الثلاثاء 19 مايو 2026
  • الرئيسية
  • عبدالكريم الرازحي.. السخرية بوصفها صوتًا للإنسان وفضحًا للواقع

عبدالكريم الرازحي.. السخرية بوصفها صوتًا للإنسان وفضحًا للواقع

عبدالكريم الرازحي.. السخرية بوصفها صوتًا للإنسان وفضحًا للواقع

في المشهد الثقافي العربي، ثمّة كتاب يُشيدون قصورًا من اللغة، وثمّة من يختار هدم السقوف الزائفة ليكشف الواقع الإنساني، ويُكاشف الهموم التي يعيشها المجتمع. في هذا السياق، يبرز عبدالكريم الرازحي بوصفه أحد أبرز كتاب الأدب الساخر في اليمن، حيث شكل طوال سنوات حالة فكرية متفردة، حتى وإن كان يرى في توصيفه بـ"المناضل" إساءة لا تليق بطبيعته الساخرة.

على امتداد نحو نصف قرن، نجح الرازحي في تحويل السخرية من مجرد أداة للتندر إلى وسيلة حية وفاعلة، أعاد من خلالها تشريح بُنية التخلف والقبيلة والاستبداد السياسي. وفي عمله الأحدث "أبو الروتي" (القاهرة، 2026)، يعود بالقارئ ليرمم ذاكرة المكان، متنقلًا بين عدن وريف تعز، ليقدم شهادة إنسانية عن يمنٍ يُعاد تشكيله في أتون التحولات الكبرى.

من التمرد إلى تشكل الصوت الخاص


لم يكن الرازحي يومًا أديبًا تحت الطلب أو في خدمة الحاكم، بل ظل دومًا خارج الاصطفافات الجاهزة. وتختصر تجربته مع سجن القلعة في صنعاء هذا التمرد المركب؛ وهو سجن قديم من السجون التقليدية المرتبطة بالحصون ومراكز السلطة، عُرف تاريخيًا باحتجاز المعارضين. ولقد اعتُقل الكاتب مرتين: مرة لمشاركته في مظاهرة، وأخرى لرفضه المشاركة في أخرى!
هذا التناقض الظاهري يعكس في جوهره موقفًا وجوديًا رافضًا للامتثال، وهو ما منح نصوصه تلك النبرة الخاصة التي باتت تُعرف بالرازحية، ففي كتاباته الشعرية، كما في "الاحتياج إلى سماء ثانية" وطفل القواري، يقدم الرازحي صياغة الموقف الصوفي من داخل تجربة المعتقل اليمني، بوصفه أحد الأدباء الذين تعرضوا للقمع والسجن.

تفكيك الوعي من القبيلة إلى الاستعباط السياسي


في كتابه الأشهر "قبيلي يبحث عن حزب"، أو نسخته الأعمق "قبيلي يبحث عن دولة"، لا يقدم الرازحي مجرد نقد سياسي مباشر، بل يُحدث صدمة في الوعي الجمعي. وعبر استعارة حمار أغادير، يبتكر بوصلة فلسفية ساخرة تعيد الاعتبار للعقل في مواجهة غطرسة القبيلة وسطوة الأيديولوجيا.

قبيلي يبحث عن حزب

لا يكتفي الرازحي بوصف الواقع، بل يعيد تعريفه، معتبرًا أن الحرية في الأوطان الضيقة قد تتحول إلى قيد متنكر، وأن الزنزانة أحيانًا تمنح الإنسان رفاهية أن يكون حرًا من زيف الخارج.

مرة أخرى إلى "أبو الروتي": التعري بوصفه مقاومة


في "أبو الروتي" لا يكتب الرازحي سيرة ذاتية لتجميل الذات، بل يمارس الفضح بوصفه فعلًا تطهيريًا. يستدعي شخصية عبدالكريم الكاتب الساخر، ويستعيد صورة الطفل الذي يجمع بقايا الخمر من قوارير الشواطئ، محطمًا بذلك الصورة النرجسية التقليدية للأديب.
التعرية المستخدمة في الكتاب ليست مجرد اعتراف وحسب، بل هي موقف مقاوم ضد مجتمع يقدس المظاهر، ويخفي عيوبه خلف أقنعة الفضيلة.
سيرة الرازحي هنا تشبه الروتي اليمني: رغيف بسيط في شكله، لكنه مشبع بمرارة الواقع في جوهره، ومحمل بحكايات الجوع والكرامة معًا.

ابو الروتي

لا يهم القالب الذي يصب فيه الرازحي مداده، فالمذاق دائمًا رازحي بامتياز. ذاك المبدع الذي يخوض مغامرة التجريب في كل اتجاه، دون أن يفقد بوصلة هويته الإبداعية التي تجعل من أعماله المتفرقة نسيجًا واحدًا وواضحًا لكل من يتابعه أو يقرأ له.
في المسرح فضح سطوة المال في الفلوس، وعرى البنية القبلية في القبيلة، وفي القصة اقترب من تخوم الموت كما في موت البقرة البيضاء. أما في المقالة، فقد تحولت كتاباته إلى مادة يومية يتغذى عليها القارئ لما تحمله من جرأة وصدق.
لقد ظل الرازحي وفيًا لميثاقه الأول: أن يكون صوتًا لمن لا صوت لهم، وأن يجعل من الكتابة مرآة تعكس ملامح وطن مثقل بالتناقضات. وحتى في أحلك اللحظات حين يغرق الوطن في العتمة، كان يحول الظلام إلى مساحة للرؤية، لا للانطفاء.
ما نجزم على قوله هو أن عبدالكريم الرازحي هو الأديب الذي لم تُفسده المناصب والمغريات، والقبيلي الذي صقلته الفلسفة، والكاتب الذي أثبت أن السخرية قد تكون أرقى أشكال المواجهة. قراءتنا له اليوم لم تعد ترفًا ولا مديحًا ثقافيًا، بل ضرورة لفهم كيف يمكن لإنسان واحد، مسلح بذاكرة خبّاز وعقل فيلسوف، أن يواجه عصورًا من الظلام... بضحكة واحدة، لكنها مدوية.