الأحد 17 مايو 2026
  • الرئيسية
  • عبدالرحمن منيف وروايته: مدن الملح.. تقاسيم الليل والنهار(2-3)

عبدالرحمن منيف وروايته: مدن الملح.. تقاسيم الليل والنهار(2-3)

عبدالرحمن منيف وروايته: مدن الملح.. تقاسيم الليل والنهار(2-3)

يَصف هاملتون حَالَهُ؛ وهو على ظهر نَاقَتِهِ يَجُوبُ الصَّحرَاء؛ يَتصوَّر نَفسَهُ أحيَانًا أحمق؛ وفي أحَايينَ كَثيرةٍ نَبيًّا يُبَشِّرُ بِدينِ الغَرب، ويريد لهذا الدِّين أن يَعُمَّ وَيَسُود(1).
يرى في العرب الشَّاهِد على وُجُود الإنسان القَديم. قال لأبيه: «لا يمكن مَعرِفَة الغَرب دون مَعرِفَة الشَّرق».


وَرَدَّ وَالدُهُ: «خُلِقَ الشَّرق لِيكُونَ مَلعبًا لِخُيولِنَا وَفًرسَانِنَا»(2).

وَيُرَدِّد: «لَيسَ الشَّرق مُجرَّد مَكَان جُغرافِي، أو دِيَانَاتٍ وَطُقُوس؛ إنَّهُ كتلةٌ من العناصر؛ مُزِجَت بِطَريقةٍ فَذَّة، وَرُبَّمَا تدخلت أو غَلَبتْ فيها الصُّدفَة؛ لكي يكون عَصيًّا على الفَهم».

«الشَّرق بَدء الحياة؛ وَرُبَّمَا نِهَايتُهَا. ذاكرة البشرية، وبؤرة تناقضات الحياة. ورغم هُدوئِهِ الظاهر، ففي أعماقهِ قُوَّة البراكين وجنونها. طفولة البشرية، وشيخوختها»(3).

يُقَارِن بين الشرق والغرب: «إنسان الشرق يُولَد للحياة؛ للتجربة، والموت. وفي الغرب يُولَد بِحَنين إلى النسيان».

يَرَى الشَّرقِيونَ أنفسهم شَكلاً من أشكال الطبيعة، وَامتدادًا لها. فهي جُزءٌ منهم.

حِينَ وَافقَ هاملتون على البقاء في «موران»، كَانَ يطمح إلى إقامة مملكة من طراز جديد.

ويرى في خريبط، وفنر أنموذجا هذه المملكة. وَكَانَ كَثيرَ الاتصال والتنقل بين الإمارات الصغيرة؛ وهو ما يثير قلق خريبط.

يرى هاملمتون أنَّ الصحراء كَالمَرْأَة؛ بمقدر مَا تَبدو هَادِئةً، بَسِيطةً، لَيِّنَةً، وَجَميلةً؛ فإنها بحاجة إلى الفهم، والتعاطف؛ لأنَّ لها وُجُوهًا لا حَصرَ لَهَا.

حِينَ تغضب أو تُجنّ تبدو؛ وكأن ليس لها علاقة بما كانت من قبل. وَهِيَ في الليل غيرها في النهار، وفي الشِّتَاء غيرها في الصَّيف. إنها هي ذاتها، ولا تشبه نفسها.

أبَدًا تتغير.. في كُلِّ لحظة تتكون.. في كُلِّ لحظة عالم في مرحلة التكوين المستمر(4).

يقرأ إنسان الصحراء. يَجُوب «مورانَ» من أقصاها إلى أقصاها. يعرف الأماكن، والبشر، والأشياء. وَاختَبرَ الذِّئابَ المتنافسة..

كَتبَ إلى رؤسائه ما يلي: «خريبط يُعتَبر أصلح المتنافسين؛ لأنه يعترف بالجميل الذي أسديناه له؛ وأكثرهم ذَكَاءً وَاستعدادًا. ثُمَّ إنَّ القُوَى التي تسانده، ويمكن أن يحركها= تشتعل بِحماسةٍ دِينيَّة منقطعةَ النظير.

وهذه الميزة الأخيرة لا تتوافر لمنافسيه؛ وهي ذات تأثير كبير في مُوران إذا أحسن استخدامها، والاستفادة منها». وَلَم يتأخر رؤساؤه في تأييد وجهة نظره(5).

