الأحد 4 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • حين تبتلع الجغرافيا غايات الصراع: من معارك الداخل إلى نفوذ الساحل

حين تبتلع الجغرافيا غايات الصراع: من معارك الداخل إلى نفوذ الساحل

قدم الكاتب منصور هائل في آخر كتاباته "اليمن في الأطلس الإسرائيلي الجديد" قراءة في كيفية تحول اليمن في نظر الدراسات الإسرائيلية والأمريكية إلى ما أطلق عليه العقدة البحرية وفق منظور مصلحي لتلك القوى إقليميا ودوليا.

منصور هائل

وقد استند في قراءته إلى مجموعة من أطروحات الكتاب الذين عملوا على إعادة قراءة واقع الجغرافيا الإقليمي خارج الحسابات التقليدية للدولة والقيمة التاريخية لها باختزال الجغرافيا ومحو الإنسان، فترسم خرائطها التي تسقط فيها مدننا بقيمتها المعنوية والتاريخية والإنسانية، ذلك أن الجغرافيا هنا لا تعود مجرد أرض يمنية ذات قيمة سياسية وتاريخية وإنسانية، وإنما تتحول إلى مواقع وظيفية داخل خرائط إقليمية ودولية أوسع.

ويرى الكاتب أن الدور الإماراتي في كتاباتهم يُقدَّم باعتباره جسرًا وراعيًا إقليميًا يعمل على ربط القوى الجنوبية بالبيئة الأمنية والاقتصادية الجديدة الناشئة عن اتفاقات أبراهام.

فإذا كانت هذه الدراسات تعيد تعريف قيمة الجغرافيا اليمنية من خلال موقعها في منظومة الأمن والملاحة والنفوذ الإقليمي، فإن السؤال يصبح: كيف يمكن قراءة انخراط الفواعل اليمنية والإقليمية في الوقائع الجديدة؟ وهل تتحول بعض القوى المحلية، بوعي أو من دونه، إلى أدوات داخل خرائط صراع لم تعد غاياتها يمنية خالصة؟

تصاعدت حدة الخطاب السياسي مؤخرًا، وفي الوقت الذي كان فيه الخطاب موجهًا نحو استعادة الجغرافيا والدولة بشكل عام، وبسط سلطة الشرعية على كامل الجغرافيا الوطنية، ومعها ارتفعت حدة المعارك في الساحل الغربي ومحيطها، وتركزت في محاولات السيطرة على عمق مجالها البري الممتد في غرب تعز.

ومن خلال خارطة الصراع الأخيرة، يبدو أن المعارك تتركز بصورة كبيرة على هذه الجغرافيا وعلى هذه الجبال، وتغيب عن المشهد أي حركة أو فعل مماثل في بقية الجبهات المختلفة.

من غايات الداخل إلى مقاصد الإقليم

أضحت مقاصد الجغرافيا الإقليمية والدولية هي الموجه والمحرك الفعلي لمسار الصراع اليمني، متجاوزةً تمامًا الحسابات الداخلية للفواعل المحلية التي تحولت إلى أدوات نفاذ فاقدة للقدرة على الفعل، تقف عند حد الصدى لتوازنات الخارج.

انتقلت محددات المعركة العسكرية في الداخل بشكل متسارع من الحسابات المحلية إلى مربع الصراعات الجيوسياسية والإقليمية والدولية. لقد تحول الساحل الغربي وباب المندب من مجرد جبهات داخلية لاستعادة الدولة، إلى مراكز ثقل في خريطة النفوذ البحري وأمن الملاحة العالمية، فأفقدت الفواعل المحلية القدرة على الفعل، وأضحت أدوات نفاذ إقليمي.

ومع انتقال المقاصد، فقد الصراع اليمني الكثير من غاياته الداخلية الأولى المتعلقة باستعادة الشرعية أو عودة الدولة والسلطة وبسط نفوذها على كامل الجغرافيا اليمنية وعاصمتها. إذ أصبحت مقاصد الجغرافيا الإقليمية، وفي مقدمتها السيطرة على الممرات المائية وتأمين خطوط الملاحة، هي الأكثر حضورًا على مستوى الخطاب والفعل السياسي في تحديد أولويات الصراع ومساراته.

تطرح مقاربة الكاتب مدخلًا في فهم التحول في أولويات الصراع وجغرافيته، إذ لا يمكن فهمه دون العودة إلى بدايات المشهد السياسي في مطلع العام الجاري وما رافقها من تحول تبع انهيار المجلس الانتقالي وخروج الإمارات من المشهد بالتبعية، بعد تقاطع مصالحها مع السعودية، إثر محاولتها التمدد باتجاه حضرموت، وهو ما أثار حفيظة السعودية التي عمدت إلى إعادة رسم خارطة النفوذ من جديد.

