قضية عبدالرقيب عبدالوهاب بين روايتين.. الرواية الرسمية وشهادات المعاصرين (4-4)

بعد أن استعرضنا في الحلقات الثلاث السابقة شهادات عدد من المعاصرين، وما تضمنته من روايات متباينة حول حياة المناضل والقائد العسكري عبدالرقيب عبدالوهاب، ودوره في الدفاع عن صنعاء خلال حصار السبعين، ثم الصراع الذي أعقب انتصار الجمهورية، وصولًا إلى ظروف مقتله، نختتم هذه السلسلة بالوقوف أمام شهادتين رسميتين، وردتا في مذكرات اثنين من أبرز الشخصيات العسكرية والسياسية المرتبطة بتلك المرحلة، هما الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني واللواء حسين المسوري، مع مقارنتهما بما أوردته شهادات المعاصرين والمرويات المتداولة حول الواقعة.
ولا تهدف هذه المقارنة إلى إصدار حكم نهائي في قضية تاريخية لا تزال بحاجة إلى تحقيق موثق وشامل، وإنما إلى طرح الأسئلة التي تثيرها التناقضات بين الروايات، والبحث في مدى انسجامها مع الوقائع السياسية والعسكرية التي أحاطت بمقتل عبدالرقيب عبدالوهاب.
أولًا: شهادة الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني
جاءت شهادة القاضي عبدالرحمن الإرياني في الجزء الثالث من مذكراته، تحت عنوان فرعي: «حادثة عبدالرقيب»، ويقول القاضي ما لفظه:
"وقد عاد عبدالرقيب إلى صنعاء، وإلى وحدته التي كانت ترابط في جبل عيبان، وجاءت الأخبار أنه يعيد ترتيبها وإعدادها لدولة ثانية -في إشارة إلى أحداث أغسطس عام 1968- على أن يسحبها مع وحدة المظلات إذا فشلتا إلى الجنوب بكامل أسلحتهم"، إلى أن يقول: "واستوعبت عبدالرقيب إلي وقلت له: إن بقاءك في الوحدة مرتهن بموافقة القائد العام ولا بد أن تذهب إليه وتتفاهم معه، وذهب إليه -أي إلى الفريق حسن العمري- وتفاهما، وعاد إلى وحدته، ولكن سرعان ما عادت حليمة إلى عادتها القديمة، وكان عبدالرقيب قد نزل في بيت بجانب الكهرباء -يقصد في الشارع المؤدي من الخط الدائري إلى ميدان اللقية- فبلغ الفريق العمري أن عبدالرقيب ينوي الانسحاب بقواته إلى عدن. فاستدعاه الفريق العمري إليه وموقفه لدن الحرس، ولكنه تمكن من الفرار إلى بيت العقيد علي سيف الخولاني".

ثم يواصل: "فوصلت من تعز وهو محاصر، وأردت التدخل لصالح عبدالرقيب وبعدت له أمانًا على حياته وعلى شرفه وعلى حياته، فرفض الأمان، واتصلت بالقائد العام معطيًا تأكيدًا بضرورة إلزام المحيطين بالبيت أن يتجنبوا أي حركة استفزازية، بل يكتفوا بضرب نطاق الحصار حتى يؤوب إلى رشده ويستسلم، أو نبحث عن وسيلة لحل المشكلة وإرسال مجموعة من مشايخ تعز لإقناعه وتطمينه، وبينما نحن في الحديث مع الفريق العمري وهو يؤكد على أنه حريص بألا يمس عبدالرقيب بسوء إذا بأحد الضباط يصل إلي ويقول: إن عبدالرقيب غافل المحاصرين له وأطلق الرصاص فجرح جنديًا من الصاعقة وقتل آخر من المظلات وقتل" -أي عبدالرقيب- ثم يتابع القول: "وقد اختلفت الروايات في قتله فالعقيد علي سيف الخولاني يؤكد أنه انتحر" (مذكرات القاضي الإرياني، ج3، ص169-170).
