الأربعاء 28 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • حلف مكة في طهران.. شراكة إقليمية أم رسالة ردع لإيران؟

حلف مكة في طهران.. شراكة إقليمية أم رسالة ردع لإيران؟

حلف مكة في طهران.. شراكة إقليمية أم رسالة ردع لإيران؟

حملت زيارة وفد «حلف مكة» إلى طهران، اليوم الاثنين، رسائل سياسية وأمنية تتجاوز مساعي احتواء التصعيد، وتعكس توجهاً لدى السعودية وتركيا وباكستان نحو ترتيبات إقليمية جديدة، تمنح دول المنطقة دوراً أكبر في إدارة أمنها، وتفتح أمام إيران فرصة للانخراط فيها، مقابل التزامات تحد من التهديدات التي تواجه جيرانها.

وجاءت الزيارة وسط تصاعد احتمالات المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، واكتسبت دلالة خاصة من طبيعة الوفد، الذي ضم وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير.

وتوحي هذه التركيبة بأن الدول الثلاث تحمل إلى طهران عرضاً دبلوماسياً يستند إلى ثقلها العسكري والأمني، في محاولة للجمع بين فرص التفاهم ومتطلبات الردع.

وفي قلب هذه الحسابات يحضر اليمن، حيث قد يشكل وقف الهجمات الحوثية على السعودية أول اختبار عملي لنتائج التحرك، وربما مدخلاً لإحياء مسار التسوية السياسية.

نظام إقليمي جديد

تعكس زيارة طهران محاولة لتغيير طريقة التعامل مع إيران، من التركيز على احتواء نفوذها إلى بحث إمكانية إشراكها في ترتيبات أمنية تتولى دول المنطقة صياغتها وإدارة خلافاتها من خلالها.

وتلتقي هذه المقاربة مع مطالب إيرانية قديمة بتقليص الوجود العسكري الأمريكي، وإسناد مسؤولية الأمن الإقليمي إلى دول المنطقة نفسها.

لكن أهمية التحرك تكمن في هوية أطرافه؛ فالسعودية ترتبط بشراكة دفاعية وثيقة مع واشنطن، وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، بينما تمتلك باكستان قدرات عسكرية ونووية وعلاقات متشعبة مع القوى الدولية.

ويمنح ذلك المبادرة ثقلاً سياسياً وأمنياً، وإن كان الحديث عن تأسيس منظومة إقليمية مكتملة لا يزال سابقاً لأوانه.

وقد عكس المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إدراك طهران لهذه الأبعاد، عندما تحدث عن إمكانية أن يشكل الاجتماع بداية لمنظومة أمنية تنطلق من المنطقة نفسها.

غير أن تقليص الاعتماد على واشنطن لا يعني بالضرورة إنهاء وجودها العسكري أو تفكيك التحالفات القائمة معها، بقدر ما قد يعكس رغبة الدول الثلاث في توسيع هامش استقلال قرارها، ومنع تحول أراضيها ومصالحها إلى ساحات للمواجهة الأمريكية الإيرانية.

عرض دبلوماسي تسنده القوة

لا يبدو اختيار التمثيل العسكري والأمني الرفيع في زيارة طهران تفصيلاً بروتوكولياً. فحضور وزير دفاع ورئيس جهاز استخبارات وقائد الجيش يشير إلى أن النقاش يتصل مباشرة بمستقبل التوازنات الأمنية، وليس بمجرد تحسين العلاقات السياسية.

ويمكن قراءة هذا الحضور باعتباره رسالة مزدوجة، الدول الثلاث تقدم الدبلوماسية على المواجهة، لكنها تريد تأكيد قدرتها على حماية مصالحها إذا فشلت التفاهمات.

فالسعودية تواجه هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة يطلقها الحوثيون، بينما تدرك تركيا وباكستان أن اتساع المواجهة الإقليمية ستكون له انعكاسات على أمنهما ومصالحهما الاقتصادية.

ومن هذا المنظور، تبدو الزيارة أقرب إلى عرض لشراكة مشروطة، يتيح لإيران المشاركة في ترتيبات أمنية جديدة، مقابل التزامات واضحة تجاه أمن جيرانها.

ولا يعني ذلك أن الوفد حمل إنذاراً عسكرياً معلناً، لكن طبيعة المشاركين وتوقيت الزيارة يمنحان الحوار بعداً ردعياً يصعب تجاهله.

لماذا قد تستجيب إيران؟

تواجه طهران ظروفاً تجعل خفض التصعيد مصلحة استراتيجية، خصوصاً مع تصاعد احتمالات مواجهة جديدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، قد تكون أشد اتساعاً وكلفة من سابقاتها.

وفي هذه الظروف، قد يوفر تحسين العلاقات مع السعودية وتركيا وباكستان فرصة لتقليص احتمالات اتساع الحرب، وفتح مساحة أوسع للمناورة الدبلوماسية.

