الأحد 4 أكتوبر 2026

تراتيل إبراهيمية مزيفة

من خلال فقرات مقال معمق كتبه القلم الرصين للأخ العزيز منصور هائل، المنشور بـ«النداء»، المظلة التي تحلق بفضاءاتها كل الحروف، كل المقالات تملؤها الثقة والشعور بالاطمئنان إلى أنها ستكون بمأمن، بواحة أمان، وهي تحلق بفضاءات حرية الكلمة، ولن تفاجأ وهي تحلق بحدوثة شيلوك نتنياهو، وتبعه الأرعن ترامب، التي أحاطت بلعبة، بالمسرحية الهزلية البلهاء بطائرة دبي فلايت، وحكاية الفأس، فأس هيركوليس بغابة «بج دراجون» الفضاء.

أكتب هذا المدخل بعد قراءة ممتعة معمقة لمحتوى مقال العزيز منصور هائل تحت عنوان «اليمن بالأطلس الإسرائيلي الجديد»، عبر تحليل لكتابات بعض كتاب الصحف الإسرائيلية، بما يطرحوه من رؤى ممنهجة تزيد النيران اشتعالًا بمنطقة كانوا، وكانت إسرائيل دولتهم بمثابة الجسر، المنفذ لمنولوج مشروع إعادة هندسة الشرق الأوسط الجديد وفق مفتتح كونداليزا رايس، وما استتبع ذلك من الإعلان عما سمي بثورات الربيع العربي العبري، منولوج مدروس مهمته استكمال المهمة التاريخية التي قالها ثم عدل عنها المفكر الياباني الأمريكي فوكوياما: نهاية التاريخ، أي انتصار الليبرالية الرأسمالية وسقوط تحدي وجود شريك آخر، الاتحاد السوفيتي، ثم عدل عنها لاحقًا.

واستكمالًا لتلك المهمة، كان لابد من تعديل مسار مستقبل منطقة الشرق الأوسط التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو، إذ رأوا أنها باتت قديمة؛ لأن الدولة، أي إسرائيل، التي أنشئت بموجبها، صارت لاعبًا أقوى يعيد، عبر العصا الأمريكية، هندسة ما يتوجب هندسته، ليس بالمنطقة العربية بل جل الشرق الأوسط.

هنا تكمن الأهمية التي بادر العزيز منصور قارئًا فكر العقل الصحافة الإسرائيلية الرامية لمزيد من تدفيع العالم أثمان إسقاط الاتحاد السوفيتي، والثمن، إلى جانب حصار مصر أولًا:

إعلان نهاية التاريخ، ولكن يبدو أن الأمر كان تسرعًا، كما اكتشف ذلك لاحقًا فوكوياما.

إعلان وفاة سايكس بيكو، أو لنقل تغيير جلدتها القديمة والمجيء بعهد انتصار الليبرالية وسيادة العولمة، والتي فشلت لاحقًا.

تخليق واقع جديد ينهي بذور ومفاهيم مشروع الدولة الوطنية، وخلق كانتونات الطوائف والأقليات، ومزيد من التفتيت الإثني العرقي، الطائفي، المناطقي، القبلي، مع إشعال نيران المذهبية السنية الشيعية، والعرقية عرب أكراد، إلخ، عبر التلويح بالهلال الشيعي وتوابعه، ليتوج كل ذلك، ووفق ما نقله مقال الأخ منصور من طروحات الصحافة الإسرائيلية، التي تروج لمفاعيل اتفاقات إبراهيم، البديل المنظم لكيانات تقنية عرقية طائفية، إلخ، تحتمي باتفاقات إبراهيم الثهيونية، إذ لها اليد الطولى بمنطقة الشرق الأوسط الجديد، المبتلي بحروب تناقض المصالح، الهيمنة والسيطرة على المضايق البحرية، الطاقة وسلاسل الإمداد.

وقبل ذلك، إعادة هندسة المسالك البرية والبحرية لمجابهة مشروع طريق الحرير، واستكمالًا لمهمة دحر الاتحاد السوفيتي، تجري عملية هندسية حربية لوضع إيران تمامًا كما كان المخطط يوم تم القضاء على ثورة مصدق.

الصحافة الإسرائيلية، وهي تتلو صلواتها بكنيس الربح والخسارة، ترى، ووفق قراءات أمريكية صهيونية، أن العالم تضبطه قواعد القوة والعنجهية: أمريكا أولًا، وثانيًا رأسمالية القوة تسود، وباقي الأطراف تتآكل.

فروسيا محاصرة بالحرب الأوكرانية، والصين تحت المجهر الأمريكي، أمريكا تتابع رغم تبادل ابتسامات الدبلوماسية، وأمريكا اللاتينية محاصرة تمامًا كحصار كوبا، فنزويلا مصادرة، والبرازيل تحت المجهر.

ذلك ليس أخطر ما يخطط أمريكيًا إسرائيليًا لمنطقة الجزيرة والخليج، أخطر بكثير.

الحرب العبثية الإيرانية الأمريكية يخطط معها لإعادة رسم معالم دويلات وكيانات فارقت مفهوم الدولة الوطنية، تعشعش داخلها نغمات عرقية تقنية، مذهبية، مناطقية، كما يخطط لتمزيق بلادنا اليمن، التي بدأت مغازلتها من قبل مزامير داود، التي عزفت بعض ألحانها لأطراف من المجلس الانتقالي بمباركة إماراتية، لن تمر.

نقول إن الكيانات التي يجري الإعداد لها سترصعها نجوم داود، وفق اتفاقات إبراهيم، التي يلوح بها لإعادة هندسة وترتيب أوضاع الشرق الأوسط العبري الجديد.

من هنا تصبح مهمة الحفاظ على مشروع الدولة الوطنية اليمنية مهمة كل القوى الوطنية، التي بات عليها لزامًا أن تكون جزءًا من عملية تاريخية وطنية تنهي الانقلاب وتستعيد الدولة، تضمن قيام مشروع وطني لدولة الجنوب، مقررًا فيها بكل ما تعنيه الكلمة، ولكن ليس مقررًا معطلًا تمامًا، كما هو ليس تابعًا، وأن يُبنى عبر ذلك مشروع للتكامل والتنسيق المدروس مع الأشقاء بدول مجلس التعاون الخليجي.