مَن مِن جيلنا لم يبتهج ويسعد بقيام ثورة سبتمبر، التي لا يمكن لأي كان أن يجادل أن حدوثها كان ضرورة إنسانية قبل أن تكون سياسية، وفي حق الشعب في التغيير، سواء في سبتمبر ١٩٦٢ أو في ثورته الشعبية شبه الشاملة عام ٢٠١١؟
بدون التغيير، كان الشعب سيظل أسير نظام من أنظمة القرون الوسطى. وبرغم هذه الحقيقة، حوربت الثورة من الداخل ومن الخارج بتحالف غير معلن ضم السعودية وبريطانيا والأردن وتركيا وإيران وباكستان وإسرائيل وفرنسيين. هذه السابقة تذكرنا بأن اليمن، لأهميتها ولقدرات شعبها، لا تواجه خصمًا واحدًا فقط. من جهة ثانية، تبدو المفارقة واضحة بين ما دفعناه من أعلى الأثمان وأغلى التضحيات البشرية لبقاء الجمهورية، وبين الحصاد شديد التواضع؛ لأن الجزء الأكبر من تركة التخلف لا يزال رفيقنا وكظلنا. الخلاص من تلك التركة كان هو الهدف الأهم للثورة، وليس ما حصده من أؤتمنوا على ثورته وثروته. أربعة وستون عامًا هو عمر الثورة، التي يتجنب البعض الحديث عن عجزها في بناء الدولة والمؤسسات وحكم القانون، ويتعامل معها كغاية وليس كوسيلة، ووقف مناوئًا لتوقعات شعبية مشروعة لما كان يجب إنجازه في التنمية ورفع مستوى المعيشة والنهوض بالتعليم والخدمات وتحقيق العدالة والعدل الاجتماعي واحترام الحريات وسيادة القانون والمواطنة ومقاومة أي تخليق مصطنع للتميز المناطقي والفئوي، الذي ينسف المبدأ الأول من مبادئ الثورة الستة، الذي نص في جزء منه على "إزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات".
تقارير التنمية البشرية العربية وضعت اليمن في الموقع الأدنى بين الدول العربية في كل مجالات التنمية، وكانت الأراضي الفلسطينية المحتلة أفضل من اليمن بمراحل... ما سبق لا يعني أن المنجزات صفرية، ولكن اليمن ظلت ولا تزال ضمن قائمة الـ٣٤ دولة الأكثر تخلفًا، والأعلى في الأمية، والأسوأ في الخدمات، والأولى عالميًا في وفاة الأمهات عند الولادة، وفي وفيات الأطفال، وغياب الحكم الرشيد. حدث كل هذا، وأرصدة الطبقة الحاكمة من المال العام تكبر وتتضخم في عدد من مصارف العالم، ولم يكن ذلك بخافٍ على كثيرين، وخاصة خارج اليمن. لقد حال القمع وهيمنة السلطة على وسائل الإعلام دون الكشف عنه وانتقاد الفساد والمحسوبية والعبث بالمال العام، وحورب النقد، وغابت الرقابة وحرية التعبير، وصُنّف من تسول له نفسه ممارسة هذه الحقوق كعدو للثورة أو عميل خطير، جزاؤه السجن والتهميش. الخواء المؤسسي قادنا إلى حيث نحن اليوم؛ لأننا قبلنا فردية رئيس سلطة تنفيذية كان نقده خطًا أحمر وخطرًا فعليًا، مما ساعد على خلق بيئة مواتية لسلطة مطلقة الصلاحيات، كان رئيسها يتدخل حتى في التصويت في مجلس النواب، ويتمادى بمنح نفسه حق تقسيم المواطنين إلى شرفاء وغير شرفاء. في حديث له في وزارة الخدمة المدنية، قال الرئيس الراحل علي عبد الله صالح في ٧ سبتمبر ٢٠٠٥: "أن الإخلاص قبل الكفاءة، لأن الكفاءة بدون إخلاص كالقربة المقطوعة"، وبذلك سفّه علنًا مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب ودمره، وضخّم مؤسسات الأمن التي كانت عيونه وآذانه في كل مكان، حتى في المقايل.
لقد استفادت أقلية من الثورة، ونتج عن ذلك بقاء أحوالنا في القاع في كثير من مناحي الحياة، إلا من قشور تجميلية لا تمت إلى التنمية المستدامة بأي صلة. إزاء هذه الحقائق، لا يروق للبعض توجيه النقد إلى أوجه القصور وإلى الذين حولوا سبتمبر إلى صنم. بعض من ينسب نفسه إلى سبتمبر يفاجئك بالاحتفاء به بعبارة "دمت يا سبتمبر التحرير"، وهم من قتله قمعًا أو وشاية بسبتمبريين حقيقيين من جيل سبتمبر ذاته، طمعًا بمنصب أو مال أو خوفًا من أمن جرّد البلاد كلها من الأمن المشروع.
الحقيقة أننا لسنا وحدنا من خُذلنا، فكثير من الثورات العربية أكلها قليل وحصادها هزيل، وخاصة في مجالي حقوق الإنسان والديمقراطية وحكم المؤسسات، وقد تحول حكامها، مثل حكامنا، إلى جلادين لقمع وإذلال من يقول لا أو ينتقد، وكانت النتيجة هي ما نعرفه عن مصير أنظمتها في السنوات الأخيرة.