اندمج هاملتون بالبدو؛ لكأنه وَاحِدٌ منهم. اختلط بهم في المَأكَل وَالمَشرَب. تَعلَّمَ العادات والتقاليد، وَخَلعَ الزِّيَّ الأوروبي، وَلَبِسَ المَلابسَ البدوية.

نَقَلَ للسلطان موافقةَ بريطانيا على ضَمِّهِ بعض الإمارات؛ وَيُستَحسَن أن يكون ذلك عَبرَ الضَّغط، والإقناع، والإغراء.

قَالَ للسلطان: «إنَّهُ قَرَأَ في بعض الكتب أنَّ مَنْ يُريد أن يَضعَ يَدهُ على ممتلكات جَديدة، وَيَودّ الاحتفاظ بها أن يَجعلَ نُصْبَ عَينيهِ دَائِمًا أمرين:

أوَّلُهمَا: إبادة الأسرة الحاكمة.

وَثانيهِمَا: عدم إحداث تبدل جوهري في قوانين هذه الممتَلكَات، وضرائبها».

والسلطان الذي كان يَهُزُّ رَأسهُ، كَانَ مُنتشيًا بِنَصرِه. كَانَ يُطبِّق غَريزيًّا ما قاله هاملتون(6).

طَلَبَ السُّلطان من هاملتون الاهتمام بفنر، وإبعاده عن خَالهِ عمير. بدأ هاملتون الحوار مع فنر، وَكَأنَّهُ طبيب نفسي؛ بتشجيعه على الكلام. طَرحَ الأسئلةَ المتعلقة بحياته، وما يجب وما لا يجب.

وَيَدور صِراعٌ خَفِي بين إرادة الأب، وإرادة الخَال. فالخال يريد ربطه بنهج أسرة الأمِّ، والجدِّ عوض السلفي؛ في حين يريد الأب إبعاده عن هذا المنهج.

وَيَكونُ التأثير الحاسم لهاملتون، ولزياراته الخارجية، وبالأخصِّ لبريطانيا؛ وهو ما اقترحه هاملتون، وَجَرَى.

يَسرُدُ هاملتون رحلتهما بالباخرة إلى الإسكندرية، وَمَرَضَ فنر، وإصرار هاملتون على رحلة البحر؛ وقد اكتسب فنر مَنَاعةً، وَتَعَافَى. لا يحب فنر التَّحدُّثَ عن رِحلتهِ الأولى؛ فهي مُحرِجَةٌ له.

قبل معركة «الحويزة» تُكتَشَف مؤامرة لاغتيال خريبط، وَيُعدَم خَمسةٌ من المناوئين، وَشَارَكَت الشيخة زهوة في المعركة، ووقع خزعل في كمين، وَأُسِر.

وَكَانَ هَمُّ السلطان في الانتصار أكبر من اهتمامه بِالأسرى. وبمقدار رغبة هاملتون في الاشتراك في الحرب، بمقدار رفض السلطان ذلك؛ للخوف عليه؛ ولاعتبارات أخرى.

وَبَعدَ المعركة سَافَرَ هاملتون، وَمَاتَ الشَّيخ عوض. وَقَد حَزِنَ السُّلطان على الوفاة؛ إذ كانت في التوقيت الذي أرادَ الزواجَ به؛ وهذا مَا أحزنَهُ أكثر من حُزنِهِ لوفاة الشيخ عوض. وقد نَصَبَ عمير نَفسهُ عَميدًا للأسرة.

زيارة فنر الأولى إلى بريطانيا كَانت ثقيلة، وأقرب إلى الواجب. أمَّا زيارته الثانية، فقد تخلى فيها عن ملابس البادية، وَكَانَ سَعيدًا لفعل ذلك، وَشَعرَ بتجربة أكبر حين اقترح هاملتون أن يقضوا وَقتًا أطول في الرِّيف.

قَالَ له هاملتون: «إذا تَعَلَّمتَ الإنجليزية سوف تتفوق على جميع إخوانك».

وقد وَاَفقَ؛ لرغبته في التفوق على إخوانه، وعلى خزعل بِخَاصَّة.

