الحـ...وثيون: سلطة الجباية الريعية والابتزاز المافيوي
ما سمعته أمس في قناة "يمن شباب" عن إرسال سندات إلى بعض التجار بخصوص المطالبة بدفع زكاة السنوات الماضية، برغم مأساويته، أعاد بذاكرتي إلى اليوم التالي لدخول الحركة الحوثية إلى مدينة المخا.
لم ينتظر الحوثيون طويلًا، لم يتحدثوا عن خدمات أو إدارة محلية. كل ما فعلوه هو رفع لافتة على أحد المنازل كُتب عليها: "مكتب الواجبات الزكوية"، كانت أول برت رسمي في المخا بعد السيطرة العسكرية. صحيح لافتة صغيرة، لكنها قالت كل شيء عن القادم والقادمين. هؤلاء لا يريدون حكم القانون ولا دولة المواطنة، بل يريدون فاتورة تُدفع قبل كل شيء آخر.
في زمن الجمهورية، حيث يُفترض أن السلطة في خدمة الشعب، يعيد الحوثيون إنتاج نموذج الإمامة القديم بصورة أكثر تعقيدًا، لكنها بمنطق وثقافة الجباية الواحدة: الشعب مورد للسلالة، لا مواطنون في دولة العدالة والمساواة.
من يقرأ تاريخ الإمامة في اليمن يجد أن الجباية لم تكن يومًا حكرًا على "الزكاة" بالمعنى الفقهي. كانت هناك ما تُعرف بـ"المطلبة" حتى عهد الإمام أحمد. ضرائب إلزامية متعددة الأسماء: مطلبة التبن، ومطلبة الصلاة، ومطلبة البارود
والرصاص، ومطلبة ضيفة العيدين. حتى "زكاة الصلاة" كانوا يفرضونها على من صلى ومن لم يصلِّ في القرية.
هذا ليس نظامًا ماليًا في معركة التنمية والبناء، هذا ابتزاز منظم متخفٍّ في ثوب ديني. وكان هناك ما هو أخطر : "واجبات المستقبل". أن تدفع زكاة محصولك قبل أن تحصد. أن تُطالب بمال السنة القادمة وأنت لم تعرف بعد إن كانت السماء ستمطر أم لا.
من رفض تلك المطالب، هاجر من اليمن، ومن استسلم، جاع. هكذا كانت الإمامة قبل ثورة الجمهورية. والنتيجة أن فلاحين يمنيين فضلوا الهجرة إلى شرق إفريقيا على أن يكونوا "عبيدًا للإمام" الذي ينتزع لقمة عيشهم.
منذ سيطرتهم، يكرر الحوثيون الفصل نفسه، لكن بأدوات أكثر منهجية. لم يعودوا يعتمدون على الجابي الذي يطرق الأبواب لتدفع أو يظل ضيفًا ثقيلًا في بيتك حتى تدفع تلك الجبايات. أنشأوا في 2025م "محاكم زكاة" متخصصة في العاصمة صنعاء، لم تحدث قط في تاريخ الإسلام بهكذا تخصص، وبدأوا ببناء قواعد بيانات للمزارعين، بدءًا من بني بهلول: أسماء، وأراضٍ، ومساحات مزروعة، وأنواع محاصيل. الفلاح لم يعد يواجه رجلًا يحمل عصا، بل يواجه رقمًا في جدول. وإذا رفض، فلن يواجه غضب الجابي الحوثي، بل حكم قاضٍ. الفرق بين الأمس واليوم ليس في الجوهر، بل في الأداة المستخدمة. والتجار هم الفئة الأكثر عرضة للابتزاز.