وهنا تصبح قراءة الكاتب منصور هائل، في مقاله حول إعادة رسم الخريطة الإقليمية للملاحة والنفوذ، مدخلًا آخر لقراءة ما يجري في اليمن.

لغز الساحل الغربي: رسائل سياسية مغلفة بالانسحاب

لا يمكن قراءة التحولات الأخيرة في الساحل الغربي بمعزل عن خارطة السيطرة والنفوذ التي تشكلت خلال السنوات الماضية، وخصوصًا في المحافظات الجنوبية والساحل الغربي، حيث تركز النفوذ الإماراتي الذي كان يمثل مركزًا أساسيًا في تلك الجغرافيا، عبر المجلس الانتقالي، وكذلك عبر قوات طارق صالح. ومن هنا تكتسب التحولات الأخيرة وما رافقها من تراجع أو انسحاب دلالاتها التي تتجاوز حدود التحول العسكري المباشر فحسب.

إذ يبدو أن هناك من يعمل على بناء تصور لا يمكن استثناء الدور الإماراتي فيه من اليمن بصورة سريعة أو نهائية، خصوصًا مع التساؤلات الكبيرة والمفتوحة التي طرحها انسحاب، أو اختفاء، أو سقوط القوات الموجودة في الساحل الغربي.

طارق عفاش ـ منصات
طارق عفاش ـ منصات

لقد مثّل الغموض المحيط بانسحاب قوات "حراس الجمهورية" بقيادة طارق صالح باعتباره فتحًا متعمدًا للمجال الجغرافي لمليشيات الحوثي، بل أصبحت القدرة على قراءة الحدث من هذا المنظور أكثر واقعية باعتبار هذا السلوك لا يتعدى كونه رسالة سياسية إقليمية تهدف إلى إعادة خلط الأوراق، والضغط على أطراف إقليمية، أو إشغال الجانب السعودي بتهديدات مباشرة عند حدود ممراته البحرية لفرض واقع تفاوضي جديد يضمن بقاء النفوذ الإماراتي انطلاقًا من "باب المندب" وجزيرة "ميون" كارتكاز حيوي.

فهل كان ما حدث رسالة معينة؟ وهل تعمل الإمارات ومن تمثله على إعادة بناء خارطة جديدة، أو إعادة بناء دور لها في الداخل اليمني، يبدأ من باب المندب تحديدًا؟

وهنا يبدو أن الصراع اليمني لم يعد يتحرك وفق غاياته الداخلية الأولى بالقدر نفسه، وأن مقاصد الجغرافيا الإقليمية أصبحت أكثر حضورًا في تحديد مساره، فيما تضيق مساحة الفعل المستقل أمام الفواعل اليمنية.

ومن هنا يمكن مقاربة ما يحدث في الساحل الغربي باعتباره جزءًا من عملية أوسع لإعادة رسم الخريطة الإقليمية للملاحة والنفوذ، وهو الأمر الذي أسهمت فيه الفواعل المحلية، بقصد أو بدون قصد، سواء بالانسحاب أو بالتمدد، الحوثيون وطارق صالح.

باب المندب في قلب الأمن القومي السعودي

أن التقدم الحوثي باتجاه المخا وباب المندب لا يغير فقط خطوط السيطرة داخل اليمن، بل يمتد ليغير خرائط القوى الإقليمية مع خطاب منع مرور السفن السعودية من الممر، ومع التهديدات الحوثية للملاحة والمصالح السعودية. ولم تعد السعودية تنظر إلى الساحل الغربي باعتباره جبهة يمنية بعيدة، وإنما باعتباره جزءًا من أمنها القومي والإقليمي المباشر. وهذا ما يستلزم قراءةً في تحول الحسابات السعودية.

مضيق باب المندب
مضيق باب المندب

وهل تذهب السعودية في سياساتها تجاه الملف اليمني إلى إعادة إنتاج تصور إقليمي للممرات البحرية والنفوذ؟

هل فقد الصراع غاياته، وأصبحت مقاصد الجغرافيا الإقليمية هي التي تحدد مساره؟

فهل تعمل هذه التحولات، ومع الضغط المباشر على السعودية ومصالحها، على إعادة صياغة الاستراتيجية السعودية تجاه اليمن، انسياقًا وراء تصورات إقليمية تعمل على إعادة رسم خارطة النفوذ البحري وفق تصورات ومصالح إقليمية خاصة؟