الأربعاء 23 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • مفارقات العبث في زمن النكبات: كيف تحتفي "الشرعية" بالمشاهير وتخذل الأحرار؟

مفارقات العبث في زمن النكبات: كيف تحتفي "الشرعية" بالمشاهير وتخذل الأحرار؟

في أوقات الحروب المصيرية والمنعطفات التاريخية الحاسمة، تُقاس كفاءة الدول وشرعيتها بمدى قدرتها على إدارة المعركة بحكمة، وترتيب أولوياتها الوطنية بدقة، والانحياز المطلق لمنهج الصدق والثبات. غير أن المشهد اليمني المعاصر يعرض مفارقة سوريالية وموجعة للغاية؛ فبينما تتهاوى الجبهات العسكرية تباعًا، وتسقط المديريات الحيوية، وتخسر الشرعية مواقع ومضائق استراتيجية بالغة الأهمية، نجد أن بوصلة اهتمامات قياداتها ومسؤولي إعلامها قد انحرفت بصورة مأساوية نحو صناعة الأبطال الوهميين.

لقد غرق هؤلاء المسؤولون في الاحتفال بمن غذّوا آلة الحرب الحوثية لسنوات طويلة، متجاهلين تمامًا أولئك الأحرار الصادقين الذين يحملون أرواحهم على أكفهم لمواجهة المشروع الحوثي الكهنوتي من قلب العاصمة صنعاء، مما يعكس أزمة أخلاقية وهيكلية عميقة تعاني منها مؤسسات الشرعية.

السجادة الحمراء للجلادين والمنتقلين

خلال الأسابيع والأيام الأخيرة، تصدرت المشهد ممارسات عبثية تفضح هشاشة الإدارة وغياب الرؤية الاستراتيجية لدى مؤسسات الشرعية؛ إذ فجعت الذاكرة الوطنية باحتفال قيادات الشرعية بخروج مذيعة قضت اثني عشر عامًا كاملة في قنوات المليشيا الحوثية، مروّجة لجرائمها، ومدافعة عن توجهاتها، وناهشة في كرامة اليمنيين، ومخونة للشرعية والتحالف العربي ليل نهار بالتحريض والتعبئة. فبدلًا من إخضاعها للمساءلة القانونية والوطنية، سيجرى استقبالها في الرياض كفاتحة عظيمة، وتوفير الدعم المالي السخي لها وتأشيرات البقاء والسكن، وكأنها حققت نصرًا مبينًا يغير وجه المعركة.
والأدهى من ذلك أن هذا الاحتفال الهزلي جاء متزامنًا مع كارثة كبرى تمثلت في سقوط عدد من مديريات الساحل الغربي وأهم مضيق بحري عالمي، وهو باب المندب، بيد الحوثيين، في ليلة واحدة، بطريقة صدمت المراقبين، وسميت بنكبة العصر، حيث انسحبت القوات المدافعة بصورة مريبة وعجزت الشرعية عن تقديم أي مبرر منطقي لهذا السقوط المروع، مكتفية بموقف دفاعي عاجز في مناطق لحج وتعز دون القدرة على استرداد شبر واحد من المساحات الشاسعة الساقطة حديثًا والتي تُقدر بنحو مائتي كيلومتر مربع.

أولوية "المشاهير" وغياب السردية الإعلامية

لقد بات جليًا لكل متبع للشأن اليمني أن جل اهتمام وزارة الإعلام وبعض القيادات النافذة ينحصر في كيفية استقبال بعض المشاهير في السوشل ميديا، وتسيير أمورهن، وترتيب أوضاعهن في فنادق الرياض الفاخرة، وتزكيتهن لدى السفير السعودي لمنحهن الدعم السخي وتأشيرات الإقامة المريحة. وفي المقابل، عجز وزير الإعلام والمنظومة التابعة له عن تقديم سردية وطنية واحدة تفسر ما حدث، أو مواجهة جزء يسير من الحملة الإعلامية الضخمة التي أشعلها الحوثيون قبل سقوط الساحل الغربي.
لم تعد المعركة بالنسبة لهؤلاء سوى فرصة لتعزيز النفوذ الشكلي وصناعة صخب إعلامي فارغ المضمون. وتتكرر هذه المهزلة ذاتها مع نماذج أخرى؛ كاحتفال الشرعية بخروج قيادي حوثي بارز نشر فيديو يدعي فيه الجوع والملاحقة بعد أن قدم أخاه شهيدًا في صفوف الجماعة وحشد لها مئات المقاتلين، ليتحول بقدرة قادر إلى ترند وإنجاز عظيم للشرعية وكأنهم قصموا ظهر الحوثي، في حين أن هذا القيادي وأمثاله يواجهون الشرعية في عشرات الجبهات ويحققون خروقات مستمرة.
وقبل ذلك، تكرر المشهد مع يوتيوبير فر من صنعاء ليُستقبل استقبال الفاتحين، متجاهلين تمامًا أن الحوثي لا يخاف مثل هذه الاستعراضات الإعلامية الهزيلة، ولا يزال يواصل توسعه وتحديه للمجتمع الدولي رغم تصنيفه في قوائم الإرهاب، بينما تكتفي الشرعية بصناعة انتصارات وهمية من هروب الأفراد.

