مع انقضاء الأسبوع الأول من شهر سبتمبر 2012م، الذي صادف العيد اليوبيلي الذهبي الخمسين لثورة 26 سبتمبر 1962م، وفي ظل استمرار تداعيات انتفاضة الشباب في فبراير 2011م، وبداية تشكّل سلطة سياسية جديدة انتقالية كانت مستغرقة في ترتيب شؤونها المرتبكة والمضطربة، تداعت نخبة من ثوار 26 سبتمبر -من الرموز العسكرية والثوار المدنيين- إلى تبني فكرة إصدار بيان سياسي تاريخي شامل احتفاءً بهذه الذكرى الخمسينية المجيدة.
وكان على رأس أُولئك الرموز الدكتور عبدالعزيز المقالح، واللواء حمود بيدر، واللواء علي عبدالله السلال، واللواء عبدالله الراعي، وبحضور المناضل عبدالله الواسعي بحسب ما أذكر؛ حيث دُعِيتُ لحضور ذلك اللقاء في مكتب الدكتور عبدالعزيز المقالح، الذي كان أشار عليّ مسبقًا بضرورة إصدار بيان سياسي تاريخي شامل، كي لا تُستثنى هذه الذكرى دون احتفاء سياسي وطني يليق بالمناسبة ويعكس الصورة السياسية والواقع التاريخي لجوهر الثورة. وقد كلفني الحاضرون جميعًا بكتابة صياغة البيان ومضمونه، على أن نلتقي لاحقًا لمراجعته بالقراءة والتعديل إضافةً وحذفًا. ولم تُبدَ على مسودة البيان سوى ملاحظة واحدة من الأستاذ اللواء حمود بيدر، تتعلق بهدف الثورة الخاص بقضية العدالة الاجتماعية؛ القائل بـ«إزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات»، حيث قال إن الهدف يقول بـ«إذابة الفوارق والامتيازات بين الطبقات»، وليس إزالة، لأن القول بإزالة، يحمل رؤية ومضمونًا صراعيًا طبقيًا ماركسيًا. مع أن هذه الصياغة هي التي تحملها وتظهر في ترويسة الصفحة الأولى من صحيفة "الثورة" الرسمية للدولة. وبعد مناقشة مستفيضة لصيغة البيان، تم إقرار صياغة «إزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات».السلال وعبدالمغني وزيد
وهو البيان الذي نُشر لاحقًا في صحيفة «26 سبتمبر»، لكن ليس بصيغته الكاملة؛ إذ أقدمت إدارة الصحيفة على التدخل باختزال بعض الفقرات واختصارها، مع الإبقاء على روح النص وصياغته العامة كما هي.
وقد نُشر تحت عنوان: «بيان سياسي تاريخي من ثوار سبتمبر وأكتوبر في اليوبيل الذهبي الخمسيني للثورة اليمنية (سبتمبر وأكتوبر)»، وذلك في يوم الأربعاء 26 سبتمبر 2012م، العدد ( ١٦٦٠)، الموافق 9 ذو الحجة 1433 هجرية. وأنا اليوم، بمناسبة الاحتفاء بالعيد الـ64 لثورة 26 سبتمبر، أعيد نشر هذا البيان بصيغته الأصلية الكاملة كما اتُّفق عليه وكما سُلِّم للصحيفة، استنادًا إلى النسخة المكتوبة بخط اليد التي ما زلت أحتفظ بها.
إنه بيان سياسي ما يزال يحتفظ حتى اللحظة بقيمته الفكرية والسياسية والوطنية والتاريخية، ويجسد جوهر الثورة ومفهومها في سيرورتها التاريخية، كما أن ما يشهده الواقع اليوم يؤكد أهمية ذلك البيان وعمقه الفكري والنقدي التاريخي.
وإليكم نص البيان بصورته الكاملة.
يا أبناء شعبنا اليمني العظيم.
السبتمريون وعموم الأحرار يهنئون الشعب اليمني بمرور 50 عامًا على انتصار الثورة المجيدة في 26 سبتمبر 1962، وهو العيد اليوبيلي الذهبي للثورة.
هذه الذكرى اليوبيلية الذهبية الخمسينية، يحتفل شعبنا اليمني، ليس بذكرى مرور 50 عامًا على ثورة سبتمبر 1962 فحسب، وإنما بكل الثورات اليمنية بما فيها ثورة الشباب والشعب في فبراير 2011.
