حسن عبدالوارث.. كتابة النار الضحوكة
لماذا تكتب في "النداء" يا حسن؟
...كان بميسوره أن يكتب وينشر في أية صحيفة محلية أو خليجية تدفع بسخاء، ليس بفضل مكانته وموقعه كرئيس لتحرير صحيفة "الوحدة"، أو بالاتكاء على رصيده الثوري كمدير لتحرير صحيفة "الثوري"، وإنما بفعل فرادته وتميزه وبراعته في نحت الكلمة وصقلها وإطلاقها كسهم ضوئي كاشف للزوايا المعتمة، وخارق للممرات الطرشاء، والأماكن العمياء، وجدران الصمت.
وقد أجاب على سؤال الاستهلال بمناسبة الاحتفاء بصدور العدد (١٠٠) من النسخة الورقية لـ"النداء"، مشيرًا إلى أن "النداء" صحيفة تحترم الحقيقة، وتجل الأصول العليا لمهنة الصحافة. وكتب:
... "هي الصحيفة التي لا تصلي وراء مسيلمة، ولا تأكل بثدييها ولا فخذيها، ولا تأكل باليسرى ما تستحي أن تدري به اليمنى، ولا توظف القلم لحقارات النفس الأمارة بالسوء، ولا تبتز ولا تهتز، ولا تعتز بالإثم.. لا تسقط في سوق متاع الكلام أو تسطيح الأفكار أو تشويه الرؤى.
وهي.. وهي صحيفة عابرة للقارات والحضارات والأحزاب، والحكومات والطوائف والمذاهب والأحقاد، والأمراض و... صحيفة تعرف إلهًا واحدًا ووطنًا واحدًا".
وقال: "أشهد أن "النداء" النموذج لهذه الصحيفة التي أصف، والتي أعرف وأحب أن يكون لي اسم فيها ورسم عليها ولجوء إليها في ليالي الخريف كما في صباحات الربيع".
وبالنظر إلى الصعوبات والتحديات التي اكتنفت مسار الصحيفة، خاطب زميله وصديقه رئيس تحرير "النداء": "ففي مجتمع كهذا أن تصدر صحيفة فقيرة من سلطة وجاه ومال، يعني أن تنطح رأسك بصخرة سيزيف... وأن تستمر في إصدارها يعني أن تحمل الصخرة على ظهرك صعودًا في جبل الأولمب".
ولما كان الصديق والزميل حسن عبدالوارث، الذي رحل عنا قبل عامين (٢٥ سبتمبر)، يتابع بانتظام ومثابرة وإمعان كل الصحف اليومية والأسبوعية، وما يصدر عن المراكز المحلية والدولية المعنية بتقدير وتقويم حالة الصحافة اليمنية، فقد استوقفه ذات يوم من عام ٢٠٠٦ فوز صحيفة "النداء" المستقلة بالمرتبة الأولى من بين الصحف الأكثر استقلالًا في تغطيتها للانتخابات الرئاسية والمحلية، وفقًا لتقرير التقييم الذي أعده مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان، بالتعاون مع المنظمة الدنماركية IMS... وكتب: "لم يكن ذلك مستغربًا على صحيفة جعلت الجميع يتفائلون بإمكانية وجود صحافة أهلية تشتغل بحرفية وتقدس الحقيقة وتحترم الجمهور بلا حدود، كما أنها الصحيفة الوحيدة التي أوجدت لنفسها والعاملين فيها ميثاق شرف يعمل الجميع وفقه".
في رسالة التحية هذه أعرب حسن عن عتبه وأسفه على القطاع الخاص الذي لا يشجع ظهور مثل هذا النوع من الصحف ولا يكترث بالإعلان فيها، في حين يرصع الصحف المبتذلة التي تمارس الدجل والابتزاز بالإعلانات.
وها هي "النداء" اليوم ترد لحسن التحية بإصدار هذا الكتاب، كتابه، الذي يشتمل على ما كتب فيها من موضوعات قصيرة، مكثفة، متنوعة، يتمازج فيها الإنساني بالتأملي، الانطباعي بالفكري، العابر بالبعيد، الشهادة بالنقد، الحس التراجيدي الرفيع بالسخرية اللاذعة... إنه حسن الكثير، المتعدد شديد المتانة والتركيز والتكثيف، كاتب العمود ونصف العمود بخصائص إبداعية طازجة.