إقامته لدى عمة هاملتون: «ماركو»، أفادته كَثيرًا؛ سَوَاء في تَعَلُّم اللغة، أو طيب الإقامة، أو البرامج اليومية التي أعَدَّتهَا له ماركو. ورغم تَعَلُّم الإنجليزية، إلا أنَّهُ ظَلَّ نَفُورًا من استعمالها، وَكَانَ مَشدودًا للهجته البدوية.

يتناول شخصية «عويد المشعان». وهي شخصية مُحَيِّرَة تُثيرُ عَواطفَ مُتناقِضَة. لا يكاد يلتفت إليه من لا يعرفه. تخوف الأمهات أبناءَهَا باسمه؛ لتجبرهم على النَّوم، أو الصَّمت.

يَعِفّ عن الغنائم، وَكَثيرًا ما يدور الحديث عن شجاعته وقسوته. يتعامل مع السلطان بطريقة مختلفة.

السلطان مُعجَبٌ به. وهو -مع ذلك- شَدِيدَ الحَذَرِ منه. دَارَ حَديثٌ بين السلطان وهاملتون عنه؛ لأنَّهُ شديد النفور من هاملتون.

اتفق السُّلطان، ودحيم، وهاملتون على أهمية، وضرورة التعامل مع عويد، ووجوب الحَذَر منه.

وَالوَاقع أنَّ عويد مشعان، وابن مياح، وعمير هم الثلاثة الذين قَادُوا تَمَرُّد «الإخوان».

وقد أورد أسماء هؤلاء الثلاثة المؤرخون؛ ومنهم «فاسييليف»، في «تاريخ العربية السعودية»، وأورد آخرين غيرهم كَـ: فيصل الدويش- شيخ مطير، وَسُلطان ابن حميد بن بجاد- شيخ عتيبة، وضيدان ابن حثلين- شيخ العجمان.

وَقَد قَادَ هؤلاء الثلاثة انتفاضة الإخوان أواخر عشرينات القرن الماضي؛ مُتَّهِمينَ الملك عبدالعزيز آل سعود ببيع البلاد للإنجليز، والانحراف عن الجهاد (الكاتب).

محاولات دحيم- صديق عويد، وجهود السلطان؛ لإقناع عويد بسلامة نوايا هاملتون= تَذهب أدراج الرياح، ويقابلها بِالسُّخريَّة. وحتى عندما ينقلونَ إليه رغبته في الإسلام يَضحَك بِسُخرِيَّة.

كان الإخوان يَرغبونَ في استمرار الجِهَاد المُقَدَّس، والاستيلاء على جُلِّ مناطق الخليج، وتهديد العراق، والأردن، وسوريا، واليمن؛ وَهُوَ مَا كَانَ تَعبيرًا عن نوازع عبدالعزيز أيضًا، إلا أنَّ ارتباطه بالإنجليز الذين كَانُوا يرسمون حُدودَ المنطقة المستعمرة، ويتحكمون في مَدَى قُوَّةَ الحاكم الجديد ابن سعود، وإدراكه لذلك؛ يمنعه من تجاوزه، عَكس قادة الإخوان.

وقصته مع السفير كُكُس مُثيِرة؛ وقد أشار إليها منيف، وَأشَارَ إليها بتفصيل أوضح المؤرخ فاسيليف في كتابه «تاريخ العربية السعودية» (الكاتب).

بدأت «موران» تحتل مكانتها في المنطقة. فالوفود تقصدها من مختلف المناطق، والتوسع والنفوذ يَزداد، وَالسُّلطَان وابنه خزعل يَتَسابقَان على التزوج من بنات القبائل لكسب الولاء.

قال دحيم لعويد المشعان: «إنَّ الرجل يريد الدخول في دِين الإسلام -يقصد هاملتون- ويجب أن نساعده».

قال عويد لنفسه: «جماعتنا نهوشهم هذي الأيام بالعصا، وينهزمون. وهذا جاي من تلفات الدنيا، ويريد يصير مسلم. ما ندري نصدق من، والامِن؟ لكن بتوالي الليل تجينا العلوم، وبعدها نشوف»(7).

كان خريبط حَادّ الذكاء، شَديد المكر، ويعرف كيف يتعامل مع البريطانيين. يتخوف كَثيرًا من تكرار زيارات هاملتون للأمراء الصِّغَار في الجوار، ويترقب بِتَوجُّس نتائج زياراته للندن، وَيُبقِي الحَذَر دَائِمًا حَاضِرًا.

