الكلمة في زمن الحرب.. تعز تكتب بالبارود
في زمن السلم، الكلمة زينةٌ، طرفٌ لغوي نتجمل به. نقولها لتُسمع، لنُعجب، لنُجادل.
أما في زمن الحرب، فالكلمة ليست زينة. إنها موقف. إنها خندق. إنها رصاصةٌ أخرى في البندقية، أو خيانةٌ أخرى في ظهر المقاتل.
والحرب تحاول دائمًا أن تقتل الكلمة قبل أن تقتل الإنسان. تُريدها بلا معنى، بلا ذاكرة، بلا صاحب. تريد أن يصبح القصف هو اللغة الوحيدة، والخوف هو القاموس الوحيد.
لكن تعز رفضت هذه المعادلة.
حين حاصروا المدينة، ظنوا أنهم حاصروا الصوت
عندما أطبقت مليشيا الحوثي حصارها على تعز، لم يكن الحصار حصار خبزٍ وماءٍ ودواءٍ فحسب. كان حصارًا للمعنى. أرادوا أن يقولوا للعالم: هذه مدينةٌ سقطت، انتهت، سكتت.
أغلقوا المنافذ، قطعوا الطرق من بير باشا والحوبان، منعوا حتى أسطوانات الأكسجين أن تدخل، وظنوا أن مدينةً بلا هواء ستكون مدينةً بلا صوت.
ولم يفهموا طبيعة تعز.
تعز ليست مدينةً تُقاس بالجغرافيا. تعز فكرة. والفكرة لا تُحاصر.
في كل حارةٍ منعت عنها الماء، انفجر قلم. وفي كل جبلٍ قصفوه، ولد حارس. وفي كل مدرسةٍ حولتها الحرب إلى متاريس، بقي السبورة تكتب: نحن هنا.
صمود المقاتل هو الذي يحمي الكلمة من العار
ما قيمة أن تكتب عن الحرية وأنت لم تدافع عنها؟ ما قيمة القصيدة إذا كان الشاعر أول الهاربين؟
هنا يأتي درس مقاتلي تعز.
ذلك الشاب الحافي، ببندقيته القديمة وجعبته الخفيفة، المرابط في الضباب في جبهة الكدحة، أو في صالة، أو في ثعبات، أو على مشارف الأربعين.. هو لا يدافع عن تلةٍ ترابية فقط. هو يدافع عن حقنا جميعًا في أن نقول كلمةً حرة دون أن نستأذن مشرفًا حوثيًا.
لولا صموده، لما بقيت كلمتنا. لكانت كلمتنا اليوم بيان اعتذار، أو صفحة ممزقة من ملازمهم، أو صرخةً ممنوعة.
لقد وقف مقاتل تعز حافيًا في وجه آلةٍ عسكريةٍ نهبت دولة، وصمد. لم يكن يملك سوى إيمانه بأن هذه الأرض لا تُباع، وأن هذا الوجه اليمني لا ينحني. تسع سنوات وأكثر، وهو يثبت أن الإرادة حين تكون يمنيةً خالصةً، أقوى من كل صواريخ إيران ومسيراتها.
صموده علّم الكلمة معنى جديدًا: أن تكون صادقة.
فلم تعد الكلمة في قاموس تعز تعني "التعبير عن الرأي" فحسب، بل أصبحت تعني "الثمن الذي دُفع ليُسمع هذا الرأي".
الكلمة التي تستحق تعز
في زمن الحرب، لا نحتاج إلى كلمةٍ محايدة. الحياد في وجه حصار الأطفال جريمة. نحتاج إلى كلمةٍ مقاتلة.
كلمةٌ لا تقف على مسافةٍ واحدةٍ من الجلاد والضحية. كلمةٌ تسمي الحصار حصارًا، والقنص قنصًا، والميليشيا ميليشيا، والمقاومة مقاومة.
تعز علمتنا أن الكلمة التي لا تستند إلى بندقيةٍ تحرسها، ستُداس. وأن البندقية التي لا تستند إلى كلمةٍ شريفةٍ تبررها، ستضل.
لذلك، كلما كتبنا اليوم، يجب أن نستحضر وجه ذلك المقاتل. هل كلمتنا تليق بجرحه؟ هل جملتنا تليق بسهره في البرد؟ هل موقفنا يليق بدم صديقه الذي سقط بجانبه؟
إن الكلمة في زمن الحرب أمانة. وأمانة تعز ثقيلة.
تعز لم تنتصر بعد بالمعنى العسكري الكامل، لكنها انتصرت بالمعنى الأهم: بقيت. بقيت حرةً، بقيت تقول لا. وفي زمنٍ صارت فيه مدنٌ كاملةٌ تردد ما يُملى عليها، أن تبقى مدينةٌ واحدةٌ تقول لا، فذلك هو النصر كله.
لقد أرادت ميليشيا الحوثي أن تختزل اليمن كله في ملزمة. أن تجعل اللغة كلها صرخةً واحدةً تُردد كالببغاء. أن تقتل فينا قدرة السؤال، ودهشة الاختلاف، وجرأة أن نقول "لا".
وما علموا أن "لا" اليمنية لا تموت. تُجرح، تُحاصر، تُقصف، لكنها لا تموت. لأنها تسكن في مكانٍ لا تصل إليه قذائفهم: في ضمير الناس.
في زمن الحرب، الصمتُ خيانة
لذلك، لم تعد الكتابة ترفًا.
أن تكتب اليوم عن تعز، ليس مقالًا أدبيًا. إنه شهادةُ ميلاد. أنت تشهد أن هناك مدينةً رفضت أن تكون هامشًا في كتاب الولي الفقيه.
الكلمة في زمن حرب تعز، يجب أن تكون:
واضحةً كطلقة: لا مواربة. لا تقف في المنتصف. المنتصف بين القاتل والمقتول ليس حكمة، بل تواطؤ.
نظيفةً كجرح: لا تبتغِ بها مالًا من منظمة، ولا منصبًا من سلطة. اكتبها كما ينزف المقاتل، بصمتٍ وشرف.
عنيدةً كتعز: لا تمل. الحصار طويل، والمعركة طويلة، والكلمة يجب أن تكون أطول منهما.
إن الحوثي يملك ترسانةً من السلاح، ونحن نملك ترسانةً من الكلمات الصادقة. وهو يراهن على أن يملّ الناس، ونحن نراهن على أن الذاكرة لا تمل. والتاريخ يقول: كل إمبراطوريات البارود سقطت، وبقيت قصيدةٌ واحدةٌ صادقةٌ تروي كيف سقطت.
يا أبناء تعز، يا مقاتليها، يا كتّابها، يا نساءها اللواتي حملن الماء على رؤوسهن تحت القنص:
اعذرونا إن كانت كلماتنا أقل من صمودكم. فأنتم تكتبون بدمكم ما نعجز عن كتابته بحبرنا. لكننا نقسم أننا لن نخون قاموسكم. لن نسمي حصاركم "خلافًا"، ولن نسمي صمودكم "تعنتًا"، ولن نسمي جلادكم "طرفًا".
أنتم الطرف الوحيد. أنتم اليمن كله.
وستبقى الكلمة ما بقيت تعز.
فسلامٌ على الكلمة حين تكون طلقة حق،
وسلامٌ على البندقية حين تحرس حرفًا حرًا،
وسلامٌ على تعز.. مدينةٌ تكتب تاريخ اليمن كله، بقلمٍ من حبر، وبارود.