الزكاة في مسألة الحصول على المال ليست إلا الواجهة الشرعية. الابتكار الحقيقي للحوثيين هو "الخمس". في الفقه الإسلامي، الخمس هو 20% من الغنائم. لكن الحوثيين وسّعوا تعريف "الغنائم" ليشمل المعادن، والنفط، والغاز، والمياه، وصيد الأسماك. ثم ذهبوا أبعد من ذلك إلى أموال المسلمين: فرضوا "الخمس" على الأرباح التجارية، وعلى المحاصيل الزراعية، وعلى الثروة الحيوانية، وعلى العسل، وحتى على دخل الموظفين. القاعدة بسيطة: كل ما ينتج مالاً، يخضع للاقتطاع. لكن النسبة ليست المشكلة الوحيدة، المشكلة في الاستحقاقات: لمن تُدفع؟
جزء كبير من العائدات يوجَّه إلى "السلالة الهاشمية" والجماعات التابعة. أي أن الحق في الموارد يُمنح بحكم النسب، لا بحكم الإنتاج. هذا هو جوهر النظام: شرعية الاستخراج مستمدة من الدم الهاشمي، لا من الخدمة المقدمة للمواطنين كما هي القاعدة التشريعية في النظام الضرائبي. مع سلطة الحركة الحوثية أنت لا تدفع لأن الدولة قدمت لك شيئًا في المقابل، بل تدفع لأن الآخرين قرروا أنهم "أصحاب هذا الحق المستقطع من مالك".
ربما جاءت القفزة النوعية في المخا. بعد سيطرة الحوثيين عسكريًا على المدينة الساحلية، لم ينتظروا استقرار الأوضاع. في اليوم التالي، رُفعت لافتة مكتوب عليها "مكتب الواجبات الزكوية". لا فترة انتقالية. لا حديث عن خدمات. لا وعود بإعادة إعمار. فقط لافتة تقول للتجار: أنتم الآن على قائمتنا. ثم جاء الطلب الأكثر إثارة للدهشة: زكاة سنوات سابقة بأثر رجعي. ماذا يعني ذلك؟
منذ أن كانت المخا تحت سيطرة قوات طارق صالح، خلال تلك السنوات، لم يكن للحوثيين في المدينة أي وجود إداري ولا سيادي. لم يقدموا خدمة للناس، ولم يبنوا مدرسة، ولم يرصفوا طريقًا. لكنهم يطالبون الآن بمال تلك السنوات. هذا ليس جباية فقط. إنه استحقاق تاريخي بأثر رجعي، منطقه يقول: حيثما وصلت القوة، استحق المال. ومتى تأخرت القوة، تأخرت الفواتير كدين لا يُلغى من ذمة المواطنين.
في النماذج الريعية التقليدية، تفرض الدولة ضرائب على الموارد التي تسيطر عليها فعلًا، وفي المقابل تدفع للمواطن ما عليها من التزامات. أما أن تطالب بضرائب عن فترة لم تكن موجودًا فيها كسلطة، فهذا يخرج من نظرية "الدولة الريعية" إلى نظرية المافيا التي تمارس اللصوصية على أبشع وجه في تاريخ البشرية.
هذا النمط لا يقتصر على المخا، لكن المخا هي العروس الجديدة في متعة المال غير المشروع لزعيم الجماعة. في مناطق أخرى، تُفرض الجباية تحت مسميات متعددة: "الزكاة"، و"المجهود الحربي"، و"دعم الاحتفالات"، بما فيها الاحتفالات بالمولد النبوي، وولاية علي بن أبي طالب. كل مناسبة دينية تتحول إلى فرصة للتحصيل والارتزاق. وكل تحصيل يضيف طبقة جديدة إلى بنية استخراجية لا تتوقف في نهمها. المطالبون يمرون على المؤسسات الكبيرة، ودكاكين البقالة، والباعة المتجولين، وحتى النازحين. لا أحد مستثنى من قوائم الدفع. الوثائق تقول صراحة: "لا يمكن القبول بعذر مقبول، إلا بمبلغ مالي يدفع على الفور". أي لا يوجد عذر مقبول. الجوع ليس عذرًا. النزوح ليس عذرًا. أن تكون فقدت كل شيء ليس عذرًا. المهم أن تدفع كل شيء. هكذا لخص الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان، أصل الحكاية حين قال: إن الله لن يحاسبه على أخذ أموال اليمنيين، بل سيحاسبه على ما ترك من المال في أيديهم!
