الإثنين 18 مايو 2026
  • الرئيسية
  • 22 مايو ..حين تتحول الشعارات إلى عبء

22 مايو ..حين تتحول الشعارات إلى عبء

في 22 مايو 1990، لم يكن لدى اليمنيين مشكلة مع الحدث نفسه؛ بل كان لحظة إجماع نادرة، تجسّد فيها حلم جماعي بوطن موحّد. يومها، تراجع صوت الرفض إلى حدٍّ لا يُذكر، وتقدّم الأمل على كل الحسابات، باعتباره العنوان الأبرز لتلك اللحظة التاريخية.

غير أن ما تلا ذلك لم يكن امتدادًا طبيعيًا لذلك الحلم. فقد تسللت الخلافات السياسية، مدفوعة بتباينات المصالح الضيقة، لتُبعد المشروع الوطني عن جوهره، وتفصله تدريجيًا عن تطلعات الناس. ومع تراكم هذه الاختلالات، جاءت الصدمات الكبرى -حرب صيف94- التي أفقدت تلك اللحظة توازنها، ودخلت بها في مسار من التعثر والانكسار.

لم يعد 22 مايو مجرد تاريخ عابر، بل تحوّل إلى جزء أصيل من الذاكرة السياسية اليمنية، يحمل مفارقة معقدة: انتصارٌ تحقق، ومسارٌ تعثر. هو شاهد على حلمٍ كبير، لكنه أيضًا شاهد على صراعات أضعفته، وعلى نزعات إقصائية حاولت احتكار الوطن ونفي الآخر خارج معادلته.

وفي كل عام، ومع حلول هذه الذكرى، يتكرر المشهد ذاته دون مراجعة حقيقية. تتصدر أصوات من بعض النخب والناشطين، بخطاب مشحون بالحماس، يعيد إنتاج مفاهيم لم تعد قادرة على تفسير الواقع. تُطرح "الوحدة" كقيمة مطلقة فوق النقاش، ويُختزل الخلاف في ثنائية جامدة: "وحدة مقدسة" في مواجهة "انفصال ملعون"، وكأن الشعارات قادرة على حجب تعقيدات المشهد أو تجاوز نتائجه.

لكن السؤال الجوهري يظل حاضرًا رغم محاولات تجاوزه: أين هي هذه الوحدة اليوم؟ وأي وحدة يُراد الدفاع عنها، في ظل واقع تتآكل فيه الدولة، وتغيب فيه العاصمة نفسها عن إطارها؟

إن الاستمرار في توجيه هذا الخطاب نحو الجنوب، وتحميله ضمنًا مسؤولية ما حدث، لا يمثل مجرد قراءة قاصرة، بل يتحول إلى عائق حقيقي أمام أي محاولة جادة لاستعادة الدولة. فهو يعيد إنتاج الانقسام بدل معالجته، ويُبقي الصراع أسير الاتهامات، بعيدًا عن جذوره الفعلية.

الأخطر من ذلك، أن هذا الخطاب يروّج لوهم مفاده أن التمسك بشكلٍ هشّ للوحدة هو طوق النجاة الأخير، وأنه الطريق الوحيد لاستعادة صنعاء وبناء الاستقرار. غير أن الواقع يؤكد أن الاستقرار لا يُبنى على شعارات، ولا تُستعاد الدول بتجاهل تعقيداتها أو القفز فوق أسباب انهيارها.

إن مواجهة الحقيقة، مهما كانت قاسية، تظل أقل كلفة من الاستمرار في خطاب فقد صلاحيته، وأصبح عبئًا على أي مشروع وطني يسعى بجدية إلى استعادة الدولة، وبناء مستقبل يتسع للجميع.