سبتمبر ذكرى الثورة ومسؤولية المستقبل
ليست ثورة السادس والعشرين من سبتمبر مجرد ذكرى تُستدعى في مناسبة، ثم تُطوى بانقضائها؛ وإنما هي محطة فارقة في الذاكرة اليمنية، ارتبطت بتحول كبير في حياة المجتمع، وبأملٍ في الخروج من واقع أثقلته عصور من العزلة والاستبداد والجهل والفقر والمرض.
قامت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر في مواجهة حكم كهنوتي جائر عزل اليمن عن محيطه والعالم، وأبقى المجتمع أسيراً لواقع سياسي واجتماعي واقتصادي أنهكته العزلة والتخلف، وساد فيه ثالوثٌ رهيب ومفجع: الجهل والفقر والمرض. ومن رحم ذلك الواقع انطلقت الثورة تعبيراً عن إرادة يمنية في التحرر من ذلك الحكم، وفتح الطريق أمام بناء مجتمع أكثر انفتاحاً، ودولة أكثر عدلاً، وحياة تليق بالإنسان اليمني.
ولهذا فإن إحياء ذكراها ليس امتيازاً تمنحه سلطة، ولا مناسبة تخضع لإرادة جهة، وإنما هو حق وطني أصيل لكل يمني ويمنية؛ لأن الذاكرة الوطنية لا تُدار بمنطق المنع والمصادرة، ولا يمكن فصل الشعب عن تاريخه أو حرمانه من التعبير عن موقفه من إحدى أهم محطات تاريخه الوطني.
غير أن قيمة سبتمبر لا تكمن في الاحتفال بها وحده، بل في قدرتنا على فهم معناها.
لقد جاءت الثورة وهي تحمل أهدافاً تتجاوز إسقاط حكم كهنوتي جائر إلى إحداث تغيير جذري في المجتمع والدولة والإنسان، وإعادة بناء أسس الحياة السياسية والاجتماعية على نحو يفتح الطريق أمام الحرية والمواطنة والعدالة. ولذلك فإن التعامل معها باعتبارها حدثاً من الماضي فقط يُفرغها من مضمونها، كما أن تحويلها إلى شعار مغلق على النقد لا يخدمها. وبين التقديس والإلغاء تضيع الحقيقة.
لقد قامت الثورة فأحدثت تحولاً تاريخياً في حياة اليمن، وعاشت أجيال بعدها واقعاً مختلفاً عن ذلك الذي سبقها. غير أن الأهداف التي حملتها لم تتحقق كاملة، وظلت مسيرة اليمن تتعثر أمام أزمات وصراعات وانقسامات حالت دون اكتمال ذلك المشروع الوطني.
وهنا تحديداً تبدأ مسؤولية الوفاء.
فالوفاء للثورة لا يكون بكثرة الحديث عنها، وإنما بالحفاظ على المعاني التي قامت من أجلها. ويكون ذلك بتعريف الأجيال بأهدافها وسياقها التاريخي، وبإبقاء تضحيات شهدائها، وفي مقدمتهم الشهيد علي عبدالمغني، مهندس ثورة السادس والعشرين من سبتمبر وأحد أبرز قادتها، حاضرة في الذاكرة الوطنية، وبقراءة الماضي بوعي يمنع تزييفه أو اختزاله، ويجعل منه درساً للمستقبل.
والوفاء الحقيقي لا يكتفي باستحضار تضحيات الشهداء، وإنما يتمثل في الحفاظ على مشروعهم الوطني، والسعي إلى بناء دولة تحقق لليمني الحرية والكرامة والمواطنة والعدالة.
واليوم، تأتي ذكرى سبتمبر واليمن يعيش حالة صراع وحرب وانقسام، فيما يدفع المواطنون أثماناً باهظة من أمنهم ومعيشتهم ومستقبل أبنائهم. ولذلك فإن استحضار الثورة في هذا الظرف لا ينبغي أن يكون مجرد استعادة لحدث تاريخي، بل فرصة للتأمل في الطريق الذي أوصل البلاد إلى هذا الواقع، وفي الدروس التي يمكن استخلاصها من تاريخ اليمن لتجاوز أزماته.
