حين تصبح أهداف ثورة سبتمبر سؤالًا للحاضر
هنا... ذات فجرٍ بعيد، لقيتك يا وطني مستباحًا، شريدًا كما نخلة في كثيب، غريبًا كما غيمة في غسق، وحيدًا أيها المستباح، وأناجيك منذ انبلاج الظلام، وأسأل: ماذا بقي من ذلك الفجر الذي وعد اليمنيين بالخلاص؟ وماذا بقي من أهداف الثورة التي حملها شباب الضباط الأحرار وهم يفتحون أبواب التاريخ في السادس والعشرين من سبتمبر 1962م؟
نقترب من الذكرى الرابعة والستين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة، وهي ثورة لم تكن مجرد حركة عسكرية أطاحت بنظام الإمامة، وإنما كانت انفجارًا تاريخيًا في مجتمع ظل طويلًا أسير الاستبداد والعزلة والامتيازات الطبقية والسلالية، وكانت في جوهرها محاولة لفتح الطريق أمام اليمن نحو الدولة الجمهورية الحديثة، دولة المواطن والقانون والمؤسسات.
وخير ما نقدمه لشهداء سبتمبر، وفي مقدمتهم محمد الديلمي، وعلي عبدالمغني، وعبداللطيف هادي سالم، ومحمد الحمزي، والقائد الفذ محمد مطهر زيد، وسائر شهداء وضباط تنظيم الضباط الأحرار، ليس الاحتفال اللفظي بالثورة فحسب، وإنما العودة إلى أهدافها الستة، وقراءتها بعيون الحاضر، لنرى كم أنجزنا منها، وكم انحرفنا عنها، وكم ما يزال ينتظر جيلًا يمنيًا جديدًا يستعيد المعنى الحقيقي للجمهورية.
ولا ينبغي أن يمنعنا تقديس الثورة عن قراءة أخطائها، كما لا ينبغي أن تدفعنا أخطاؤها إلى التنكر لمنجزها التاريخي. فقد شهدت الأيام الأولى بعد قيام الجمهورية أحداثًا دامية وإعدامات تمت دون محاكمات عادلة، ووقعت تجاوزات لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف. وقد انتقد القاضي عبدالرحمن الإرياني تلك الممارسات، وظلت تلك الوقائع صفحة مؤلمة في تاريخ الثورة والجمهورية، لأن الثورة التي جاءت لإقامة العدل لا يجوز أن تبدأ بالظلم، ولا يمكن أن يكون الانتقام بديلًا عن القضاء.
لكن تلك الأخطاء، على فداحتها، لا تلغي حقيقة أن الشعب اليمني التف حول الجمهورية، وأن اليمن دخل بعد سبتمبر في صراع تاريخي هائل بين الجمهوريين والملكيين، تحول إلى حرب طويلة استمرت قرابة سبع سنوات، وتدخلت المملكة العربية السعودية دعمًا للقوى الملكية في محاولة لإجهاض التجربة الجمهورية، بينما قدمت مصر بقيادة الرئيس جمال عبدالناصر دعمًا عسكريًا وسياسيًا للجمهورية.
وحين تقاربت القاهرة والرياض، وجد الجمهوريون أنفسهم أمام واقع بالغ الصعوبة، لكن شباب الضباط والجنود ظلوا صامدين، وجاءت ملحمة حصار السبعين يوماً لتصبح واحدة من أبرز صفحات الصمود الجمهوري، بينما فر بعض كبار القادة، وبقي أولئك الضباط الصغار والجنود والمقاتلون والشعب في مواجهة الحصار حتى انكسر.
ثم جاءت مرحلة المصالحة بين الجمهوريين والملكيين، ولم تكن تلك المصالحة مجرد تسوية بين أشخاص، بل كانت تعبيرًا عن حقيقة سياسية مفادها أن اليمن لا يستطيع أن يستمر إلى الأبد في حرب داخلية تستنزف أبناءه. وتولى القاضي عبدالرحمن الإرياني رئاسة المجلس الجمهوري، وشارك في عضوية المجلس الأستاذ أحمد الشامي ممثلًا للجانب الملكي، في مشهد كان يمكن أن يكون بداية حقيقية لبناء دولة تتسع للجميع على أساس المواطنة، لا على أساس الغلبة.