إن ثورة 26 سبتمبر هي الثورة التي بدأت بانقلاب عسكري مثلها مثل ثورة 23 يوليو 1952 في مصر، قام به ثلة من الضباط العسكريين والأحرار المدنيين؛ كوكبة آمنت بضرورة التغيير الجذري للواقع الإمامي الكهنوتي القروسطي، والذي ما إن تحقق إزالة النظام القديم وفي سياقه حتى تحول الانقلاب العسكري مع أول قذيفة إلى ثورة سياسية اجتماعية شعبية وطنية واسعة، ثورة التف حولها وحماها كل الشعب، ثورة وقف في صفها ومعها الشعب اليمني من أقصاه إلى أقصاه.
ثورة حملت أماني وطموحات وتطلعات الشعب اليمني في التغيير والثورة، جسدتها في مبادئ وأهداف سياسية وطنية كبرى لا ندعي حتى اللحظة أنها حققت أو أنجزت كامل أهدافها التي رمت إليها، ولكنها اكتفت بشرف الجسارة في المغامرة للإعداد للثورة وتفجيرها، وبشرف المبادرة والمحاولة في القيام بالثورة، والأهم الدفاع عنها.
يكفي أن الثورة أزالت حكمًا فرديًا طغيانيًا ثيوقراطيًا استبداديًا متخلفًا حكم الشعب اليمني بالخرافة والجهل والأساطير على قاعدته المشهورة: "الشعب الجاهل أسلس قيادة من الشعب المتعلم"، بعد أن جثم على صدر وقلب اليمن واليمنيين لقرون عديدة فارضًا ظله الكئيب على كل الوطن جهلًا وتخلفًا وبدائية، بعد أن قطع صلة اليمن واليمنيين بالحياة والعصر والعالم وتحولاته المادية والسياسية والمعرفية الكبرى، والأخطر أنه قتل إحساس اليمنيين بمعنى الاحتلال والاستعمار، سواء الاحتلال العثماني، أو الاستعمار البريطاني على جنوب الوطن.
ويكفي الثورة والثوار شرفًا وفخرًا أنهم كسروا حاجز الخوف التاريخي من الحرية، كسروا حاجز الخوف من الحديث عن الدستور والإصلاح والتغيير والثورة، ودخلوا مشاركين وفاعلين في صياغة الحروف والخطوط الأولى لمعاني تلك المفردات والمفاهيم والقيم وبهذه الدرجة أو تلك، بعد أن وضعت الثورة والثوار اليمن واليمنيين على عتبة عصر جديد في شروط تحول صعبة ومعقدة داخليًا وخارجيًا، إقليميًا ودوليًا.
حيث واجهت الثورة من أول يوم لقيامها جملة من التحديات الذاتية الداخلية المتمثلة في مصاعب الثورة الذاتية والموضوعية الخاصة الكامنة في قلب الصف الجمهوري الذي لم يعرف التوحد على قاعدة الحوار والقبول بالآخر لأسباب ذاتية وموضوعية وتاريخية معقدة، وكذا بفعل التحديات والمعوقات الجدية الكبيرة المتمثلة في الموقف الخارجي الاستعماري الإقليمي والدولي الذي وقف سدًا منيعًا في وجه الثورة الوليدة.
ولم تكن المصاعب والتحديات والمعوقات الإقليمية والاستعمارية الدولية عائدة فحسب إلى طبيعة وموقع ومكانة اليمن الاستراتيجية، وموقعها على مفترق طرق الملاحة وحركة التجارة العالمية، وحساسية وضعها الجيوسياسي الاقتصادي الاستراتيجي، وكذا في أهمية وحساسية وخطورة وجود وبقاء الاستعمار البريطاني المحتل لجزء عزيز من الوطن اليمني في جنوبه (جنوب اليمن المحتل)، وإنما إضافة إلى كل ذلك ما تعنيه وما مثلته ثورة 26 سبتمبر من أهمية وحساسية وخطورة كونها تقوم وتتحقق على مقربة من قلعة المخزون الاستراتيجي لبحر النفط المجنون الذي تحول إلى لعنة ونقمة على كل بلدان وشعوب المنطقة كافة، بما فيه قطعًا على ثورة شعبنا اليمني في 26 سبتمبر 1962.