كما أن الانخراط في ترتيبات أمنية إقليمية قد يتيح لإيران تحقيق بعض أهدافها عبر التفاهمات، بدلاً من مواصلة استنزاف مواردها في الصراعات.

ويمكن فهم تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بشأن الاستعداد لتعميق التعاون وتسوية الخلافات في هذا السياق، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على حدوث تحول في السياسة الإيرانية.

فقرارات الأمن القومي الإيراني لا تتحدد بمواقف الرئاسة والخارجية فقط، بل تخضع أيضاً لحسابات مؤسسات أخرى، وفي مقدمتها الحرس الثوري، الذي يرتبط بعلاقات عسكرية وأمنية مع جماعات مسلحة في المنطقة.

وتكمن المعضلة في أن هذه العلاقات لا تمثل بالنسبة لطهران أدوات للنفوذ الخارجي وحسب، بل جزءاً من تصورها للأمن القومي والردع.

ولذلك قد تكون إيران مستعدة لخفض التصعيد والضغط على حلفائها لوقف هجمات محددة، لكنها قد تتردد في تقديم تنازلات تمس أدوات نفوذ تعتبرها ضرورية لأمنها.

وقد يشكل اجتماع طهران مساراً مكملاً للوساطة القطرية الباكستانية بين إيران والولايات المتحدة، من خلال معالجة مخاوف دول المنطقة بشأن الهجمات العابرة للحدود وأمن الملاحة ونشاط الجماعات المسلحة.

غير أن نجاح هذا المسار يتطلب الانتقال من التصريحات السياسية إلى التزامات عملية قابلة للتحقق.

اليمن.. الاختبار الأول

يحضر اليمن بوصفه أحد أبرز الملفات التي قد تكشف مدى جدية أي تفاهم أمني بين الرياض وطهران.

فاستمرار الحوثيين في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على الأراضي السعودية يجعل من الصعب تصور انتقال العلاقات بين البلدين إلى مرحلة جديدة من الثقة.

ولذلك قد يكون وقف هذه الهجمات، والامتناع عن استهداف المنشآت المدنية والممرات البحرية، أول اختبار عملي لمدى استعداد إيران للمساهمة في خفض التصعيد.

وقد يفتح أي تقدم في هذا الاتجاه المجال أمام إعادة تحريك الملف اليمني سياسياً، بما في ذلك العودة إلى التفاهمات التي تضمنتها خارطة الطريق برعاية الأمم المتحدة.

لكن التطورات العسكرية الأخيرة أضافت تعقيدات جديدة إلى المشهد، وغيرت حسابات الأطراف اليمنية، ما يجعل العودة إلى التفاهمات السابقة أكثر صعوبة.

كما أن التهدئة بين السعودية والحوثيين، إذا تحققت، لا تعني بالضرورة انتهاء الحرب في اليمن.

فالأزمة اليمنية تتجاوز حدود التوتر السعودي الإيراني، وترتبط بصراع على السلطة ومؤسسات الدولة ومستقبل النظام السياسي والترتيبات الأمنية والاقتصادية.

ولهذا فإن أي تفاهم إقليمي يقتصر على ضمان أمن الحدود السعودية، من دون معالجة أسباب الصراع داخل اليمن، قد يؤدي إلى تجميد المواجهة بدلاً من إنهائها.

وسيكون من الضروري أن يترافق وقف الهجمات على السعودية مع وقف استهداف المدنيين في اليمن، وإنهاء الحصار وفتح الطرق، وتهيئة الظروف لعملية سياسية شاملة.

اختبار النوايا

تفتح زيارة طهران احتمال الانتقال من إدارة الأزمات عبر المواجهة والردع المتبادل إلى تفاهمات أمنية تقودها دول المنطقة، لكنها لا تقدم حتى الآن ضمانات كافية لنجاح هذا التحول.

فالدول الثلاث تبدو معنية بإيجاد صيغة تمنح إيران مكاناً في ترتيبات إقليمية جديدة، مقابل التزامات تحد من مصادر التهديد، بينما تجد طهران في هذا المسار فرصة لتخفيف الضغوط وتجنب مواجهة عسكرية جديدة.

وستكون الخطوات التالية أكثر أهمية من الاجتماع نفسه، خصوصاً موقف إيران من الهجمات الحوثية على السعودية، ومستقبل الوساطة مع واشنطن، وإمكانية التوصل إلى ضمانات أمنية متبادلة.

وسيكون اليمن أحد أبرز ميادين هذا الاختبار. فإذا انعكست التفاهمات على سلوك الحوثيين، وأسهمت في وقف التصعيد وفتح الطريق أمام تسوية سياسية يمنية، فسيكون اجتماع طهران قد تجاوز حدود الدبلوماسية إلى التأثير الفعلي في معادلات المنطقة.

أما إذا استمرت الهجمات والصراعات، فستبقى فكرة النظام الأمني الجديد مشروعاً سياسياً لم تتوافر بعد شروط تحقيقه.