هذه هي الشهادة التي أوردها القاضي الإرياني في مذكراته، وهي شهادة تستحق التوقف عند تفاصيلها، لا سيما في ما يتعلق بطبيعة القوة التي كان عبدالرقيب موجودًا فيها، والاتهام بأنه كان يعد للانسحاب إلى عدن، ثم ظروف محاصرته ومقتله.
فالقاضي يتحدث عن قوة محدودة العدد، ويشير إلى وجود عبدالرقيب في موقع بجبل عيبان، كما يربط بين وجوده هناك وبين احتمال تحرك قوات الصاعقة والمظلات. غير أن هذا الوصف يطرح تساؤلًا مهمًا: هل كانت القوة الموجودة في عيبان قوة عسكرية منظمة قادرة على تهديد صنعاء، أم مجموعة من الجنود والضباط الذين كانوا يرتبطون بقيادتهم السابقة، ووجدوا أنفسهم في ظل إعادة ترتيب القيادة العسكرية بعد أحداث أغسطس؟
وهنا لا بد من استحضار السياق السياسي والعسكري الذي سبق تلك الواقعة.
الصراع داخل المؤسسة العسكرية بعد حصار السبعين
لقد اندلعت أحداث أغسطس عام 1968 بعد أشهر قليلة من انتهاء حصار صنعاء، الذي استمر سبعين يومًا، ودافع خلاله ضباط وجنود من مختلف المناطق عن النظام الجمهوري، وكان من أبرز القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بالدفاع عن العاصمة النقيب عبدالرقيب عبدالوهاب، قائد قوات الصاعقة، إلى جانب النقيب حمود ناجي قائد المظلات، والنقيب مثنى جبران قائد المدفعية، وغيرهم من الضباط الذين تولوا مسؤولية الدفاع عن الجمهورية في ظروف بالغة الصعوبة.
وفي المقابل، كان عدد من كبار الضباط الذين غادروا صنعاء خلال الحصار قد عادوا إلى مواقعهم بعد انتهاء المعارك، الأمر الذي أدى إلى توتر داخل المؤسسة العسكرية، خصوصًا مع إعادة توزيع المناصب القيادية واستعادة بعض الضباط مواقعهم السابقة.
وبحسب الروايات التي استعرضناها في الحلقات السابقة، فقد صدر قرار بإبعاد عدد من الضباط من الطرفين إلى الجزائر، وكان من بينهم عبدالرقيب عبدالوهاب وحمود ناجي وعدد من رفاقهما الذين شاركوا في الدفاع عن صنعاء، إلى جانب ضباط كبار كانوا قد غادروا العاصمة خلال الحصار.
وتبرز هنا قضية إعادة ترتيب القيادة العسكرية، وما رافقها من خلافات حول توزيع الأسلحة والصلاحيات والمناصب، باعتبارها جزءًا أساسيًا من السياق الذي لا يمكن فصل مقتل عبدالرقيب عنه.
فقد كان عبدالرقيب قد نزل إلى الحديدة في مارس 1968 لتوزيع شحنة من الأسلحة وصلت إلى الميناء، غير أن الفريق حسن العمري والعقيد علي سيف الخولاني تدخلا في عملية التوزيع، وفقًا للروايات التي أوردناها سابقًا. ثم تصاعد الخلاف بين القيادات العسكرية، وصولًا إلى أحداث أغسطس، وما أعقبها من قرارات الإبعاد إلى الجزائر.
ومن المهم هنا التأكيد على أن هذه التفاصيل تستند إلى روايات وشهادات متفاوتة في طبيعتها، بعضها صادر عن مشاركين في الأحداث، وبعضها منقول عن معاصرين، وهو ما يستدعي التعامل معها بوصفها مادة تاريخية تحتاج إلى المقارنة والتحقيق، لا بوصفها جميعًا وقائع مثبتة بالدرجة نفسها.