ومن هنا نفهم معنى ذلك التكالب الرجعي والاستعماري العالمي في الضغط على الثورة وفي حصارها وإعلان الحرب الشاملة عليها سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وإعلاميًا، ونفهم كذلك معنى حجم الضغوط والمؤامرات التي لم تتوقف ضد ثورة 26 سبتمبر طيلة أكثر من ثماني سنوات متواصلة وبدون أي مقومات مادية واقتصادية ومؤسسية على أي مستوى كان، أي بدون أي بنى تحتية لمعنى الدولة، بما فيه عدم وجود بنك وطني، بل وعدم وجود عملة سيادية وطنية يمنية، ناهيك عن غياب أي معنى للاقتصاد في حده الأدنى؛ فقد بدأت الثورة من الصفر في كل شيء، حيث كانت الإمامة والإمام هو ظل الله في الأرض، بيده حتى أمر دخول وخروج كائن من كان من وإلى البلاد، ولأتفه الأسباب والدواعي إلى درجة أن بيده أمر صرف تنكة البنزين والجاز، حتى أمر الالتحاق بالمدرسة للتعليم يعود إليه.
وبهذا المعنى هي ثورة سياسية اجتماعية شعبية وطنية يمنية خالصة رغم كل الانكسارات والإحباطات والتراجعات التي رافقت مسيرة الثورة السبتمبرية.
إن التاريخ العالمي للثورات يعلمنا كيف أن هناك العديد من الثورات الكبرى في التاريخ الإنساني والعالمي قامت ثم انكسرت واندحرت وتراجعت، بل وعادت ثانية وثالثة إلى الملكية والإمبراطورية والاستبداد والإرهاب بعد أن أعلنت أهدافًا ومبادئ سياسية وإنسانية وحقوقية عظمى، ثم استعادت مسيرتها الثورية ثانية وخامسة من جديد بعد عشرات السنين من الانكسار والتراجع.
وثورة 26 سبتمبر ليست هي الاستثناء في التاريخ، ومن هنا قولنا وتأكيدنا على أن ثورة 26 سبتمبر هي ثورة في شروط سياسية اجتماعية ليست فحسب صعبة، بل ومستحيلة، ولذلك فاليمن واليمنيون بحاجة إلى أكثر من ثورة. وأن 26 سبتمبر بدأت في شكل انقلاب عسكري، ولكن ما إن بدأت وأعلنت عن نفسها والتفاف الشعب حولها من جميع مناطق البلاد شمالًا وجنوبًا، ومن خلال أهدافها السياسية والاجتماعية والوطنية الكبرى حتى تحولت إلى ثورة شعبية جماهيرية وطنية تركت آثارها الإيجابية على وفي كل من حولها، وهي ثورة بأهدافها ومبادئها وبقواها السياسية والاجتماعية التي حملت راية التحرر من الاستعمار والاستبداد، هي ثورة سياسية اجتماعية حين وضعت قضية العدالة الاجتماعية في صدارة أهدافها ومبادئها تحت شعار إزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات، وليس إذابة الفوارق بين الطبقات، والذي يدخل ضمن الهدف الاول لثورة سبتمبر، وهو ما يكشف عن مستوى وحجم الأحلام الكبرى التي حملتها في أهدافها.
وبقيام ثورة 26 سبتمبر 1962 فتح الباب سياسيًا وعمليًا ووطنيًا أمام قضية وحدة الشعب اليمني، بعد أن بقيت قضية الوحدة السياسية والوطنية مجرد خطاب نظري أو أيديولوجي في أدبيات الحركة السياسية الديمقراطية المعاصرة منذ النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي (العشرين).
تراجع معه المفهوم التقليدي لفكرة وقضية الوحدة بالتغلب والشوكة والعصبية وعلى قاعدة الحروب وتمجيد ثقافة الحروب الداخلية؛ أي طرائق الاتحادات والتوحدات والوحدات العسكرية القبلية التاريخية القديمة، معلنة على مستوى الخطاب النظري والأيديولوجي والسياسي ميلاد خطاب جديد للوحدة يقوم ويتأسس على قاعدة المساواة والمواطنة والعدالة والحرية والدولة الوطنية الحديثة، وهو ما تأكد أكثر مع أهداف ومبادئ ثورة 14 أكتوبر 1963م.
