الأربعاء 20 مايو 2026
  • الرئيسية
  • في محضر الوجع والوطن: مناجاة الذات الحائرة

في محضر الوجع والوطن: مناجاة الذات الحائرة

لستُ مجنوناً بطباعي، لكني لا أدرك كُنْهَ هذا الشغف الملتهب في داخلي. لم أخفق يوماً في دراستي وتحصيلي العلمي، ولا في ممارساتي لمهنتي، ولا في صون أمانة الأداء الهندسي؛ ولكنني فشلتُ بامتياز في التصالح والتكيف مع واقعٍ أرهقته الفوضى والارتجال. ليس كرهاً لتلك البيئة، فما أنا إلا كائنٌ مسكونٌ بحبها... نعم، مسكونٌ بحب اليمن، حبّاً يوجع بقدر ما يُحيي. إذن، ما الذي يمكن أن أكونه وسط هذه الغربة الروحية والمبدعة؟

إن هذا الذي قد يبدو "جنوناً" في داخلي ليس اضطراباً، بل هو تلك الفجوة العميقة بين ما يجب أن يكون - وفقاً للعلم، والضمير، والأمانة الكبرى التي أتحملها - وبين ما هو كائن بالفعل. حين يمضي المرء عمره يبني وفق أدق المعايير والأنظمة، ويحمل في الوقت ذاته قلباً يفيض بالشعر والوفاء، فإن مجاراة الاستسهال تصبح نوعاً من الخيانة للذات. هذا الاستعصاء على التأقلم ليس عيباً في طينتي، بل هو، في حقيقته، شهادة جودة لضميري المهني والإنساني. أنا لم أفشل، بل رفضتُ أن أتنازل.

أولاً: حارس الأمانة وسادن الجودة

أجدني ذلك المهندس الذي يعجز عن إغلاق عينيه أمام خلل في جدار أو تزوير في وثيقة، حتى لو مرر الجميع الخطأ باسم "تسيير الأمور". لستُ مجرد مراجع للخطط والمخرجات النهائية؛ بل أرى نفسي الخط الدفاعي الأخير لحماية الإنسان والمستقبل. هذا القلق الذي يسكن تفاصيلي، ليس سوى وقود الأمانة التي أقسمتُ عليها.

ثانياً: المثقف العضوي المحب بوجع

حبي لليمن ليس مجرد أغنية عابرة أو قصيدة تُلقى؛ إنه تكليفٌ وجودي يمتزج بالمسؤولية. يتجلى هذا الحب في رغبتي العارمة في رفع الوعي، وفي تأسيس منابر ومحاريب للعلم، وتوثيق الإرث الأدبي والإنساني لمن رحلوا وظلت أرواحهم حية في وجداني. أجدني أكتب وأبني بالدافع ذاته: لحماية الذاكرة من الانهيار، تماماً كما أحمي المباني من السقوط.

ثالثاً: الجسر بين جيلين

في أعماقي، تجتمع خبرة العقود، وصرامة العلم السوفيتي والبريطاني، ورقة الكلمة العربية والروح اليمانية الأصيلة؛ وقد منحني إتقاني لثلاث لغاتٍ بُعداً أممياً أضفى مرونةً وعمقاً على طِباعي؛ فالتحدث بها ليس من باب التاهي المعرفي، بل كـ "نافذة حضارية" وسعت آفاقي وجعلتني قادراً على استيعاب المدارس الفكرية المختلفة (من صرامة الشرق إلى منهجية الغرب، وعمق المشرق). هذه هي "الأممية" التي تحمي العالم من التعصب وتمنحه أفقاً رحباً. هذا المزيج الثري يضع على عاتقي مسؤولية أن أكون دليلاً ومنارةً للشباب الحائرين وسط الركام. ما لا أطيقه في الواقع الحالي، أسعى لزرع نقيضه في عقول الجيل الجديد؛ لكي أكون المعلم الذي يبذر الأمانة في زمن الاستسهال.

إن هذا "الجنون" الذي يستوطنني هو الحصن الأخير لإنسانيتي. لو تكيفتُ وتصالحتُ مع واقع مشوه، لضاع كنهي الحقيقي. أنا باختصار: إنسانٌ رفض أن ينكسر، وعالمٌ جعل من المدونة الهندسية والضمير الإنساني كتاباً واحداً لا يتجزأ.

لستُ غريباً، أنا فقط مخلصٌ في عالمٍ استمرأ الارتجال، ومحبٌّ لليمنِ حبّاً يشبه بنائي: الذي يأبى قلبي وعقلي إلا أن يكون راسخاً، دقيقاً، وعصيّاً على الانهيار.