ومن هنا تبدأ أهمية العودة إلى أهداف الثورة الستة.
الهدف الأول: التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما، وإقامة حكم جمهوري عادل، وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات.
كان هذا هو قلب الثورة وروحها. فالجمهورية لم تكن مجرد تغيير اسم الحاكم من إمام إلى رئيس، وإنما كانت تعني إنهاء احتكار السلطة، وإسقاط الامتيازات التي تجعل بعض اليمنيين أعلى من بعض بحكم النسب أو المكانة الاجتماعية أو القرب من السلطة.
والجمهورية، في معناها الحقيقي، ليست شخصًا يجلس على كرسي الرئاسة، وإنما نظام سياسي تكون فيه السلطة ملكًا للشعب، والحاكم خادماً للقانون، والانتقال السياسي يتم عبر الإرادة الشعبية والانتخابات، لا عبر القوة أو التوريث أو فرض الأمر الواقع.
ولهذا فإن كل سلطة تستبدل إرادة الشعب بإرادة الفرد، وكل جماعة تجعل من السلاح طريقًا دائمًا إلى الحكم، وكل محاولة لإعادة إنتاج الامتيازات الموروثة تحت أي مسمى، إنما تمثل خروجًا على جوهر الهدف الأول من أهداف سبتمبر.
لقد أسقطت الثورة نظامًا إماميًا، لكن مهمة الجمهورية لم تكن إسقاط شخص أو أسرة فقط، بل إسقاط ثقافة الاستبداد من جذورها. والاستبداد قد يلبس أكثر من ثوب، وقد يأتي باسم الدين أو الثورة أو الأمن أو القبيلة أو الحزب أو الضرورة، لكنه يظل استبدادًا متى صادر حق الشعب في اختيار حكامه ومحاسبتهم وتغييرهم.
الهدف الثاني: بناء جيش وطني قوي لحماية البلاد وحراسة الثورة ومكاسبها.
لم يكن المقصود بالجيش الوطني أن يكون جيشًا لحماية الحاكم، أو ذراعًا لحزب أو جماعة أو منطقة، وإنما جيشًا وطنيًا يحمي اليمن وحدوده وسيادته ودستوره ونظامه الجمهوري.
والتجربة اليمنية تؤكد أن الدولة لا يمكن أن تستقر بوجود جيوش متعددة الولاءات، أو تشكيلات مسلحة تتبع أشخاصًا أو جماعات، لأن تعدد مراكز القوة المسلحة يعني في النهاية تعدد مراكز القرار، وحينها تصبح الدولة رهينة ميزان القوة لا ميزان القانون.
لقد قاتل الضباط الأحرار من أجل الجمهورية، وصمد الجنود في حصار السبعين دفاعًا عنها، ولذلك فإن الوفاء الحقيقي لتضحياتهم هو بناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، ولاؤها لليمن وحده، لا للأفراد ولا للجماعات ولا للمناطق ولا للمذاهب.
الهدف الثالث: رفع مستوى الشعب اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا.
وهذا الهدف يذكرنا بأن الثورة لم تكن مشروعًا سياسيًا فقط، وإنما كانت مشروعًا للإنسان اليمني.
فلا معنى لجمهورية يعيش فيها المواطن في الفقر والجهل والمرض، ولا معنى للاستقلال السياسي إذا بقي الإنسان أسير الحاجة، ولا معنى للحرية إذا كان الجهل يمنع الإنسان من معرفة حقوقه وواجباته.
إن التعليم والصحة والعمل والتنمية والعدالة الاجتماعية ورفع مستوى الوعي السياسي والثقافي ليست ترفًا، بل هي جوهر الجمهورية. فالمواطن المتعلم الواعي هو الحارس الحقيقي للنظام الجمهوري، لأنه يعرف أن الدولة ملك له، وأن صوته الانتخابي أهم من ولائه الشخصي، وأن القانون فوق الجميع.