هل كان عبدالرقيب يمثل خطرًا عسكريًا على صنعاء؟
إن السؤال الذي تثيره شهادة القاضي الإرياني هو: هل كان عبدالرقيب، بعد عودته إلى صنعاء، يخطط بالفعل لقيادة تمرد عسكري أو الانسحاب بقواته إلى عدن، كما ورد في الرواية الرسمية؟
أم أن وجوده في موقع عيبان، ثم انتقاله إلى منزل العقيد علي سيف الخولاني، كان نتيجة لظروف أمنية فرضتها إعادة ترتيب القيادة العسكرية، وما رافقها من مخاوف على حياته؟
تذكر بعض الشهادات التي عرضناها في الحلقات السابقة أن عبدالرقيب عاد إلى صنعاء وهو غير مسلح إلا بمسدسه، وأنه لم يكن يقود قوة عسكرية كبيرة، بل كان في وضع مختلف عن وضعه السابق حين كان يتولى قيادة قوات الصاعقة ورئاسة أركان الجيش.
وإذا صحت هذه الروايات، فإنها تثير تساؤلًا حول مدى اتساق اتهامه بالتخطيط لتهديد صنعاء مع سلوكه عند عودته، خصوصًا إذا ثبت أنه حضر إلى قيادة الدولة بناءً على استدعاء، ثم وجد نفسه موقوفًا في مكان تابع للحرس، قبل أن يتمكن من الفرار.
غير أن الوصول إلى نتيجة نهائية يتطلب تحديد عدد الجنود الموجودين في المواقع العسكرية، وطبيعة تسليحهم، والأوامر التي كانت صادرة إليهم، وما إذا كانت هناك وثائق أو تقارير عسكرية تثبت وجود خطة للتمرد أو الانسحاب إلى عدن.
ثانيًا: شهادة اللواء حسين المسوري
أما الشهادة الرسمية الثانية، فهي للواء حسين المسوري، كما جاءت في مذكراته الموسومة بـ«أوراق من ذكرياتي»، تحت عنوان جانبي: «عودة عبدالرقيب عبدالوهاب»، فيقول:
"ولسوء حظهم وتعاسة تفكيرهم عادوا إلى عدن، وبعد مدة وجيزة من عودتنا إلى الوطن فوجئنا بعودة عبدالرقيب إلى صنعاء، ويوجد في موقعي عيبان وظفار في صنعاء توجد قوة الصاعقة، ومن هذين الموقعين هدد بضرب صنعاء، لقد عاد عبدالرقيب من عدن إلى المواقع العسكرية دون أن يفقه تغير الأمور من بعد خروجه من مركز القرار وتغيير القيادات والأشخاص الذين عرفهم، وأعاد تحدي الدولة والقيادة العامة للقوات المسلحة.. وهدد بضرب صنعاء" (أوراق من ذكرياتي، ص218-219).

وتثير هذه الشهادة بدورها عددًا من التساؤلات، إذ يذكر اللواء حسين المسوري أن عبدالرقيب عاد إلى المواقع العسكرية، وأنه هدد بضرب صنعاء، لكنه لا يحدد بصورة تفصيلية طبيعة القوة الموجودة في الموقعين، ولا يقدم في النص الذي أوردناه توضيحًا بشأن عدد أفرادها أو نوع الأسلحة التي كانت بحوزتها، أو الكيفية التي تم بها توثيق هذا التهديد.
كما أن الشهادة لا تتطابق تمامًا مع شهادة القاضي الإرياني في بعض تفاصيلها، الأمر الذي يجعل المقارنة بين الروايتين أمرًا ضروريًا لفهم طبيعة الاتهامات التي وجهت إلى عبدالرقيب.
فالقاضي الإرياني يتحدث عن احتمال انسحاب قوات الصاعقة والمظلات إلى عدن، بينما يتحدث المسوري عن وجود قوة في موقعي عيبان وظفار وتهديد بضرب صنعاء. وبين الروايتين، تظل هناك حاجة إلى معرفة ما إذا كان الحديث يدور عن قوة واحدة، أم عن وحدات مختلفة، وما إذا كانت هذه القوات تتلقى أوامر من عبدالرقيب في تلك المرحلة.
التناقض بين الروايتين والأسئلة التي تفرضها
إن مقارنة شهادة القاضي الإرياني بشهادة اللواء حسين المسوري تكشف عن نقاط تستحق البحث، دون أن تعني بالضرورة أن إحدى الروايتين صحيحة بالكامل والأخرى خاطئة بالكامل.