فبعد أقل من سنة على قيام ثورة 26 سبتمبر أُعلن عن تأسيس وقيام الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل، وتفجرت في سياق ذلك ومعه وبه ثورة 14 أكتوبر 1963م في جنوب الوطن، بعد أن شكل قيام ثورة 26 سبتمبر خلفية سياسية ووطنية وتاريخية لذلك الحدث العظيم، والذي شكل بدوره سندًا سياسيًا وجماهيريًا ووطنيًا عظيمًا في دعم ومساندة ثورة 26 سبتمبر 1962م؛ ليس فقط من خلال إشعال ثورة تحررية وطنية ضد الاستعمار البريطاني في جنوب الوطن وإنهاك الوجود الاستعماري وقواه بما يجري في الجنوب من ثورة تحرر وطني استقلالية عنه وضده، وإنما من خلال الدعم السياسي والجماهيري والإعلامي والمادي والمعنوي من أبناء شعبنا في الجنوب لمؤازرة ومساندة ثورة 26 سبتمبر 1962م.
وهنا يتضح المعنى والبعد الجدلي الوطني والسياسي الثوري التاريخي لوحدة الشعب اليمني؛ فاللحظات والمراحل والمنعطفات السياسية والوطنية التاريخية الكبرى والاستثنائية في تاريخ الأوطان والشعوب هي التي تظهر وتكشف المعدن الأصيل والعمق التاريخي الغائر في وجدان هذا الشعب الواحد والمعبر عن وحدته، على الرغم من أن سنوات التشطير السياسية التاريخية في واقع الأنظمة السياسية التاريخية التي قامت قد تعادل سنوات وحدته السياسية، والذي قطعًا لا ينقص من المعنى السياسي والوطني ومن المضمون التاريخي لوحدة هذا الشعب.
ففي اللحظات التاريخية الحاسمة والفارقة في حياة اليمنيين جنوبًا وشمالًا، رأينا كيف توحدت الجغرافيا بالتاريخ والديمغرافيا بمفهوم الشعب والأرض، وكيف توحد الشعب بالمجتمع أو بالمعنى الكلي التاريخي لمعنى المجتمع، وكيف تجلى المعنى الأصيل لوحدة الشعب في مرحلة الدفاع عن صنعاء، وكيف انتصر الشعب على النظام في أكثر من مرحلة تاريخية حين تصغر وتتراجع المشاريع الصغيرة وتتعملق المشاريع والقامات الوطنية الكبيرة عليها في التاريخ؛ ذلك أن الشعب هو الأصل والدائم والنظام هو العابر والمؤقت والزائل، وهو ما جاءت ثورة الشباب والشعب في فبراير 2011م لتؤكده وتجسده في واقع الممارسة.
وعلينا أبدًا واستمرارًا لمعنى الثورة أن ننتصر دائماً للشعب على النظام؛ الشعب الذي لا بد أن تنتظم على إيقاع مصالحه التاريخية وغاياته ومقاصده الكبرى كل السياسات والأهداف والبرامج.
فلنتحد على إيقاع وحدة الشعب ومصالحه التاريخية وليس على سيادة وهيمنة النظام والزعيم أو القائد الرمز والقائد الضرورة، وإلا اختلت المعادلة الوطنية جذريًا، وعدنا إلى دويلات الأئمة والمشايخ والملوك والطوائف المذهبية والأقيال والأذواء في صورة تجلياتها الجديدة، وكأننا أمام ورثة جدد للإمامة، وهي المعادلة السياسية الوطنية التاريخية التي لا يجب أن تغيب عن أذهاننا في جميع الأوقات والأحوال.
يا أبناء شعبنا اليمني العظيم، من المهم أن يكون واضحًا للجميع أنه حين فكر وقرر آباؤكم وإخوانكم الثوار في تنظيم الضباط الأحرار السبتمبريون عمومًا عسكريين ومدنيين في القيام بالثورة، لم يكن هاجسهم وديدنهم السلطة ولا همهم الجاه والثروة والملك، شأنهم شأن إخوانهم في قيادة وأبطال ثورة 14 أكتوبر؛ فقد حملوا جميعًا رؤوسهم وأرواحهم على أكفهم قربانًا على مذبح التغيير والثورة في وضع إمامي استبدادي قروسطي لا مثيل له في التاريخ الإنساني كله.
فقد كان الاستيلاء على السلطة والثروة واحتكارهما في قبضة الثوار آخر ما يفكرون به.
ومن يقرأ تاريخ الثورة وتاريخ قيادة الثورة الأساسية وزعاماتها الأولى، سيجد أن بعضهم استشهد على مذبح فكرة عملية التغيير الثوري في أول ساعة أو لحظة لإعلان قيام الثورة وتفجيرها، وأن جميع الرموز القيادية الأولى للثورة كانوا مساهمين ومشاركين فعليين في قلب الثورة وفي مواقع القتال الخطيرة والحساسة المختلفة، إما استشهدوا في أسابيعها الأولى أو في سياق أشهرها التالية أو في سنواتها اللاحقة مباشرة.