سبتمبر عنى لنا سقف حرية عالٍ، وتنمية شاملة، وصفر فساد ومحسوبية ومناطقية، وليس اغتيالات في الطرقات وبالسُّم، وسجون تستقبل الآلاف ويُقتل فيها العشرات، ويغيب فيها قسريًا مثلهم، ويُعذّب شباب في عمر الورد لم تكن لهم عداوة مع الثورة، وبعضهم خرج من السجن إما مخبرًا ليتجنب عداء السلطة وسوط الجلاد، أو إمعة ومهادنًا لا رأي له في شؤون وطنه ومصيره، ومحاكمات مسيسة غير عادلة. هؤلاء مارسوا حقهم في الاختلاف مع السلطات التي ادعت ولا تزال بأنها أنجزت المعجزات، وزعمت أنها بنت دولة حديثة، وناضلوا من أجل جمهورية حقيقية لكل اليمنيين، وليس جملوكية، ودولة تخدمهم جميعًا وتنمي مناطقهم كلها بدون تمييز، وتعلي من شأن التعليم الذي يقفز باليمن إلى الأمام، وليس ذلك الذي يرديه مهاوي الردى لأغراض حزبية سلفية.
عرفت اليمن فسادًا غير مسبوق ونهبًا للمال العام يتجلى اليوم واضحًا في عشرات المليارات من الدولارات في مصارف خليجية وغربية، وقصور وبنايات ومشاريع خارج اليمن، لم يرث أصحابها مثقال ذرة من آبائهم.
الثورة منجزات مدعومة بالأرقام، وليس بشعارات تختزل بـ"الثورة، الجمهورية، الوحدة والرئيس الرمز"، وبحروب، منها حروب صعدة الستة، وما سمي بـ"حرب الشرعية الدستورية" عام ١٩٩٤.
التقدم تفصح عنه الأرقام وحدها، ولقد كان الرئيس الراحل صالح عدو الأرقام، المؤشر الوحيد لتحسن أحوال الناس والمقياس لمستوى رفاهيتهم. مثلًا: لم يقل هو ولا وزراء التربية كم نسبة الأمية في اليمن، وما نعلمه عنها مصدره في الغالب البنك الدولي، ولم نعرف منه أو من جهة مختصة كم كان متوسط دخل الفرد أو ارتفاعه منه أو انخفاضه. حتى أزمة المياه كانت الكتابات عنها من خارج اليمن، كما كان الحال بالنسبة لانتشار تنظيم القاعدة، ثم القاعدة في جزيرة العرب، الذي اتهمه أكثر من مصدر أجنبي بالمتاجرة بخطرها وليس بمواجهتها.
دور الجار:
لا يمكن فصل أوضاعنا الداخلية عن دور ضار لدولة الجوار، التي تطبق الجزء الشرير من وصية المؤسس، وتتجاهل الجزء الخيّر منها لها ولجارتها الشقيقة. أنفقت الجارة مليارات الدولارات منذ ١٩٣٤ فيما لا يمت بصلة إلى مصلحة جارتها واستقرارها، حد منعها شركات النفط من استخراجه، والادعاء أحيانًا بأنها تنقب في أراضيها، أو رشوة بعضها لتنسحب من مواقع الاستكشافات، والإعلان بأنها لم تجد نفطًا تجاريًا بعد أن كانت قد أعلنت العكس. النفط هام لليمن، وهو الذي سيكف عنا أذى التبعية ومساوئ التدخل في شؤوننا، الذي بلغ ذروته بتعيين من يقودنا قبل سنوات أربع في انقلاب يعادل الانقلاب الثنائي المحلي عام ٢٠١٤.
حاربت الجارة ثورتي سبتمبر وأكتوبر، واستقطب المال جغرافيًا وقوى لهذا الغرض، وأنشأت لجنة خاصة لاستقطاب الضعفاء في وطنيتهم، ولإضعاف الدولة وللفت في عضدها، وللحيلولة دون نجاحها بخلق نموذج جمهوري جامع، ربما يصبح جاذبًا يسوق نفسه بنفسه خارج الحدود. القلق، إن لم يكن الخوف، من اليمن تاريخي، وتؤطره وصية ملكية، وبعد ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢ تعمق واتسع ليبلغ مرحلة العداء، خاصة بعد دعم مصر الشامل للثورة وللتغيير، وقد جعل التأثير المصري بعد عام ١٩٧٠ عارضًا بدعم نقيضه السلفي-القبلي، الذي أسهم في تسيّد وهيمنة الجوار، الذي أوغل في التدخل في شؤوننا الداخلية باسم "الدين النصيحة". لقد أضحت الجمهورية قشرة خارجية، أما الثورة فاستأثرت بثمارها أقلية ضئيلة أثرت ثراءً فاحشًا أو قريبًا منه. الثوار الأصلاء يتجردون كعبد الناصر من حب المال، وبدون ذلك فالحديث المكرر عن سبتمبرنا بدون نقد وسبر أغوار فشل نظامه وتطوير أهدافه يظل مجرد كلام في الهواء.