المنسيون في جحيم صنعاء: ملحمة الصمود الصامت

في التباين التام مع هذا العبث المستشري، يبرز مشهد آخر أكثر أوجاعًا ونقاءً، يتمثل في ذلك الجيش الخفي من الأحرار داخل مناطق سيطرة الحوثي؛ وهم الصحفيون والباحثون والدكاترة والمفكرون والناشطون الذين رفعوا راية الرفض الفكري والوطني منذ اليوم الأول لظهور هذه الجماعة. هؤلاء الأبطال يواجهون الكهنوت بقلمهم وفكرهم ووعيهم المستمر من قلب صنعاء، في الجامعات والمدارس، وفي الحافلات والمجالس العائلية واللقاءات الخاصة والعامة. إنهم يغرسون الوعي بين الأهل والأصدقاء، ويحذرون ليل نهار من خطورة الانخراط في مشاريع الجماعة الهدامة، وينشرون انتهاكاتها المروعة ويوثقونها بدقة عبر الصحف والمنصات بأسماء صريحة ومستعارة، رغم المخاطر الجمة التي تحيط بحياتهم.
لقد تعرض هؤلاء المخلصون لكل صنوف التنكيل؛ فطردوا من وظائفهم الحكومية، وحوربوا في أعمالهم الخاصة ومصادر أرزاقهم وقوتهم اليومي حتى أصبحوا عاجزين في منازلهم، واستهدفوا بالتهديدات المستمرة والمضايقات والتوقيفات والصفعات المباشرة. ومع ذلك، لم يهادنوا، ولم يحضروا مناسبة للمليشيا، ولم يجاملوها بكلمة أو هتاف، بل ظلوا مؤيدين أوفياء للشرعية جهارًا نهارًا وثابتين على مبدئهم بكل صلابة.

خذلان ذوي القربى ونهاية الاستغاثة

إن قسوة المعاناة التي يواجهها هؤلاء الأحرار في الداخل لا تتوقف عند حدود البطش الحوثي المباشر، بل تمتد لتصطدم بصخرة الجحود والخذلان من قبل قيادات الشرعية في الخارج. فحين تتكالب الضغوط النفسية الحادة وتصل التهديدات إلى حد التصفية الجسدية، ويدخل الكاتب أو الصحفي في دوامة من القلق والاكتئاب والفقر المدقع برفقة أسرته، يحاول جاهدًا الاستعانة بزملاء الأمس ممن وصلوا إلى دفء المناصب والمسؤولية في الشرعية. يلتمس منهم أبسط سبل الدعم لإنقاذ حياته من جحيم الموت المحقق، عارضًا عليهم النجاة بجلده بعد أن أصبحت حياته على خط النار، فلا يجد من قيادات الشرعية سوى الصدود، والتجاهل المتعمد، والأعذار الواهية التي تكشف عن انعدام المروءة وفقدان الشعور بالمسؤولية الأخلاقية والوطنية تجاه من هم أحق بالدعم والرعاية.

خاتمة ومساءلة

إن استمرار هذا الانفصام الخطير بين واقع الأحرار المنسيين في جحيم صنعاء وعالم البهرجة والاحتفالات الهزيلة لقيادات الشرعية في فنادق الرياض، يمثل طعنة ناجزة في ظهر النضال اليمني. إن الوطن لا يُستعاد بصناعة الأبطال الورقيين ولا بتسليط الضوء على الهاربين بعد فوات الأوان، بل بالانحياز الحقيقي لمن دفعوا أثمانًا فادحة في وجه الكهنوت دون أن يساوموا.
- سؤال يؤرق الضمير الوطني: متى ستدرك قيادات الشرعية أن الحفاظ على ما تبقى من كرامة اليمنيين يبدأ برفع الظلم عن أحرار الداخل المنسيين، لا بالاحتفال بمن صنعوا جلاديهم بالأمس القريب؟