فقد كان هم الثورة والثوار هو التغيير الجذري لأوضاع الإمامة وإقامة دولة مدنية حديثة بمساندة ومشاركة فعلية من مصر في عهد الزعيم القومي الخالد جمال عبدالناصر، ولذلك لم يلتفت الثوار إلى قضية السلطة ومواقعها السيادية والحكومية والتنفيذية المختلفة عسكرية ومدنية؛ حتى من أوكلت إليهم بعض المسؤوليات السيادية والحكومية لم يأبهوا بها وتركوها مغادرين إلى مواقع القتال مشاركين في العمليات الحربية اليومية، وليس الشهيد علي عبدالمغني، والشهيد محمد مطهر زيد، سوى واحد من هذه النماذج الكثيرة في هذا السياق الثوري المثالي.
حتى إنهم أهملوا قضية التنظيم الثوري العسكري ذاته؛ الضمانة السياسية والتنظيمية للثورة وحمايتها، لشدة توحدهم بالفعل الثوري اليومي وانخراطهم الكلي في سياق العملية الثورية وتحدياتها ومصاعبها التي كانت فوق قدراتهم الذاتية على احتمالها، وفوق كل تصوراتهم وتوقعاتهم لاحتمالات المصاعب والتحديات الخارجية التي قد تواجهها الثورة. ومن هنا رومانسيتهم الثورية ومثاليتهم الأخلاقية التي قادتهم في سياق الممارسة الفعلية والسلوك العملي تجاه مسألة الثورة وبناء الدولة ومؤسساتها إلى تغليب الفعل الثوري المثالي الرومانسي على الضرورة السياسية والواقعية لمسألة بناء الدولة والسلطة ومؤسسات الحكم الجديد المختلفة، حيث هاجس السلطة والحكم والملك لم يكن ضمن أجنداتهم السياسية الخاصة، وهو ما أدى بهم إلى ترك زمام المبادرة في أمر قيادة السلطة والحكم لآخرين أقل ثورية وأكثر إصلاحية وبراجماتية سياسية، وجدوا أنفسهم بعدها خارج السلطة والدولة وأمام مشروع سياسي آخر.
ومع كل ذلك، ورغم وحشية وعنف العدوان الخارجي وحجم المصاعب والتحديات التي واجهت ثورة 26 سبتمبر، فقد تمكن الثوار وجماهير الشعب اليمني، في صورة" المقاومة الشعبية"، من حماية النظام الجمهوري والحفاظ على الثورة، والذي تجسد في الدفاع العظيم عن صنعاء وكسر الحصار وهزيمة المشروع الرجعي والاستعماري الذي أراد هزيمة شعب فانتصر الشعب عليه بفك الحصار والانتصار للنظام الجمهوري.
وفي هذا السياق من المهم الإشارة إلى الدور السياسي السلبي الذي لعبته القيادة البيروقراطية العسكرية والسياسية المصرية المتواجدة في اليمن، والتي كانت مقررة وفاعلة في اتخاذ القرار السياسي والعسكري خاصة في السنوات الأولى، في ضرب أي بصيص للممارسة السياسية الديمقراطية والحزبية، وفي المساهمة مع قوى تقليدية في الداخل في منع العمل الحزبي وتجريمه سيرًا مع ما كان يجري في مصر الثورة في ذلك الحين. وهنا توحد المنع السياسي العربي بالقمع السياسي شبه الإقطاعي الداخلي في ضرب وتهميش فكرة العمل السياسي والحزبي المستقل طيلة سنوات الثورة وحتى قيام وحدة 22 مايو 1990، التي فتحت المجال واسعًا أمام التعددية السياسية والحزبية في كل اليمن.
وتلكم هي واحدة من إشكاليات الثورات العربية جميعًا، حيث آلت الثورات إلى استبداد والجمهوريات إلى ملك عضوض وإلى ما يشبه "الجملوكيات" في أكثر من بلد عربي لم يتبق معها من الجمهورية سوى الاسم أو الشكل الخارجي. ومن هنا قامت الثورات الشبابية الشعبية العربية لحظة إنقاذ تاريخي لمعنى الثورة واستعادة لروح الجمهورية وخطوة باتجاه استكمال ما لم تنجزه الثورات العربية طيلة الستة والخمسة عقود المنصرمة، وهو ما يثبت ويؤكد أن اليمن على وجه الخصوص والتحديد والمنطقة العربية بدرجات متفاوتة بحاجة إلى أكثر من ثورة، وأن الثورة عملية سياسية اجتماعية تاريخية مستمرة لا تكتمل إحدى حلقاتها الثورية إلا لتبدأ أخرى شوطها نحو الثورة والتغيير الثوري.