حسن الشاعر، الكاتب الساخر، النقابي المدافع عن الحريات الصحفية وعن زملائه على اختلاف توجهاتهم، فهو لم يكن صحفيًا يكتفي بالتقاط ما يراه، ولا شاعرًا يترك القصيدة معلقة في فضاء اللغة، بل كان في جوهر تجربته واحدًا من أولئك الذين وجدوا في الكتابة موقفًا من الحياة، وفي الصحافة مساحة للدفاع عن الإنسان، وفي الكلمة وسيلة للاحتجاج.
لقد نشأ، وذلك هو حالنا، في حقبة غير مسالمة، حافلة بالثورات والاضطرابات والاحترابات والزعامات، والاستقطابات الحادة، وكان جريئًا وحادًا، في حالات كثيرة، ولم يكن على غفلة من قسوة الكون و"الرفاق" غير المحتملة بقدر ما كان مستعدًا للمجازفة بإغضاب كهنة الحزب وقياداته المتشددة ورموز عصبياته التي سقطت كلها في هاوية النسيان المستحق، وبقي حسن حيًا بيننا، ملهمًا، مضيئًا في الذاكرة، كما بقيت سيرته وكتاباته حاضرة برونق اعتراضها القوي على الانحدار والسقوط، وما أكثر ما أنجز في زمن وجيز في "النداء" وغيرها من كتابات مسكونة بطيف لكتاب أعظم وأكثر جاذبية.
إنه حسن الذي كف عن مشاركتنا أيامنا ويومياتنا التعسة والبائسة، عن اجترار الكوابيس، وعن بلاد تكاد تتلاشى من الجغرافيا واليابسة.
لقد رحل وهو لا يملك ثمن الدواء بعد أن اجترح كتابة في غاية الثراء، شفافة، ساخرة وحزينة، بلا من ولا شكوى، جسد يتألم بصمت، غارق في عزلته وعزلة وطنه، عزلة في البيت وعن البيت والمدينة التي عشقها: عدن.
لقد مر عامان على رحيله عنا دون أن يرحل منا ذلك الصديق والرفيق الجميل في التوجه الاشتراكي وفي اليسار قبل أن يتخثر ويتبعثر بين القبائل والطوائف والجهات.
ولطالما افترقنا، ولكن ظلت الصداقة هي عنواننا الأبرز المتجاوز لتقلبات الأيام ونوائبها، وتقلبات أمزجتنا وأحوالنا وأهوالنا التي يتناهى إلينا الكثير من صداها عبر كتاب "النداء" هذا.
كان حسن من ذلك الجيل الذي تعلم أن الرفقة لا تعني، بالضرورة، أن تتطابق الآراء، وأن الصديق الحقيقي ليس هو الذي يقول دائمًا "نعم"، وإنما هو الذي يختلف معك لتتعمق صداقتكما أكثر، وذلك ما نفتقده اليوم.
ذلك ما كان عليه حاله وهو في "الثوري"، ثم انتقاله إلى رئاسة تحرير صحيفة "الوحدة"، حيث استطاع أن يميز هذه المنابر بخطاب تعددي منفتح على أقلام وكتاب من مختلف المشارب.
وكانت كتابته تشبهه تمامًا، يمتزج فيها الغضب بالسخرية، وتتميز بالحساسية العالية تجاه ما يجري، كما لا تخلو من انفعال وحِدّة المشرط.
ولهذا فإن الكتاب الذي بين أيدينا ليس مجرد مجموعة من النصوص بقدر ما هو محاولة لاستعادة صوت نبيل لرجل أفنى جل عمره القصير في الصحافة والشعر مذ كان في الإعدادية، وخلف الكثير من النصوص التي لا يعود إلينا من خلالها بوصفه "الراحل"، وإنما بوصفه الكاتب الذي مازال يملك قدرة مدهشة على محاورتنا بصوت واضح صادح لشخص كان يحتفظ للصداقات القديمة بمكان خاص في ذاكرته حتى عندما تتغير المدن وتتباعد المسافات، وتفعل السياسة فعلها القاسي في حياة الناس.