فالرواية الأولى تربط عبدالرقيب بخطة محتملة للانسحاب إلى عدن، بينما تركز الرواية الثانية على اتهامه بتهديد صنعاء. وفي كلتا الحالتين، لا نجد في النصين اللذين أوردناهما تفاصيل كافية تثبت طبيعة الخطة أو حجم القوة العسكرية أو الأدلة التي استند إليها الاتهام.
ومن هنا تبرز أهمية الرجوع إلى الوثائق العسكرية والإدارية، وقرارات التعيين والإبعاد، وأوامر القيادة العامة، وأي تقارير رسمية تتعلق بعودة عبدالرقيب إلى صنعاء، واستدعائه إلى الفريق حسن العمري، ثم فراره إلى منزل العقيد علي سيف الخولاني.
كما أن شهادة القاضي الإرياني تتضمن نقطة مهمة حين يقول إن الروايات اختلفت في كيفية مقتل عبدالرقيب، وينقل عن العقيد علي سيف الخولاني قوله إنه انتحر. وهذا الاختلاف نفسه يستحق التحقيق، خصوصًا أن روايات أخرى، نقلها معاصرون وشهود، تتحدث عن مقتله في منزل الخولاني، أو عن تعرضه لإطلاق نار من مجموعة مسلحة، ثم سحل جثمانه إلى ميدان التحرير.
ثالثًا: روايات مقتل عبدالرقيب وسحل جثمانه
تتعدد الروايات التي تناولت ظروف مقتل عبدالرقيب عبدالوهاب، وتختلف في تفاصيلها اختلافًا كبيرًا.
فإلى جانب الرواية التي أوردها القاضي الإرياني، والتي تنقل عن العقيد علي سيف الخولاني قوله إن عبدالرقيب انتحر، توجد روايات أخرى تفيد بأنه تعرض لهجوم مسلح داخل منزل الخولاني، وأنه قاوم المهاجمين بمسدسه، قبل أن يُقتل بعد نفاد ذخيرته.
كما تتحدث بعض المرويات عن سحل جثمانه إلى ميدان التحرير والتمثيل به، وهي رواية وردت في شهادات ومقالات متعددة، لكنها تحتاج إلى توثيق مستقل، من خلال الشهود المباشرين والصور والوثائق المتاحة.
ومن بين الروايات التي تستحق البحث ما نُقل عن أحد المعاصرين، الذي تحدث عن رؤية جثمان عبدالرقيب وهو يُسحل تحت حراسة عدد من الضباط، وأشار إلى وجود صورة توثق الواقعة. وإذا كانت هذه الصورة موجودة بالفعل، فإن التحقق من أصلها وتاريخها ومكان التقاطها، ومقارنتها بشهادات شهود العيان، يمكن أن يسهم في إضاءة جانب مهم من القضية.
ولا يمكن التعامل مع هذه الروايات باعتبارها متساوية في درجة التوثيق، كما لا يجوز الجزم بصحة تفاصيلها جميعًا قبل إخضاعها للتحقيق والمقارنة.
هل كان مقتله نتيجة لصراع داخل المؤسسة العسكرية؟
إن الظروف السياسية والعسكرية التي أحاطت بمقتل عبدالرقيب تجعل من الضروري النظر إلى القضية ضمن سياق الصراع الذي شهدته الجمهورية اليمنية بعد حصار السبعين.
فقد كان عبدالرقيب أحد الضباط الذين برز دورهم خلال الدفاع عن صنعاء، ثم وجد نفسه بعد انتهاء الحصار في قلب خلافات عسكرية وسياسية حول القيادة والصلاحيات وإعادة ترتيب المؤسسة العسكرية.
وكان إبعاد عدد من الضباط إلى الجزائر، ثم عودة بعضهم إلى صنعاء، من الأحداث التي أثارت تساؤلات حول طبيعة التسوية التي تمت بين الأطراف المتصارعة، وما إذا كانت قد أدت إلى إقصاء بعض القيادات التي لعبت دورًا أساسيًا في الدفاع عن الجمهورية.
ومن هذه الزاوية، فإن مقتل عبدالرقيب لا ينبغي أن يُدرس باعتباره حادثة منفصلة عن الصراع على مستقبل المؤسسة العسكرية والنظام الجمهوري، بل باعتباره واقعة تحتاج إلى قراءة شاملة في ضوء القرارات السياسية والعسكرية التي سبقتها.
