قاسم زبيدة.. روح صنعاء النبيلة

عرفته يوم كنت في أمانة العاصمة "مديرًا عامًا لمكتب الإعلام"..
كلما أجلس إليه أحس أنني أجلس في حضرة صنعاء التي أعشق وأهوى..
من خلال ملامح وجهه أعود إلى تفاصيل المدينة ابتداء من باب اليمن، مرورًا بالأبهر والسائلة، وقبلهما بحر رجرج وسوق الملح والمعطارة والسلب بالفليحي وخضير والميدان حيث كانت الجالية اليونانية وسوق البقر ومستشفى الأطفال حيث بيت علي شاطر وشلتنا شلة الثانوية التجارية...
حارة الباشا، موسى الزمر، العلمي، المفتون، المدرسة، القزالي، داوود، وحارة سبأ والحرقان، وكل صنعاء القديمة، حتى أتوقف بعربية الروتي أمام النبوس.. يكون الوقت فجرًا، وهنا يتجلى جمال صنعاء، حيث يهبط غبشها من على كتف غيمان، وتتسلل بعد حين قصير أشعة الشمس القادمة من الشرق تطبع قبلتها الأولى على واجهات المنازل المزركشة بأعمدة الجص وتلاوين قمريات الدواوين والطيرمانات.
أفرك يدي على سخونة فرن المخبز اتقاء للبرد، لكن قهوة النبوس ودفء بيوت صنعاء يزيلان شعورك بقسوة البرد..
أجد قاسم زبيدة في كل المنعطفات، منشدًا بصوته الرخيم ما يتيسر من طيبات الكلمة وجزالة الحرف وحلاوة المعنى، ترى رأسه يتمايل يمينًا وشمالًا كلما اهتزت الجدران طربًا بصوته الرخيم.
وللأناشيد حضورها في صنعاء، حيث ترى الحانها تلتف حول المآذن وأرواح الناس الذين يصيخون السمع لأذانها الأول والثاني من منارات توزع ألحان السماء في كل اتجاه.
يا ما أجمل هؤلاء الناس الذين لا تراهم إلا ضاحكين.
لا يخلو أي لقاء، حتى ولو كان عابرًا، من زبجة باللهجة الصنعانية الأحلى، أو نكتة يلقيها على مسامعك قاسم زبيدة.
قلت:
يا أستاذ قاسم أراك لا تخزن أبدًا.
رد وزفرة حزن تسبق الجواب:
آح يا صاحبي لا تذكرني بجرحي، فقد قطعته منذ زمن.
وأعود أسأل:
ولِمَ؟
اليمين الغموس، لقد أقسمت يمين الغموس ألا أتعاطى القات أبدًا، وعندما حاولت أن أتراجع استفتيت العلماء من المفتي زبارة إلى العلامة المنصور، أجمعوا أن لا سبيل إلى العودة.
قلت سأدفع كفارة، قيل:
مع اليمين الغموس لا يمكن.
أما لماذا حلف اليمين، فلسبب عائلي لا يمكن ذكره هنا، وقد حدثني عنه.
دائمًا كانت المجالس واللقاءات تتعطر بمجيء هذا الرجل رحمه الله.. الذي يمتلك طريقة موهوبة عندما يتحدث فيملك عليك حواسك.
صنعاء النبيلة فقدت روحها وكثيرًا من الأسماء شكلت روحًا حقيقية لصنعاء، بدونها تبدو المدينة خاوية (أتحدث عما بداخل السور).
تخيل مدينة لم تعد جدرانها تهمس، ولا أحزمة فاتناتها من البيوت تتحدث، ولا قمرياتها تشيع الفرح ألوانًا.
تلك لغة خاصة وفرح خاص وحضور صنعاني لا يحسه ولا يفهمه سوى من يعشق صنعاء، وليس يحبها فقط.
وفي أمسيات الخميس لم يتوافر إلى علمي أن مدينة مثلها إذا مررت بجانب جدرانها تسمع همس العشاق وحنين الليالي الملاح... ولم يكذب عبدالرحمن الآنسي حين قالها "رعى الله صنعاء... حوت كل فن"، وأول الفن همس الأهازيع الأخيرة من الأماسي الفاتنات.
يذهب أمثال هذا الرجل زبيدة، فتفقد المدينة لغتها وفرحها وبهجتها، وتصير الجدران مجرد أحجار صماء... وآه يا صنعاء إلى أين تغادرين..!
يتوقف الفرح، تتوه النكتة، تصمت "الزَّبجة" حين يرحل معلمو الفرح، من خلقوا وفي أفواههم ملاعق ليس من ذهب، بل من أحرف تتشكل كلمات ملونة، تشكل في الأخير أزقة تهمس وإنسانًا يعشق... ويا ليل الشوق متى غده..!
صنعاء تبدو لي حزينة لموت أمثال زبيدة، وأنا هنا لا أتحدث عن الشخص، بل عن المعنى.
ويا ليتني أسكن طيرمانة منها أطل على بساتين النفوس الملونة بالجمال...
ولك الله يا صنعاء...
وسلام سلام على روح صاحب المدينة.