وهذا هو فهمنا اليوم لثلاثية جدل الشعب والثورة والنظام، والتي يجب أن تصب لصالح وفي خدمة الشعب والثورة وليس النظام كما سارت عليه الأمور طيلة العقود الخمسة الماضية.
يا أبناء شعبنا اليمني في الجنوب وفي الشمال، من المهم اليوم أن نقف جميعا وقفة سياسية موضوعية عقلانية نقدية تجاه تجربتنا السياسية الوطنية اليمنية في الشمال والجنوب قبل الوحدة وبعدها، وقفة سياسية تنويرية ونهضوية، لا تجعلنا نعيش في الماضي أو نستمرئ جلد الثورة والتاريخ أو الوقوف على أطلال كل ذلك، بل لأخذ العبرة والمعنى والرؤية التي تساعدنا للتحرك معًا صوب المستقبل.
وبدون المراجعة العقلانية النقدية والوقفة الموضوعية وتحكيم العقل السياسي النقدي المفتوح فإنه من الصعب أن نتحرك بجدية وبقوة صوب المستقبل؛ لأنه بدون وعي وإدراك مصاعب الماضي والحاضر وعجزنا في الماضي القريب، واستمرار تعثرنا في الحاضر حتى بعد قيام ثورة الشباب والشعب الراهنة؟ ولماذا فشلنا في الوصول إلى الدولة المدنية الحديثة؟ ولماذا نحترب بعد أن توحدنا سلميًا؟ ولماذا تخلفنا وعدنا القهقرى في الراهن إلى ثقافة التشطير والانفصال؟ وبدون وعي وإدراك كل ذلك موضوعيًا وبعقل سياسي نقدي تاريخي مفتوح، فمن الصعب علينا أن نتحرك بجدية وبقوة باتجاه المستقبل.
فالحوار الوطني المنشود الذي لا يتأسس ويرتكز على هذه المقدمة والخلفية لا معنى سياسيًا وعمليًا له في الواقع، ولن ينتج في واقع الممارسة سوى تذررنا إلى مشاريع صغيرة أكثر فأكثر حتى وصولنا إلى دويلات ملوك الطوائف والمذاهب والمشايخ والقبائل.
إن ثقافة الحوار تعني ثقافة النقد، تعني ثقافة القبول بالتعدد والتنوع، تعني التسامح، تعني ثقافة الاعتذار التي ما نزال نرفض الاقتراب منها، تعني كذلك ثقافة الصفح والمساءلة على قاعدة العدالة والإنصاف والمصالحة والتسامح.
وتلكم هي نقطة البداية للعبور إلى الآتي، إلى المستقبل الذي أسهمنا جميعًا بمصادرته وتغييبه عن حياة اليمنيين بدرجات متفاوتة.
وأول خطوة في تقديرنا للسير على الطريق الصحيح هي حشد وتوحيد الشعب اليمني كله شمالًا وجنوبًا للسير على هدى خطى ثورة الشباب والشعب، التي هي امتداد نقدي ثوري تجاوزي لمسار الثورتين اليمنيتين سبتمبر وأكتوبر، وليست انفصالًا أو قطعًا عدميًا مع ذلكم التراث والتاريخ الكفاحي الوطني اليمني كما قد يتوهم البعض. فثورة الشباب والشعب في فبراير 2011م ليست نبتًا شيطانيًا، ولا هي حدث منبت الصلة عما قبله وما حوله، بقدر ما هي استمرار إبداعي ثوري نقدي لمسار تاريخ تجربة كفاح الشعب اليمني في التغيير والثورة على طريق الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وهو ما هدفت إلى تحقيقه ثورة 26 سبتمبر 1962م وثورة 14 أكتوبر 1963م.
التحية لثورة 26 سبتمبر 1962 في عيدها اليوبيلي الذهبي الخمسيني، وتحية لثورة 14 أكتوبر 1963م العظيمة، والخلود لشهداء الثورة اليمنية جميعًا، والمجد والعظمة للشعب اليمني العظيم صانع الثورات.