فإذا كانت الثورة قد قامت للخروج من واقع الإمامة والعزلة والحرمان، فإن معناها في الحاضر يزداد ارتباطاً بمواجهة كل ما يعيد إنتاج القهر والانقسام والعنف، أياً كان مصدره أو مبرره. ولا يمكن أن يكون الوفاء لثورة قامت من أجل التغيير سبباً لإعادة إنتاج الصراع، أو مبرراً لتحويل الذاكرة الوطنية إلى وقود لمواجهة جديدة.
إن اليمن الذي أنهكته الحرب يحتاج إلى أن تتحول ذكرى سبتمبر من مناسبة لاستحضار الخصومات إلى مناسبة لاستحضار القيم التي تجمع اليمنيين: الدولة، والمواطنة، والحرية، والعدالة، والمشاركة، واحترام الإنسان.
فإذا كانت الثورة قد واجهت واقعاً قائماً على الاستبداد والحرمان، فإن استكمال معناها اليوم يقتضي بناء دولة لا تُدار بمنطق الغلبة، ولا تُختزل في الأشخاص أو الجماعات، وإنما تقوم على المؤسسات والقانون والمواطنة المتساوية، وترتكز على الديمقراطية والتعددية السياسية، وتفتح المجال أمام المشاركة السياسية، وتحترم حق الاختلاف، وتجعل السلطة مسؤولية عامة لا امتيازاً خاصاً.
ومن هنا، فإن الاعتراف بعدم اكتمال أهداف الثورة ليس انتقاصاً من مكانتها، بل هو أحد أشكال الوفاء لها. فالاحتفال الذي يمنع المكاشفة يفقد جزءاً من معناه، والذكرى التي لا تقود إلى مراجعة التجربة تتحول إلى طقس متكرر لا يغيّر شيئاً في الواقع.
نحتاج إلى مكاشفة شجاعة تقول ما تحقق وما لم يتحقق، وتقرأ مواطن القوة والقصور، وتفصل بين المبادئ التي حملتها الثورة وبين الأخطاء التي وقعت باسمها أو في مسيرتها. فالتاريخ لا يُحترم بإخفاء أخطائه، وإنما بفهمها واستخلاص الدروس منها.
وأخطر ما يمكن أن يحدث لثورة سبتمبر أن تتحول من مشروع تغيير إلى مجرد رمز للاحتفال، أو من قيمة وطنية جامعة إلى أداة في صراع سياسي جديد. فالثورات الكبرى تكبر بقيمها، لا بالمزايدات باسمها، وتبقى حية بقدرتها على إلهام المستقبل، لا بمجرد استحضار الماضي.
وفي بلد أنهكته الحرب، يصبح المعنى الأعمق للثورية هو القدرة على كسر دائرة العنف لا إعادة إنتاجها، وعلى الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الدولة، ومن الثأر إلى التسوية، ومن الانقسام إلى المواطنة الجامعة.
فالثورية وعيٌ يصنع التغيير، لا ثأرٌ يعيد إنتاج الصراع؛ ومشروعٌ يبني المستقبل، لا شعاراتٌ تُضلل الحاضر؛ ومنطقٌ يتجاوز المناطقية، وإنسانيةٌ تتسع لكل اليمنيين بعيداً عن السلالية.
ويبقى العلم السبتمبري رمزاً لثورة وطنية، لا وثناً يُقدَّس؛ وشاهداً على مرحلة من تاريخ اليمن، لا أداة لإقصاء أحد أو احتكار الوطنية.
إن سبتمبر لا يحتاج إلى من يحرس ذكراه بالشعارات، بقدر ما يحتاج إلى من يحفظ قيمه ويجسّد أهدافه بالفعل.
فالمناسبة تنتهي، والأعلام تُطوى، والخطب تنقضي؛ لكن اليمن يبقى، والحرب تترك آثارها، وتظل مسؤولية الأجيال القادمة قائمة تجاه هذا الوطن في زمن الصراع.
ولهذا فإن الوفاء الحقيقي لسبتمبر لا يكون فقط باستعادة يوم الثورة، وإنما بالعمل على إنهاء دوائر الصراع، وبناء دولة يتساوى فيها اليمنيون، وتحويل أهداف الثورة من ذاكرة تاريخية إلى واقع سياسي واجتماعي يعيشه الناس.
فسبتمبر ليس ماضياً نحتفل به فحسب؛ إنه قضية الحاضر ومسؤولية المستقبل.