يُكثِر مِنْ التَّكتُّم والمكر. ولكي يخلق السلطان جَديدًا، يختار مجموعات خاصة من الرِّجَال الذين يثق بهم، وَالمَملُوئين شَراسَةً وَحَمَاسَةً وهَوَسًا= يرسلهم في مهمات زعزعة أمن الجوار، وقطع الطرقات، وأعمال السَّلب والنهب، واختراق الحدود، ويجري اللجوء إليه؛ لِتأديبَ العُصَاة، وقطع دابر الأشقياء، وقاطعي الطريق؛ فَيبدي تَمنُعًا؛ مُتذرِعًا بصعوبة هذه المهمة، أو عدم قدرته على القيام بها. وَبَعدَ الكثير من الإلحاج والضغط، ولقاء مقابل كبير؛ يَتمَّ الوصول إلى أكثر من اتفاق.

يقول هاملتون لنفسه: «هؤلاء البدو لا يَعملونَ شَيئًا دُونَ مُقابِل»(8).

يعرف هاملتون جَيِّدًا أنَّ خريبط وَراءَ كُلِّ ذلك، ولكنه لا يملك الدليل، ولا يَستطيع أن يَعملَ شَيئًا.

وَينخرط فنر في اللعبة، ويبرز بَراعةً فائقة تكون مَحلَّ ترحيب أبيه المشغول بَالُهُ بتزويجه، ورضا وقبول هاملتون.

يكون اجتماع في «موران» يَضُمُّ كِبَارَ العائلة، وزعماء العشائر، وشيوخ الدِّين، وعدد من التُّجَّار، والوجهاء، والمستشارين؛ للحرب ضِدَّ «العوالي»، ورئيسها ابن ماضي.

زُعَمَاء العَشَائِر، والأسَر، وَشُيوخ الدِّين مندفعون للحرب، وخريبط معهم، ولكن البريطانيون مُتَريثوُن.

سَألَ خريبط فنر عن رأيه في هاملتون؛ فَرَدَّ عليه: «العالم يا بويه ما عاد بس موران واللي حول موران. العالم كبير. وهذا العالم تَحكمهُ القُوَّة. وأنت تعرف الإنجليز، والأتراك، والرُّوس، والألمان. كُلّ وَاحِدَة من هذه رَوَّضَت العالم، وَسَوَّتْ اللي يصير.

كَانَت تركيا أول وأقوى كُلّ الدول، لكن زمانها فَات. وكان الألمان أصحاب الصناعة: الدرابيل، والسيارات، وسكك الحديد وغيرها، أهل العلم والقوة، وَالرُّوس نفس الشيء.

هَا الحِين الإنجليز عندهم الأساطيل، وعندهم المدافع؛ وهم أهل السيارات، والطيارات، والبلاد التي تتبعهم ما تغيب عنها الشَّمس. والواحد لا زم يتفاهم معهم؛ لأنهم الأقوى والقادرين».

بريطانيا أهَمّ وأكبر وأقوى دولة في العالم، ولا يمكن لأحد أن يعاديها؛ أن يقف في وجهها. وأنت تعرف أسطولها مئات السفن»(9).

سَأَلَ خريبط هاملتون: «جماعتكم يريدونا، أم يريدون غيرنا؟».

رَدَّ عليه هاملتون: «بريطانيا يا صاحب الجلالة تضع كُلّ ثقلها وثقتها إلى جانب جلالتكم، ويجب أن تتأكدوا من ذلك.. حِنَّا ما عاد بنا صبار، ويلزم نتحرك. هذا ما جئت؛ لكي نتفق عليه، ونقرره يَا صَاحِبَ الجلالة»(10).

عُقِدَت عِدَّة جلسات بين السُّلطان، وهاملتون وَحدَهُمَا؛ وبكثير من الاهتمام وَالصَّبر وَالدِّقَّة. وَبَعدَ مراجعة الخرائط، ومعرفة مستلزمات الحَمْلَة، وتسمية قادة الجند، وَأيّ الطُّرُق يسلكون= تَمَّ الاتفاق على مهاجمة «العوالي»، وانتزاعها من ابن ماضي(11).

وَبُعِثَت رسائل إلى عَدَدٍ من الدول، والمجموعات، والأصدقاء، وَاتُفِقَ أن يكون هاملتون إلى جانب ابن ماضي بحجة التفاوض؛ في حين يكون الاجتياح بطيئًا وَمُتَدرِّجًا.

