السبت 26 سبتمبر 2026

من صندق الذخيرة الى صندوق الاقتراع

في 26 سبتمبر 1962م خرج اليمنيون من عهد الإمامة وأعلنوا الجمهورية. وبعد أربعة وستين عامًا، وفي 26 سبتمبر 2026م، يجد اليمنيون أنفسهم أمام سؤال مؤلم: هل ضاعت الجمهورية، أم أن الجمهورية نفسها لم تُمنح الفرصة لكي تبني الدولة التي حلم بها الذين أسقطوا الإمامة؟

هذه المفارقة تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا.
فالحرب اليمنية لم تعد مجرد صراع عسكري بين طرفين. إنها صراع على شكل الدولة ومن يحكمها، وعلى هوية النظام السياسي، وعلى مستقبل اليمنيين. هناك من يتمسك بالنظام الجمهوري، وهناك من يريد إعادة الاعتبار للنظام الإمامي الملكي، وهناك جنوبيون يرون أن قضيتهم لا ينبغي أن تُختزل في الاختيار بين مشروعين شماليين، فضلًا عن قوى سياسية ومناطقية تريد أن تصل إلى السلطة أو تحافظ عليها.
وقد أثبت التاريخ أن الأنظمة السياسية ليست أبدية. فقد انتقلت دول من الملكية إلى الجمهورية ثم عادت إلى الملكية، كما حدث في إنجلترا وإسبانيا وكمبوديا، وشهدت اليونان بدورها انتقالات متكررة بين النظامين قبل أن تحسم خيارها الجمهوري باستفتاء.
إذن، لماذا لا نضع الخلاف اليمني نفسه أمام الشعب بدل أن نتركه يحسم بالرصاص؟
إن كان أنصار الجمهورية واثقين من أن الشعب يريد الجمهورية، فليكن الشعب هو الحكم. وإن كان أنصار الملكية يعتقدون أن اليمنيين يريدون العودة إلى نظام ملكي، فليتقدموا بهذا الخيار إلى الشعب، لا إلى ساحات القتال.
المقترح هنا ليس إعادة الإمامة بالقوة، ولا الدفاع عن الجمهورية باعتبارها أمرًا لا يجوز للشعب مناقشته، وإنما فتح طريق ثالث للخروج من الحرب: أن يتفق اليمنيون أولًا على وقف شامل لإطلاق النار، ثم تُهيأ عملية سياسية انتقالية محايدة، وتنتهي باستفتاء حر ونزيه يختار فيه اليمنيون شكل الدولة: جمهورية أم ملكية دستورية.
ولا ينبغي أن يكون الاستفتاء مجرد سؤال شكلي. فإذا اختار اليمنيون الجمهورية، فعليهم أن يختاروا معها جمهورية مختلفة عن تلك التي عرفوها في العقود الماضية: دولة مؤسسات، ومواطنة متساوية، وانتخابات، وقضاء مستقل، وجيش وطني، وتداول سلمي للسلطة.
وإذا اختاروا الملكية، فلا بد أن تكون ملكية دستورية حديثة، يكون فيها الملك رمزًا للدولة، وتكون السلطة التنفيذية خاضعة للدستور والإرادة الشعبية، لا عودة إلى نظام الإمامة التاريخي بكل ما حمله من امتيازات ومراتب اجتماعية.
أما القضية الجنوبية، فلا يجوز أن تكون ملحقًا بهذا الاستفتاء ولا أن يُفرض على الجنوبيين أن يختاروا مستقبلهم ضمن خيار صاغه الآخرون.
للجنوب خصوصيته التاريخية والسياسية، ولذلك يمكن أن يكون الحل على مرحلتين: أولًا يُحسم شكل النظام السياسي في الجزء الشمالي من اليمن بالاستفتاء، ثم يُفتح حوار جنوبي واسع يشارك فيه مختلف الجنوبيين، بعيدًا عن احتكار أي حزب أو فصيل أو منطقة لتمثيل الجنوب.
وبعد قيام ترتيبات سياسية وأمنية مستقرة، يُجرى في الجنوب استفتاء مستقل يحدد علاقته المستقبلية بالشمال: هل يريد الجنوبيون البقاء في دولة يمنية واحدة مع الشمال، في إطار دستوري جديد يضمن الشراكة والحقوق واللامركزية أو الفيدرالية؟ أم يريدون قيام دولة جنوبية مستقلة؟
وإذا اختار الجنوب الوحدة، فلا ينبغي أن تكون وحدة 1990 نفسها التي انهارت بسبب اختلال موازين القوة وانعدام الثقة. لقد أظهرت تجربة ما بعد الوحدة أن الاتفاق على الشكل الدستوري وحده لم يكن كافيًا، وأن غياب آليات فعالة لحل النزاعات كان من عوامل تفاقم الأزمة.
أما إذا اختار الجنوب الاستقلال، فينبغي أن يكون ذلك أيضًا عبر إرادة شعبية واضحة، لا نتيجة انتصار عسكري أو فرض أمر واقع.
بهذه الطريقة يتحول السؤال من: «من سينتصر في الحرب؟» إلى سؤال أكثر عقلانية: «ماذا يريد اليمنيون؟ وماذا يريد الجنوبيون؟».
فالملكي والـجمهوري ليسا بحاجة إلى قتل بعضهما لكي يثبت أحدهما أن خياره هو الصحيح. والجنوبي والشمالي ليسا بحاجة إلى حرب جديدة لكي يحددا شكل العلاقة بينهما.
لقد جُرّبت الحرب مرات كثيرة، وجُرّبت التسويات التي لم تعالج أصل الخلاف، وجُرّبت ترتيبات تقاسم السلطة التي انتهت إلى صراع جديد. كما أن تجربة الوحدة نفسها أظهرت أن الاتفاق السياسي الذي لا يصاحبه نظام واضح لإدارة الخلافات وحماية الشراكة يمكن أن يتحول إلى مصدر جديد للصراع.
لذلك ربما آن الأوان لتجربة شيء مختلف: أن نحتكم إلى صندوق الاقتراع بدل صندوق الذخيرة.
في 26 سبتمبر 1962م حسم السلاح معركة إسقاط الإمامة.
أما في 26 سبتمبر 2026م، فقد يكون السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: هل يستطيع اليمنيون أن يحسموا مستقبل نظامهم السياسي بالتصويت، لا بالقتال؟
إن كان الجواب نعم، فقد تكون تلك بداية الطريق من الحرب إلى السياسة، ومن شرعية القوة إلى قوة الشرعية.
فالذي يستحق أن يقرر مستقبل اليمن ليس البندقية، ولا الزعيم، ولا الحزب، ولا الجماعة المسلحة، وإنما اليمني نفسه.