الخميس 24 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • الصورة والمعيار الأخلاقي في العمل الإغاثي!

الصورة والمعيار الأخلاقي في العمل الإغاثي!

صباح هذا اليوم وأنا أحدّق في وجوه النازحين القادمين إلى مدينة الحوطة عاصمة محافظة لحج، بعد الأحداث الأخيرة في الساحل الغربي، وهم يقفون في طابور لاستلام معونات غذائية، تذكرت لحظتها صورة النازحة اللبنانية التي أثارت ضجة واسعة قبل حوالي ثلاث سنوات، حين افترشت الإسفلت. تلك السيدة الستينية متكئة إلى حقيبة ملابسها، تتأمل مصيرها وهي تدخن سيجارة في نهار رمضان.

تلك الصورة التي التقطت للتركيز على مأساة النزوح بسبب الحرب مع إسرائيل، تحولت إلى مادة للاصطفاف الأخلاقي والديني والسياسي أيضًا. وتحولت بغضب أسئلة الحرب ومأساة النزوح إلى سؤال واحد فقط: كيف تجرؤ هذه المرأة لتدخن في نهار رمضان؟ فهذه إهانة واضحة للمسلمين في شهرهم الكريم.
أُعيد إنتاج خطاب عدائي كان يتمدد ويتوسع على نطاق كبير كل عام عند حلول شهر رمضان، لتثير نفس الصورة شهية رواد التواصل الاجتماعي الذين لم تصلهم الصورة العام الماضي، فيفرغوا جام غضبهم، ويتصدروا جبهة الحرب الإلكترونية للدفاع عن الله وعن الإسلام في كل مرة! لا بل هذا الخطاب المهترئ المتآكل أخلاقيًا، أصبح يُفسر بأن تبعات الحرب ومأساة النزوح هي العقاب الإلهي العادل لمن يتجرأ على الله، ويدخن في الشهر الفضيل.
وهكذا بدلًا عن سؤال الحرب المباشر، ووقاحتها التي تفضي وراء أي تصرف ينتقده الناس، تُختزل دون وعي كل هذه الصورة بالأحقية التي يؤمن بها الناس في محاكمة الناس الآخرين حولهم، وفرزهم أخلاقيًا ودينيًا وسياسيًا بشكل غير عقلاني وغير متزن.
بالعودة إلى اليمن ومشهد طابور النازحين صباحًا في محافظة لحج، وجدت أحدهم في الطابور ملثمًا، فسألته: لماذا تُخفي وجهك؟ قال: لا أريد تصويري وأنا أستلم المعونة. قلت له: اخرج خارج الطابور استلم معونتك دون تصوير، لا عليك.
حسب المعايير الدولية للصحافة والعمل الإغاثي والإنساني، لا يجب مطلقًا تصوير النازحين ولا الفقراء أثناء استلامهم أية معونات إلا بموافقتهم، وبشروط معينة، وعدم احترام ذلك يُعد انتهاكًا صارخًا للخصوصية والكرامة الإنسانية. فأخلاقيًا لا يجب تصوير الإنسان في لحظات الضعف، حتى لا يشعر بالمهانة والذل، وتجنبًا للوصمة المجتمعية في بيئاتهم الجديدة. أما الأطفال فيمنع منعًا باتًا تصويرهم إلا في حالات استثنائية جدًا تضمن سلامتهم، وبموافقة ولي الأمر.
أما إذا تحدثنا عن معيار الشفافية والتوثيق في العمل الإغاثي أمام المنظمات المانحة، ففي هذا المعيار تحديدًا لديّ ملاحظات كثيرة، لكن هناك طرقًا وأساليب كثيرة لمن يريد حقًا بصدق العمل بمهنية وإنسانية في المؤسسات والمنظمات، فيمكن تصوير الشاحنات، السلل الغذائية، طوابير الانتظار من الخلف، صور الأيدي دون إظهار الوجوه طبعًا، لكن للأسف تحدث الكثير من السلبيات التي ترافق العمل الإغاثي، والتي أتمنى من كل العاملين والمسؤولين الوقوف الجاد أمامها.
الصورة أبلغ من ألف كلمة، لكن للأسف صور المشهد اليمني لا تشكل أي ضغط يذكر في سبيل الانتصار لقضية الإنسان البائس المقهور، بل إن الوعي الذي تشكله صور المعاناة تروج لأفكار وثقافة ضد هذا الإنسان نفسه، وتزيد من المعاناة بدلًا من حلها.
يتذكر العالم جيدًا صورة الطفلة الفيتنامية التي كانت تجري عارية تمامًا وهي تصرخ هربًا من تأثير القنابل الأمريكية في حرب فيتنام في القرن الماضي.
هذه الصورة لطفلة واحدة، لكنها أظهرت بشاعة المعاناة لشعب فيتنام بأكمله، وأسهمت في الضغط العالمي لوقف الحرب.
في العالم العربي صور حرب غزة الأخيرة حركت شعوب العالم ضد حكوماتها أيضًا، وليس فقط ضد إسرائيل، واستطاعت تلك الصور أن تشكل وعيًا عالميًا لمساندة الشعب الفلسطيني وتقديره والتضامن مع معاناته. شخصيًا لا أستطيع أن أنسى صورة الطفل محمد الدرة عام 2000م، هذه الصورة تحديدًا شكلت بالنسبة لي المدخل للتعرف على القضية الفلسطينة والإيمان بها، وهذا ما حدث مع الكثير أيضًا من أبناء جيلي الذين كانوا بنفس العمر الذي قُتل فيه محمد الدرة، 12 عامًا تقريبًا.
صورة الطفل السوري إيلان، عام 2015م، وهو غريق قبالة السواحل التركية أثناء محاولة أسرته اللجوء إلى اليونان. هذه الصورة خلال ساعات ألهبت مشاعر الناس حول العالم، وانهالت المساعدات والتبرعات من حول العالم لرعاية اللاجئين السوريين، بل استطاعت صورة الطفل الغريق أن تضغط نحو تغيير دولي من موقف استقبال هجرة السوريين لدى حكومات مختلفة.
ماذا عن الصورة في واقعنا نحن؟ تخيلوا الكم الهائل من ضخ الصور والفيديوهات، خصوصًا مع أحداث الحرب الأخيرة في اليمن.
فهل يمكن لصور المعاناة والمآسي العديدة لهذا الشعب، أن تُشكل وعيًا حقيقيًا متماسكًا وصلبًا، يجمع شتاتنا كبشر، ويُعيد الاصطفاف (إنسانيًا فقط) للانتصار لمعاناة الشعب، والضغط المجتمعي على كل الجهات المحلية والإقليمية والدولية التي تتحكم بحاضره ومستقبل بلاده؟!