ومن هنا فإن معركة سبتمبر اليوم ليست فقط معركة سياسية، وإنما هي معركة ضد الجهل والفقر والتخلف، لأن المجتمع الذي لا يملك وعيًا سياسيًا وثقافيًا يمكن أن يستبدل استبدادًا باستبداد، وشعارًا بشعار، وشخصًا بشخص، دون أن يتغير جوهر المشكلة.
الهدف الرابع: إنشاء مجتمع ديمقراطي تعاوني عادل، مستمد أنظمته من روح الإسلام الحنيف.
هنا تظهر بوضوح فلسفة الثورة في الجمع بين قيم الإسلام ومبادئ العدالة والديمقراطية والتعاون.
والإسلام الذي استلهمته أهداف سبتمبر ليس دين الاستبداد ولا دين تأليه الحاكم، وإنما دين العدل والشورى وكرامة الإنسان والمسؤولية والمساواة أمام الحق.
والمجتمع الديمقراطي لا يعني أن يصبح الدين خارج حياة الناس، كما لا يعني أن يتحول الدين إلى أداة لاحتكار السلطة. وإنما يعني أن يكون الإنسان حرًا في اختياره، وأن تكون الدولة دولة جميع مواطنيها، وأن تكون المرجعية في إدارة الشأن العام للقانون والدستور والإرادة الشعبية.
وهنا تكمن إحدى أعظم معارك اليمن المعاصرة: هل نستطيع أن نبني دولة يتساوى فيها اليمنيون جميعاً، مهما اختلفت مذاهبهم ومناطقهم وأنسابهم وأحزابهم، أم نظل أسرى تصنيفات تجعل بعض المواطنين أرفع من بعض؟
لقد جاءت سبتمبر لتقول إن الجمهورية نقيض الامتياز الموروث، وإن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات.
الهدف الخامس: العمل على تحقيق الوحدة الوطنية في نطاق الوحدة العربية الشاملة.
لقد كان اليمنيون آنذاك يعيشون في بلد ممزق سياسيًا وجغرافيًا بين شمال وجنوب، وكانت الوحدة الوطنية حلمًا كبيرًا من أحلام الحركة الوطنية.
وقد تحقق لاحقًا الهدف التاريخي الأكبر بتوحيد شطري اليمن في 22 مايو 1990م، لكن تحقيق الوحدة على الورق لا يعني بالضرورة اكتمال الوحدة في النفوس والمؤسسات.
فالوحدة الحقيقية ليست مجرد حدود واحدة، وإنما شعور مشترك بالمواطنة والمساواة والعدالة والشراكة. ولا يمكن أن تستمر الوحدة بالقوة، كما لا يمكن أن تستقر بالامتيازات، وإنما تحيا حين يشعر كل يمني أن الدولة دولته، وأن القانون يحميه، وأن السلطة لا تفرق بين مواطنيها.
ومن هنا فإن استعادة الدولة الجمهورية وإعادة بناء مؤسساتها على أساس المواطنة المتساوية هي الطريق إلى الحفاظ على وحدة اليمن، لأن وحدة الشعوب لا يحميها السلاح وحده، وإنما يحميها العدل.
الهدف السادس: احترام مواثيق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، والتمسك بمبدأ الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، والعمل على إقرار السلام العالمي وتعزيز مبدأ التعايش السلمي بين الأمم.
ولعل هذا الهدف هو أكثر أهداف سبتمبر ارتباطًا بمأساة اليمن الراهنة.
فالثورة أعلنت منذ البداية أن اليمن دولة ذات سيادة، وأن علاقاتها بالعالم ينبغي أن تقوم على احترام المواثيق الدولية والاستقلال وعدم الانحياز والصداقة مع الشعوب.
أما اليمن اليوم فقد أصبح ساحة لصراعات إقليمية ودولية، وتداخلت فيه المصالح الخارجية مع الصراع الداخلي إلى درجة أصبح معها المواطن اليمني يدفع ثمن صراعات لا يملك قرارها.
