ثورات صنعها الأبطال... وورثها تجّار السلطة والفنادق!
أسقط اليمنيون الإمامة، وطردوا الاستعمار، وخرجوا في ثورة الشباب، لكن الفقر وحده رفض مغادرة السلطة! ثلاثة تحولات تاريخية، وآلاف التضحيات، وعقود من الشعارات، والنتيجة أن المواطن لا يزال يبحث عن الطريق والمدرسة والمستشفى والراتب، بينما تتبدل وجوه الحكام وتتجدد امتيازات المنتفعين.
في الشمال، قامت ثورة سبتمبر عام 1962 ضد الإمامة، فدعمت السعودية الإمام البدر والقوى الملكية، قبل أن تعترف بالجمهورية عام 1970. ثم انتقلت إلى دعم الدولة ماليًا، مع احتفاظها بعلاقات مباشرة مع قوى قبلية يمنية، وهو تاريخ وثقته وزارة الخارجية الأمريكية. وهكذا انتهت معركة إسقاط الإمامة، لكن معركة استقلال القرار الوطني ظلت مفتوحة.
أما المواطن في جبال حجة وصعدة والمحويت والجوف، فما زالت قرى كثيرة تنتظر الطرق والخدمات. وكأن الثورة وصلت إلى القصر الجمهوري، ونسيت أن تصعد الجبل لتخبر المواطن أن عهدًا جديدًا قد بدأ!
وفي الجنوب، رحل الاستعمار البريطاني عام 1967، بعد أن كانت عدن قد امتلكت ميناءً ومصفاة نفط وبنية عمرانية وتعليمية متقدمة نسبيًا. لكن الاستقلال لم يحمِ الجنوب من الصراعات الداخلية على السلطة، ولا من الانقسامات التي استنزفت مؤسسات الدولة لاحقًا.
ثم جاء الربيع العربي عام 2011، فخرج الشباب يطالبون بدولة مدنية، ودخلت القوى التقليدية تتفاوض على مقاعدها! قادت السعودية ودول الخليج مبادرة نقل السلطة، التي حققت انتقالًا سياسيًا أوليًا، لكنها أبقت جانبًا مهمًا من منظومة الحكم القديمة، وهمّشت قطاعات من شباب الثورة.
ولم يكن اهتمام القوى الإقليمية باليمن منفصلًا عن موقعه الجيوسياسي؛ فباب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن تجعل استقراره وأمنه جزءًا من حسابات التجارة والنفوذ والأمن الإقليمي. وبين المصالح السعودية والإماراتية والإيرانية، وتنافس القوى اليمنية نفسها، تحولت البلاد إلى ساحة صراع تتجاوز حدودها.
والمفارقة أن بعض من يرفعون شعار السيادة يبحثون عن دعم خارجي لتثبيت سلطتهم، ومن يتحدثون عن الجمهورية يختلفون على تقاسم مؤسساتها، ومن يعدون بالتحرير لا يقدمون للمواطن خطة واضحة لتحريره من الجوع.
أما المشهد الراهن، فيجمع بين سلطات الأمر الواقع، وقيادات تقيم خارج البلاد، وقوى مسلحة متنازعة، ومواطن يتحمل كلفة الجميع. وفي مايو 2026، أكد البنك الدولي استمرار تدهور الاقتصاد اليمني، بعد انكماشه بنسبة 1.5% خلال عام 2025.
يا لها من مفارقة! الثائر يطلب وطنًا، والسياسي يطلب منصبًا، والشيخ يطلب نفوذًا، والمسؤول يطلب مخصصات، والمواطن يطلب كيس دقيق! وإذا سأل عن حقوقه، أغرقوه بخطابات الوطنية والسيادة والصمود، وكأن الشعارات تصلح بديلًا عن الخبز والدواء.
لقد آن الأوان لمساءلة جميع من تعاقبوا على الحكم، شمالًا وجنوبًا، ومن استثمروا في الحروب والانقسامات، عن الثروات المهدرة والتنمية الغائبة، وعن تحويل اليمن من دولة ذات موقع استراتيجي وثروات بشرية وطبيعية إلى بلد تتنافس القوى على حكمه، بينما يهاجر أبناؤه بحثًا عن الحياة.
فالثورة التي تنتهي بتغيير الحاكم دون تغيير حياة المواطن لم تحقق غايتها، والاستقلال الذي يرفع العلم فوق القصر ويترك القرار مرهونًا بالخارج لا يزال استقلالًا منقوصًا.
والذي لليمن يجب أن يكون للشعب اليمني؛ لا غنيمة لحاكم، ولا راتب ولاء لشيخ، ولا مشروع نفوذ لدولة أجنبية.
فمتى ينتقل اليمنيون من ثورات تغيير الحكام إلى بناء دولة لا يستطيع حاكم أو شيخ أو جنرال أو ممول خارجي مصادرتها؟



