
فوق عورة البلاد
ثم يسمي الخراب
مرحلة أمان
أيها الجنرال
ماذا فعلت بكل هذا الحديد؟
لم تنتصر سوى على الأرصفة
ولم تهزم سوى المرايا
كنتم تخافون القصيدة
أكثر من خوفكم من العدو
لأن دبابة واحدة
تستطيع احتلال مدينة
لكن بيت شعر
قد يحتل قرنًا كاملًا
يا سادة القصور
شعوركم ليست جائعة فقط
بل جائعة
إلى معنى
ترفعون صور الشهداء
فوق موائد الصفقات
وتبكون في نشرات الأخبار
بدموع مستوردة
ما أوسخ هذا العصر
النفط يصلي
والجوع يعتقل
والعلم العربي
يفتش على الحدود
كأنه مهاجر غير شرعي
في بلادي
يستطيع السجان
أن يصبح شاعرًا قوميًا
إذا أتقن إلقاء الخطب
ويستطيع اللص
أن يصبح منقذًا تاريخيًا
إذا ارتدى بزة عسكرية
أما الفقير
فيحتاج إلى معجزة
كي يشتري رغيفًا
بلا إذن أمني
أيها الملوك
لا تطيلوا الوقوف أمام الكاميرات
فالشعوب بدأت ترى
الدم تحت مساحيق البروتوكول
لا أحد ينتصر
حين تصير العواصم
فنادق للأجنبي
والموانئ
صناديق بريد للأساطيل
واللغة الرسمية
مجرد ترجمة رديئة للخوف
نحن أبناء الهزائم القديمة
لكننا
آخر من يخرج من النار
كل طاغية
يعتقد أن البلاد ميراث عائلته
إلى أن يكتشف متأخرًا
أن الجماهير
حين تجوع طويلًا
تأكل الأصنام
يا وطني
لا تسامحهم بسرعة
فالذين باعوا البحر
قادرون على بيع الغيم أيضًا
قل للمنابر الرسمية
لسنا بخير
مهما ارتفعت نبرة المذيع
ومهما لمعت بدلات الوزراء
البلاد التي تخاف من شاعر
بلاد
تعرف في سرها
أن القصيدة
أكثر شرعية من العرش
لا أريد وطنًا
يقاس بعدد الدبابات
بل بعدد الأطفال
الذين ينامون بلا خوف
لكنهم
علمونا كيف يتحول الخوف
إلى نشيد وطني
في مدارسنا
كان التاريخ
موظف أرشيف عند السلطان
يحذف الهزائم
ويترك صورة القائد
مبتسمًا فوق الخراب
قالوا
الأمة بخير
بينما كانت المدن
تسحب من تحت أقدامنا
كالسجاد
وقالوا
النصر قريب
فاقتربت المقابر
يا أيها الحاكم
لا تلقِ خطابًا جديدًا
فالناس
حفظت كذبك القديم
نحن لا نحتاج إلى زعيم تاريخي
بل إلى نافذة
لا يدخل منها القناص
كل هذا الموت
ولم يسقط
سوى المواطن
أما الكرسي
فمازال يغير أصحابه
ويظل وفيًا للاستبداد
في بلادنا
تصير الخيانة
وجهة نظر
إذا جلس الخائن
قرب العلم
ويصير الشهيد
رقمًا عاجلًا
أسفل الشاشة
ما أقسى الحقيقة
العدو
لم يكن دائمًا خلف الحدود
أحيانًا
كان يجلس معنا
في نشرات الأخبار
ويصافحنا بيد
مازالت رائحتها
تشبه النفط والدم
نحن شعوب
أرهقها التصفيق
حتى نسيت
كيف ترفع قبضتها
لكن الجوع معلم بطيء
لا ينسى تلاميذه
ذات يوم
ستخرج العواصم
من نومها العسكري
ويعرف الجنرال
أن البلاد
ليست ثكنة
سيحدث ذلك
حين يفهم الناس
أن الوطن
لا يعلق
على صدر الحاكم
بل يحمل في صدور الفقراء
وحين يسقط آخر تمثال
سيكتشف الجميع
أن الطغاة
كانوا أقل حجمًا
من ظلالهم
وسيهرب الخوف
من الحناجر
كما تهرب الجرذان
من سفينة تحترق
عندها
لن يحتاج الفقير
إلى إذن
كي يحلم
ستعود البلاد
إلى أصحابها الحقيقيين
باعة الخبز
عمال المرافئ
الأمهات اللواتي
خطن أعلام الوطن
من ثوب الحداد
أما أنتم
يا حراس القصور
ستعرفون متأخرين
أن الشعب
الذي صبر طويلًا
لا يغفر بسهولة
كنتم تعتقدون
أن الكرسي
أقوى من الجياع
وأن الميكروفون
أعلى من صراخ المقابر
لكن البلاد
ليست نشرة أخبار
ولا دبابة في عرض عسكري
ولا خريطة
يوقعها سفير أجنبي
فوق طاولة زجاج
البلاد
امرأة تمشي
بين القصف والماء
وتحمل أبناءها
كأنها تحمل
مستقبل الله على كتفيها
البلاد