والوفاء لهذا الهدف لا يعني العزلة عن العالم، ولا يعني الارتهان له، وإنما يعني أن يكون القرار اليمني يمنيًا، وأن تقام العلاقات الخارجية على أساس المصالح الوطنية، وأن يرفض اليمن أن يكون ساحة حرب بالوكالة، أو ورقة في صراع الآخرين.
إن السلام الذي تحدثت عنه أهداف سبتمبر ليس سلامًا مؤقتًا تفرضه موازين القوة، وإنما سلام يقوم على التعايش والعدالة والسيادة واحترام إرادة الشعوب.
وهكذا نكتشف أن أهداف سبتمبر الستة، بعد أربعة وستين عامًا، لم تتحول إلى وثيقة تاريخية انتهى مفعولها، بل ما تزال برنامجًا وطنيًا مفتوحًا أمام اليمنيين. بعضها تحقق جزئيًا، وبعضها تعرض للانتكاس، وبعضها ما يزال حلمًا ينتظر التحقيق.
لقد انتصر سبتمبر في إسقاط النظام الإمامي، لكنه لم ينتصر بعد انتصارًا كاملًا على ثقافة الاستبداد. ونجحت الجمهورية في البقاء، لكنها لم تنجح بعد في بناء الدولة التي حلم بها الشهداء. وتحقت الوحدة، لكنها لم تستطع أن تتحول بصورة كاملة إلى وحدة مواطنة وعدالة وشراكة. وأقيمت مؤسسات الدولة، لكنها تعرضت مرارًا للاختطاف من مراكز القوى. أما الديمقراطية فما تزال وعدًا مؤجلًا ينتظر أن يستعيد اليمنيون حقهم في اختيار حكامهم عبر صناديق الاقتراع.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في ذكرى سبتمبر ليس: هل ما زلنا نحتفل بالثورة؟
السؤال هو: هل ما زلنا نؤمن بأهدافها؟
فإذا كنا نؤمن بها، فعلينا أن نرفض الاستبداد أيًا كان صاحبه، ونرفض التوريث أيًا كان اسمه، ونرفض الامتيازات الموروثة أياً كان مصدرها، ونرفض تحويل الدين إلى سلطة سياسية فوق المجتمع، ونرفض أن يصبح السلاح بديلًا عن صندوق الاقتراع، ونرفض أن تكون الدولة غنيمة للمنتصر.
وإذا كنا نريد إنقاذ سبتمبر من أن تتحول إلى مجرد ذكرى، فعلينا أن نعيد الجمهورية إلى معناها الأول: دولة القانون، ودولة المؤسسات، ودولة المواطنة المتساوية، ودولة الانتخابات، ودولة السلام.
لقد مات شهداء سبتمبر وهم يحلمون بيمنٍ مختلف؛ يمن لا يحكمه فرد إلى الأبد، ولا أسرة، ولا سلالة، ولا قبيلة، ولا حزب، ولا جماعة مسلحة، وإنما يحكمه دستور وقانون وإرادة شعب.
ومن حق الشهداء علينا ألا نحولهم إلى صور معلقة على جدران الاحتفالات، ثم نخالف المبادئ التي استشهدوا من أجلها.
فسبتمبر ليست تاريخًا مضى، وإنما سؤال يتجدد كل عام:
أي يمن نريد؟
وإذا كان جوابنا هو اليمن الجمهوري الديمقراطي العادل المستقل، فإن الطريق إليه يبدأ من حيث بدأت الثورة: من الإنسان اليمني، من حريته وكرامته، ومن حقه أن يختار من يحكمه، وأن يعزله إذا أساء الحكم، وأن يعيش في وطن لا يكون فيه أحد فوق القانون.
هناك، فقط، يمكن أن يعود سبتمبر من منفاه، ويخرج الوطن من استباحته، ويستعيد الفجر الذي انبلج في السادس والعشرين من سبتمبر 1962م.
المجد لشهداء سبتمبر وكل شهداء الحرية والجمهورية،
والخلود لليمن حرًا، جمهوريًا، موحدًا، مستقلًا، وديمقراطيًا.



