الإثنين 18 مايو 2026
  • الرئيسية
  • "المزاينة".. الهامش يصنع أفراح اليمن

"المزاينة".. الهامش يصنع أفراح اليمن

يتقدم رجل يقرع الطبل ليفتح الطريق أمام الرقص. الصفوف تتحرك على الإيقاع، والغبار يرتفع من تحت الأقدام كأن الأرض تدخل هي الأخرى في البرع. الرجل الذي حلق الرؤوس وذبح الذبائح وأشرف على قدور الوليمة، يقف في وسط الحلقة يضرب الطاسة بخفة اعتادتها يداه منذ زمن بعيد، كأن هذه المهن تنتقل في دمه كما تنتقل الأسماء داخل العائلات. "المزين" رجل يسكن الإيقاع جسده. يمنح القبيلة صورتها الاحتفالية المكتملة، ثم يعود بعد انفضاض المناسبة إلى موقعه الاجتماعي المتأخر، كأن المجتمع يستعيره لساعات ثم يعيده إلى الهامش.

الهامش يصنع الأفراح

عاش "المزاينة" طويلاً داخل هذه المسافة القاسية. احتاج الناس طبولهم في الأعراس، وسكاكينهم في الذبائح، وأيديهم في الحلاقة والطبخ، ثم أعادوهم بعد ذلك إلى مرتبة منخفضة في السلم الاجتماعي. ظلوا جزءاً ثابتاً من الحياة اليمنية، بينما بقيت النظرة إليهم أسيرة ترتيب طبقي قديم يرى في هذه المهن علامة على منزلة أدنى.

تمتد جذور هذه الصورة إلى قرون بعيدة. بعض الروايات تربط "المزاينة" بجماعة "الأبناء"، وهم الفرس الذين استقروا في اليمن بعد حملة سيف بن ذي يزن ضد الأحباش في القرن السادس الميلادي. ومع تبدل السلطة والاقتصاد عبر العصور اندمج كثير منهم في المجتمع واتجهوا إلى الأعمال الحرفية والخدمية. ثم أخذ التصنيف الاجتماعي يشتد، خصوصاً في المرتفعات الشمالية، حيث تشكلت بنية تبدأ بالسادة ثم القضاة فالقبائل، يليهم "المزاينة" المرتبطون بالمهن الخدمية واليدوية، فيما بقي الأخدام في الهامش الأبعد. صارت المكانة تُقاس بالنسب أكثر مما تُقاس بالمهارة، فبقي المزين قريباً من تفاصيل الحياة اليومية وبعيداً عن المصاهرة.

تربط بعض الروايات ترسيخ هذه النظرة بالإمام عبد الله بن حمزة، حين استُخدم لقب "المزاينة" بحق جماعات ارتبطت بالمطرفية خلال صراعات سياسية ودينية، وتبع ذلك عقاب اجتماعي شمل منع المصاهرة والصلاة خلفهم. ومع الزمن تجاوز الاسم معناه المهني، وتحول إلى توصيف اجتماعي كامل داخل البنية التقليدية، حتى بدا كأنه أثر قديم يلتصق بالعائلة جيلاً بعد جيل.

رغم ذلك احتفظ "المزاينة" بحضورهم العميق في الحياة اليومية. في الأعراس كانوا القلب الفعلي للاحتفال؛ يضربون الطاسة ويشعلون البرع ويطبخون للضيوف ويتولون الذبائح. وحتى "الدوشان"، شاعر المناسبة وصوتها المرتفع، كان يُحسب في مناطق كثيرة ضمن هذه الفئة. يمدح القبائل ويتدخل أحياناً للصلح بين المتخاصمين ويحمل ذاكرة الناس الشفوية فوق كتفيه.

في الحروب القبلية حاز "المزاينة" وضعاً مختلفاً نسبياً. أعفتهم الأعراف من الثأر المباشر، فكانوا يعبرون مناطق النزاع حاملين أدواتهم بينما تنشغل البنادق برجال القبائل وحدهم. تحولت المهنة إلى حصانة رمزية غير مكتوبة. أدرك المجتمع أن الرجل الذي يحلق الرؤوس ويطهو الطعام ويقرع الطبول يجب أن يبقى خارج دائرة الدم. القبيلة كانت تتصارع على الأرض والثأر والماء، بينما يقف المزين خارج الحلقة، كأن وجوده ظل لا يؤذي أحداً، ولأنه لا يؤذي فقد تُرك وحيداً يعيش قروناً وهو يمر من بين الرماح دون أن تطعنه واحدة.

لكن هذه الحماية لم تتحول إلى مساواة كاملة. ظل الزواج الجدار الأكثر صلابة داخل البنية التقليدية. "المزين" يدير العرس كله، لكنه يبقى بعيداً عن المصاهرة في كثير من البيئات القبلية. باب النسب ظل موصداً رغم تغير الأزمنة. وحتى اليوم، حين ترتفع الطبول وتتحرك حلقة البرع، يتذكر الجميع أن الفرح لم يصنعه السادة ولا رجال القبائل، بل صنعه رجال عاشوا عند الحافة وحملوا في أصواتهم وإيقاعاتهم تاريخاً من التحولات.

البلاد التي رتبت أبناءها وفق طبقات صارمة ظلت تسلم أفراحها دائماً لرجال خرجوا من المهن الصغيرة وحملوا فوق أكتافهم الإيقاع الشعبي جيلاً بعد جيل. هم الذين يدفعون الجميع إلى الرقص ويوزعون البهجة مثل الماء. وكثيرون يشربون من هذا الماء من دون أن يسألوا عن منبعه، ما دام الإيقاع مستمراً، وما دامت الطبول تُقرع بأيدي رجال خرجوا من تاريخ بعيد وما زالوا يطرقون بابه حتى اليوم.