عامل
يعود من المصنع
بلا راتب
ثم يضحك
كي لا تنكسر عيون أطفاله
البلاد
ليست أنتم
أنتم
مجرد عابرين
فوق تراب
أقدم من سيوفكم
وأبقى من صوركم
كم طاغية
مر من هنا
واعتقد أن الشمس
موظفة في قصره
ثم مات
وبقيت امرأة
مجهولة
تزرع القمح
على قبر ابنها
تلك المرأة
أكثر خلودًا
من جمهورياتكم كلها
يا أيها الواقفون
فوق شرفات التاريخ المسروق
لا تلوحوا كثيرًا
فالريح
تحفظ أسماء الضحايا
أكثر مما تحفظ أسماء الملوك
ونحن
نحن الذين
كلما سقط منا شهيد
اتسعت الأرض قليلًا
لا لأن الموت جميل
بل لأن الذين يموتون واقفين
يتركون خلفهم
مساحة الكرامة
سيجيء يوم
تفتح فيه السجون
كالنوافذ
وتخرج القصائد
إلى الشوارع
بلا خوف
يومها
لن يسأل طفل عربي
من يحكمنا
بل سيسأل
كيف سمحتم
لكل هذا الليل أن يطول؟
وسيصمت المؤرخون قليلًا
لأن الحقيقة
حين تخرج من فم الجائعين
تربك الأرشيف
سيعرفون
أن الخرائط
لم ترسم بالحبر
بل بأصابع الفلاحين
ودم العمال
وأن البلاد
التي باعت أبناءها
كي تشتري مزيدًا من الأسلحة
لم تكن دولة
بل شركة خوف
يا أيها المتخمون بالخطب
ماذا فعلتم
بكل هذا الوطن؟
حولتم النهر
إلى بيان عسكري
والبحر
إلى حدود للعرب
والعافية
إلى فندق
للحلفاء واللصوص
كنتم تخافون
من كتاب صفير
أكثر من خوفكم
من أسطول كامل
لأن الطغاة
يعرفون دائمًا
أين يختبئ الخطر الحقيقي
في الكلمة
لا في الرصاصة
الرصاصة
تقتل جسدًا واحدًا
أما الفكرة
فتسقط عصرًا كاملًا
لذلك ملأتم السجون
بالشعراء
وتركتم اللصوص
يكتبون الدساتير
يا بلادي
كم مرة
يجب أن نطعن
كي نفهم
أن بعض الأعلام
تخفي خناجرها
تحت الألوان
وكم مرة
يجب أن نجوع
كي نكتشف
أن الخبز
أكثر شرفًا
من المراسيم الرسمية
كانوا يقولون
اصبروا على الوطن
ولم يقولوا يومًا
للوطن
اصبر على حكامك
كل هذا الليل
ولم تنطفئ
نافذة أم
تنتظر ابنًا
ابتلعته الحرب
كل هذا القمع
ولم تتعب الشوارع
من حفظ أسماء القتلى
لأن الشعوب
قد تنحني
لكنها لا تنسى
الذاكرة
هي السلاح
الذي فشل الطغاة
في مصادرته
سيجيء يوم
تنزع فيه الصور العملاقة
عن الجدران
ويظهر تحتها
العفن القديم
سيجيء يوم
يفهم فيه الحكام
أن الشعب
ليس جمهورًا
في مهرجان مديح
بل زلزال
يؤجل غضبه فقط
وعندما ينهض
لن تنفع
كل البلاغات العسكرية
ولا كل المذيعين
الذين يبتسمون
فوق المقابر
عندها
ستسقط الأقنعة دفعة واحدة
ويعرف العالم
أن هذه الأمة
لم تكن ميتة
بل كانت مخنوقة
والآن
بعد كل هذا الدم
ماذا بقي
بقي وجه أم
يلمع في العتمة
كآخر راية
بقي طفل
يرسم وطنًا
بلا دبابات
ثم ينام على صوت القصف
بقي شاعر
يخبئ البلاد
داخل قصيدة
لأن الطغاة
لا يستطيعون مصادرة المجاز
أما العروش
فإلى الغبار
أما السجانون
فإلى النسيان
أما الذين باعوا البحر والقمح والقتلى
في مزادات السياسة
فستلعنهم
حتى الحجارة
التي مروا فوقها متكبرين
نحن لا نورث أبناءنا
ذهبًا
بل جرحًا
يتعلم المشي مع الأجيال
لكن الجرح حين يطول
يصبح وطنًا آخر
أكثر صدقًا
من الخرائط
يا أيها القادمون
من آخر التعب
لا تخافوا
هذه الأرض
تعرف أصحابها
وتحفظ خطى الفقراء
أكثر مما تحفظ
مواكب الملوك
وإذا سقطنا
سنترك خلفنا
ما يكفي من الصراخ
ليوقظ القرن القادم
فنحن
لسنا جيلًا عابرًا
نحن صوت الذين
مُنعوا من الكلام
ألف عام
وإن متنا
سيخرج من رمادنا
أطفال
أشد منا وضوحًا
وأقل خوفًا
من البنادق
لهذا لا ينتصر الطغاة طويلًا
لأن البلاد التي تنجب الشعراء لا تموت
ولأن الشعوب مهما تأخرت
تصل