لكن الربط بين تلك الأحداث وبين وجود مؤامرة محددة لتصفية عبدالرقيب يتطلب أدلة ووثائق وشهادات مباشرة، لا مجرد الاستنتاج من تسلسل الأحداث أو تشابه بعض تفاصيل الروايات.
رابعًا: مسؤولية الدولة عن التحقيق في مقتل عبدالرقيب
من الأسئلة التي تفرض نفسها بقوة: هل أُجري تحقيق رسمي شامل في مقتل عبدالرقيب عبدالوهاب؟ وهل جرى تحديد المسؤولين عن الواقعة، وتوثيق ظروف مقتله، والتحقق من الروايات المتناقضة التي تحدثت عن انتحاره أو مقتله على يد مجموعة مسلحة؟
إن أهمية هذه الأسئلة لا تنبع من مكانة عبدالرقيب العسكرية فحسب، بل من طبيعة المرحلة التاريخية التي شهدت الواقعة، ومن ضرورة أن تكون الدولة قادرة على حماية حقوق مواطنيها، والتحقيق في الجرائم التي تقع داخل مؤسساتها، مهما كانت مواقع الضحايا أو المتهمين.
فإذا ثبت أن عبدالرقيب قُتل خارج إطار القانون، فإن ذلك يستدعي مساءلة قانونية وتاريخية، كما أن أي ادعاء يتعلق بالتمثيل بجثمانه أو سحله يحتاج إلى توثيق وتحقيق، حتى لا تبقى القضية رهينة الروايات المتعارضة.
إن العدالة لا تتحقق بطمس الوقائع، ولا بتقديم رواية واحدة باعتبارها الحقيقة النهائية، وإنما بالبحث عن الأدلة، والاستماع إلى الشهود، ومراجعة الوثائق، وإتاحة المجال أمام المؤرخين والباحثين لتقصي الحقيقة دون خوف أو محاباة.
خاتمة: عبدالرقيب عبدالوهاب بين الذاكرة والتاريخ
لقد كان عبدالرقيب عبدالوهاب واحدًا من الضباط الذين ارتبطت أسماؤهم بالدفاع عن صنعاء خلال حصار السبعين، وبالمرحلة المبكرة من بناء الجمهورية اليمنية. وقد اختلفت الروايات حول دوره في الصراع العسكري الذي أعقب الحصار، كما اختلفت في تفسير ظروف مقتله.
وبينما تقدم الرواية الرسمية التي نقلها القاضي الإرياني واللواء حسين المسوري صورة تربط عبدالرقيب بالتمرد أو تهديد صنعاء، تقدم شهادات أخرى صورة مختلفة تركز على الصراع داخل المؤسسة العسكرية، وعلى احتمال تعرضه للتصفية في سياق ذلك الصراع.
والحقيقة التاريخية لا تُحسم بمجرد الانحياز إلى رواية دون أخرى، وإنما تحتاج إلى فحص الأدلة ومقارنة الشهادات وتحديد ما هو ثابت، وما هو محتمل، وما يظل في دائرة الادعاء الذي لم يثبت بعد.
إن عبدالرقيب عبدالوهاب يستحق أن تُدرس سيرته ودوره في الدفاع عن الجمهورية دراسة موضوعية، بعيدًا عن التوظيف السياسي أو المناطقي، وأن تُبحث ظروف مقتله باعتبارها قضية وطنية وتاريخية تتعلق بحق المجتمع اليمني في معرفة ما جرى خلال مرحلة تأسيس الجمهورية.
وإذا كانت هناك وثائق أو صور أو شهادات مباشرة يمكن أن تسهم في كشف الحقيقة، فإن نشرها والتحقق منها، عبر منهج علمي وتاريخي، يظل خطوة ضرورية لإنصاف الذاكرة الوطنية، ووضع الأحداث في سياقها الصحيح.
رحم الله عبدالرقيب عبدالوهاب، وكل من ضحوا دفاعًا عن الثورة والجمهورية، وجعل تاريخ اليمن مجالًا للبحث الصادق، لا للطمس والتزييف.