نعود ونقول في الوقت نفسه: لا رواتب ولا خدمات من قبل سلطة الحركة الحوثية، مئات الآلاف من موظفي الدولة لا يتقاضون رواتبهم منذ سنوات. ومن تبقى منهم، يتقاضى نصف راتب، وحتى هذا النصف يُخصم منه "الزكاة" ليُعاد توزيعه باسم الدين. في الجهة المقابلة، لا يتحدث الحوثيون عن أرقام. لكن منصة "تتبع الجرائم المنظمة وغسل الأموال في اليمن" كشفت عن شبكة مالية سرية بناها الحوثيون: شركات مسجلة بأسماء موالين، محلات صرافة خارج الرقابة، احتكار قطاع الأدوية عبر شركات استيراد تابعة. اقتصاد كامل يعمل في الظل والخفاء، ليس لصالح "الدولة"، بل لصالح شبكة مصالح ضيقة، وهي التي تتحول إلى قوة مهيمنة داخل أجهزة السلطة.
في تقارير الأمن الغذائي، تُصنّف محافظات الحديدة وحجة في حالة الطوارئ، أي قبل المجاعة بخطوة. بقية المحافظات في أزمة، وزعيم الجماعة يقر بأن الناس تأكل أوراق الشجر. البنك الدولي يقول إن الاقتصاد اليمني ينكمش، وإن ثلاثة أرباع السكان تحت خط الفقر. لكن هذا لا يوقف الجباية. لأن الجباية لا تحتاج إلى اقتصاد حي. تحتاج فقط إلى قدرة على التهديد. هذا هو الفرق الجوهري بين الدولة الريعية والمافيا اللصوصية: الدولة الريعية تعيش على ريع الموارد، وتحتاج إلى اقتصاد منتج لتستمر. المافيا تعيش على الابتزاز، ولا تحتاج إلى اقتصاد منتج — تحتاج إلى خوف مستدام يُقذف في قلوب الناس حتى يصبحوا مستعدين لتسليم كل شيء. الحوثيون لا يريدون يمنًا مزدهراً. يريدون يمنًا مرغمًا على الدفع تحت التهديد والخوف بغض النظر عن القدرة. يمنًا لا يملك خيار الرفض كحق يكفله الشرع والقانون، حين يتعلق الأمر بانتهاك حرمة مال المسلم على المسلم، وهو حرام.
السؤال هنا لا يقول "هل سيستمر هذا النموذج؟"، بل إلى متى يستطيع مجتمع أن يحتمل نظامًا يعتبر بقاءه بذاته ضريبة مكلفة؟ الجباية المفرطة هنا تقتل القاعدة الضريبية نفسها. التجار يغلقون، ورأس المال يهرب، والفلاحون يهاجرون. وعندما تُستنزف القاعدة، لا يبقى ما يُستخرج. لكن العنف يمكن أن يحل محل الشرعية لفترة طويلة، خصوصًا مع الدعم الخارجي والقدرة على الالتفاف على العقوبات.
اليوم، يعيد الحوثيون إنتاج نموذج الإمامة. لكن هذه المرة، ليس باسم الإمامة، بل باسم المسيرة القرآنية و"الزكاة" و"المجهود الحربي" و"دعم الاحتفالات". إنها نفس اليد التي تسرق اليمنيين أبًا عن جد، ولكن بأقنعة جديدة مع الاحتفاظ بالجملة الدينية التي تبرر أخذ الأموال بحسب الزمان والمكان. والمخا ليست النهاية في مسلسل الإفقار والإثراء بلا سبب. إنها النموذج القابل للتوسع.
أية مدينة تُسيطر عليها الجماعة عسكريًا، سوف تُرفع فيها اللافتة، وخلال أسبوع سوف تُرسل سندات بأثر رجعي. لأن الهدف لهذه السلطة -منذ قدوم الهادي بن الحسين وحتى عبدالملك الحوثي- ليس تحمل المسؤولية تجاه المواطنين وتقديم الخدمات لهم، بل تحويل المواطنين إلى مصدر للتحصيل، تحت مبررات متعددة أهمها الجهاد بالمال والنفس، وعلى هذا الأساس الاستحقاقي، نجد الإمام أحمد بن سليمان، الذي وُلد في مدينة حوث، يقول كما يذكر كتاب "تيارات معتزلة اليمن": إن القتال لا يكون جهادًا في سبيل الله إلا إذا كان مع آل البيت، وهو نفس المنطق الذي يسوّقه إعلام الحركة الحوثية: الجهاد مع أعلام الهدى، وبذل المال والنفس في سبيل الله.



