قضية ميرا بين واجب الإنصاف وخطر التوظيف واستثمار الطامحين لزعامة القبيلة بأي ثمن
مدخل:
(أنا قَبيليٌّ أبحث عن قبيلةٍ وطنيةٍ واعية، لا تقف عائقًا أمام الدولة، بل تسعى للعبور إليها، وإن غابت الدولة الحقيقية كانت عونًا في بنائها لا سببًا في هدمها.
وأنا مواطنٌ يبحث عن دولةٍ مدنيةٍ ديمقراطيةٍ عادلة، تحترم القبيلة وتُقدّر دورها التاريخي، لكنها تعمل في الوقت نفسه على انتشالها من واقع التهميش والبؤس، عبر التنمية المتوازنة والعدالة وسيادة القانون.
إن معركتنا الحقيقية ليست على الأشخاص ولا على الألقاب ولا على الزعامات المؤقتة، بل معركة وعيٍ وبناءٍ وعدالة، تُخرج الإنسان من الخوف والفقر والضياع إلى الكرامة والاستقرار والأمل).
في خضم الجدل الواسع الذي أثير حول قضية المسماة «ميرا»، تواصلتُ منذ البداية -حرصًا على التحقق- مع عددٍ من أقرب المقرّبين للرئيس الراحل علي عبدالله صالح، ممن كانوا يحيطون به بصورة دائمة ويُعدّون من المؤتمنين والملازمين له، فأكدوا -بحسب ما أفادوا- أنهم لا يعرفون هذه الفتاة، ولم يسبق لهم سماع اسمها أو معرفة أي صلة لها، وأن معرفتهم بالقضية جاءت عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي وما رافقها من انتشار واسع للرواية المتداولة.
لكن جوهر القضية -من منظور اجتماعي وقَبَلي مسؤول- لا ينبغي أن يُختزل في إثبات نسبٍ أو نفيه، ولا أن يتحول إلى ساحة استثمار سياسي أو وسيلة لتغذية طموحات الزعامة أو تصفية الحسابات. فاستغلال المآسي الإنسانية في معارك النفوذ لا يخدم مجتمعًا أنهكته الأزمات، بل يزيد الناس همًّا فوق همّ، وفقرًا فوق فقر، وقلقًا فوق قلق.
إن الموقف الذي يستحق أن يتوحد حوله الجميع يجب أن ينطلق من سؤالٍ إنساني وأخلاقي واضح: هل وقعت مظلومية فعلًا؟ وهل تعرّضت هذه الفتاة -كما تدّعي- لإخراج قسري من مسكن كانت تقيم فيه منذ سنوات، أو صودرت ممتلكاتها دون وجه حق؟
هنا يصبح التفاعل القبلي مفهومًا ومشروعًا إذا انطلق من نصرة المظلوم، لا من توظيف القضية. فالمشهد الذي جرى تداوله، وما رافقه من رمزية حزينة كقصّ الضفيرة لدى الملتحقة بالقبيلة، من الطبيعي أن يحرّك مشاعر النجدة والنخوة في مجتمعٍ عُرف بإغاثة المستجير ونصرة المظلوم. غير أن العاطفة وحدها لا تكفي؛ إذ يجب أن يقترن التعاطف بالتحقق، وأن يكون التحرك محصورًا في رفع الظلم إن ثبت وقوعه، واستعادة الحق إن ثبت سلبه.
فالقبيلة -في هذا السياق- ليست جهةً لإثبات الأنساب، ولا للفصل في دعاوى الملكية أو الهبات أو الانتماءات الشخصية، سواء قيل إنها ابنة لهذا أو قريبة لذاك. إنما يظل دورها الأخلاقي والاجتماعي مرتبطًا بإنصاف المظلوم وحماية الضعيف عند غياب الدولة العادلة ومؤسساتها الفاعلة.
وفي ظل ضعف مؤسسات الإنصاف، تتسع مساحة التعاطف الشعبي والقبلي، لأن الناس تبحث عن عدالةٍ مفقودة وسندٍ يردّ المظالم. ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يقود أي موقف مسؤول هو: هل وُجد ظلم حقيقي يستوجب النصرة؟ فإن ثبت ذلك، فالوقوف إلى جانب المظلومة واجب أخلاقي وإنساني، بصرف النظر عن أصلها أو نسبها أو اسمها، لأن المجتمعات تُصان حين تنتصر للحق، لا حين تنجرّ خلف الإثارة أو التوظيف أو الانقسام.
۔ برلماني وسفير سابق