تبدو الكتابة عنه اليوم أشبه بمحاولة استعادة زمن كامل، لا شخص بعينه، وحين أكتب هذا عن حسن فإني لا أستعيد المعلومات فقط، بل أستعيد الأصوات والأمكنة والتفاصيل الصغيرة، ومقاهي وشواطئ جولدمور وخليج الفيل، وأرصفة، ومكاتب تحرير، وحبر مطابع، وكتبًا وروايات، وأسماء أشخاص عبروا حياتنا ثم تفرقت بهم السبل، أستعيد زمنًا كانت فيه الصحيفة مكانًا للقاء، والمقالة موقفًا، والقصيدة احتجاجًا، والصحافة مساحة للدفاع عن الإنسان، والكلمة وسيلة للتثوير والتنوير وتوسيع الرؤى حين تضيق المساحات وتتراجع حرية التعبير.
واليوم، رغم انقضاء أكثر من أربعة عقود على أول لقاء جمعنا في المقهى المقابل لمقر صحيفة "١٤ أكتوبر"، أتذكر ذلك كومضة منعشة أعيشها في هذه اللحظة، وأنا أتصفح هذا الكتاب، وأقرأ نصوصه وشذراته التي لم تصدر عن كاتب غائب، وإنما عن كاتب يخاطبك وتراه الآن، وهنا... هذا الكتاب لا يقدم لنا حسن عبدالوارث لوحده، وإنما يعيد إلينا شيئًا من الزمن الذي صنعه وصنعناه معًا، وصورة لجيل كامل، ومسيرة علاقة وصداقة لا تنتهي عند آخر صفحة أو سطر، بخاصة إذا كانت متصلة بإنسان لا يمكن تعريفه بالمناصب التي شغلها، ولا بالكتب والقصائد والمقالات التي تركها، لأن ما تبقي منه هو شيء آخر، أكثر خفاءً وأشد حضورًا، تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يعرفها إلا من عاش معه في أوج حضوره البهي، وفي أقاصي هشاشته العالية، وتقاسم معه قلق الأيام وأحلامها وخيباتها.
لقد مر زمن طويل على تعارفنا، تغيرت البلاد، وتبدلت الأمكنة، وتفرقت الوجوه، وغاب كثير ممن كانوا جزءًا من المشهد. بعضهم رحل، وبعضهم حملته المنافي بعيدًا، وبعضهم بقي في المكان، لكنه صار بعيدًا عن الزمن الذي جمعنا، وبقي حسن شاهدًا كما كان.
اليوم، وأنا أكتب بعد أن ترددت وتحيرت كثيرًا في ما سأكتب، واعتذرت لصديقي سامي غالب عن كتابة هذا التقديم، ثم تراجعت، أشعر أن العزيز حسن بجانبي يقرأ ما أكتبه عنه، يعترض على بعضه، وربما يسخر من مبالغتي، لا أملك إلا الانحناء أمام ظله العالي، والتحية لوفاء "النداء".
والحال أن خبر رحيله عشية ذكرى ثورة ٢٦ سبتمبر، ٢٠٢٤، لم يكن مستغربًا بالنسبة له، وقد كان سباقًا إلى توقعه في قصائده ومنشوراته الأخيرة، قصائد حب حزينة جمع فيها أساطير حلمه وهو يهرول إلى قبر أمه...:
"في آخر الحرب
سيجمع كهل أساطير حلمه
ويهرع إلى قبر أمه"
... وكتب:
"اشتدت الآلام بالجسد
ولم يعد في الصيدلية دواء،
ولا في الجيب ما يكفي لثمن الدواء،
قلت للطبيب: قلبي يوجعني
قال: كل قلوب اليمنيين توجعهم هذه الأيام،
أنت لست استثناء.
نمت في عدن،
واستيقظت في منفى،
والبيت هو البيت،
لكن الوطن تغير عنوانه،
أنشر الآن قصائدي على فيسبوك بعد أن كنت أنشرها في الصحف،
أعلق وحدي
وأتألم وحدي
فإذا جاء الوداع
قولوا لهم
كان يحب عدن،
حتى آخر وجع.."
... هذه بعض خواطره قبل الرحيل، وكانت عدن هي الحاضر الأكبر في ذهنه وهو في أقصى حالات الوهن... عدن:
"مصقولة كالحلم
كالشمس المذابة في "خليج الفيل"
كالنار الضحوكة في خيام الريح
كالناس الذين أحبهم
جاءت عدن
جاءت، وحطت، في سويداء البلاد".
* تقديم الكاتب لكتاب «حسن عبدالوارث.. رسائل من زمنٍ آتٍ»، الذي سيصدر لاحقًا اليوم