وَكَانَ هاملتون في صورة خطط ابن ماضي.

عويد، وابن مياح يحسبونها ركضة عرب، ويريدونها بيوم والثاني.

الأعمى حميد الشايع الذي لا يدري أحد كيف تمكن من حُضور الاجتماع، وَسَجَّلَ اعتراضه على اجتياح «العوالي»؛ تَعَرَّضَ للضرب المُبَرِّح بعد انتهاء الاجتماع، ثُمَّ أخِذَ وَاختَفَى.

بَعَثَ دحيم- عم السُّلطان برسالةٍ سِريَّة إلى خريبط عن خطط ابن مياح؛ وهي الخطط التي ترتبت عليها نتائج خطرة في اجتياح منطقة «السَّمحَة»، واستباحتها، وارتكاب جرائم حرب كان لها رُدُود دولية، وإنسانية كبيرة.

لم يَردَّ السُّلطَان على الرِّسَالة. والباحث الذي دَوَّن جَرائمَ ابن مياح قُتِلَ بعد عَامٍ من إعداد البحث، وَأُحرِقَ البحث.

ويدور جَدلٌ وَاسع حول ما يجري. ولماذا لم يَردَّ السلطان على رسالة عمه؟

فَكُلّ الدلائل تُشِير إلى تَسلُّمِهِ الرسالة؛ وهي تُحذِّر من تحرك ابن مياح إلى «السَّمحَة»، واستباحتها، واقتراف جرائم حرب، وَكَان يُهدِّد بجعلها أثرًا بعد عين.

كَانَ ابن مياح يريد أن يكون المنتصر الأول والأقوى، والسلطان يريد أن تنتهي الحرب منذ أيامها الأولى، وهدفه أن يكون هو المنتصر وحده، والسُّلطان؛ وَلِذَلكَ نَسِيَ الردَّ على رِسَالة عَمِّه.

البوليس الذي حَقَّقَ في مَقتَل الباحِث في جرائم «مَجزَرة السَّمحَة»، وَجَمعَ الأوراق، وجميع الأدوات الجرمية، والثياب، والأغطية الملطخة بالدماء، وبصمات الأصابع، وجميع الأوراق؛ ضِمنَ ما جمع= تَأكَّدَ لديه معرفة السلطان بذلك.

وَقِيل: إنَّ البوليس حِينَ سُئِلَ عن الأوراق، كانت الإجابة: أنه لا يهتم أبدًا بالأوراق، والكتب، ولا بالأفكار، القاتل، أو القتيل؛ لأنها لا تعني له شَيئًا، كما أنها ليست من اختصاصه. وقيل: الأوراق والكتب بِيعَت(12).

أحد الذين كتبوا سِيرةَ السلطان كَتبَ بعد سَبعِ سنينَ ما يلي:

«ابن مياح ذلك المتعصب الضَّيق الأفق، والذي كان يمتلئ غُرورًا وَطُموحًا لم يمتثل لأوامر السلطان؛ إذ اندفع كَمَا تندفع الحيوانات الهائجة، واستغل عُنصرَ المفاجأة؛ لِيُهاجِمَ السَّمحة، وكانت جنود حاميتها في غفلة عَمَّا يجري. إضافةً أنَّ حَاميتها قليلةَ العدد. لم تَدُمْ المعركة سِوَى سَاعات.

اندحرت الحامية، وَأعلِنَ التسليم، لكن ابن مياح طَلبَ من جنوده أن يلاحقوا الأعداء ويفنوهم عن بكرة أبيهم، وَنَفَّذَ الجُنود الأوامر»(13).

وَيُذكَر أنَّ مذبحةً رهيبةً شهدتها «السَّمحَة»، وَأنَّ جنود ابن مياح دخلوا كالسَّيل الجارف يُكَبِّرُونَ وَيَهزِجُونَ، وَيُطلِقُونَ بنادقهم في الفضاء والأسواق، وَقَتلوا عَددًا من الأبرياء؛ كسروا الأبواب، ودخلوا البيوت، وقتلوا وسلبوا.

أمَّا هاملتون، فكتب بعد أعوام: «لَم يَلقَ جيش موران مُقاومةً تُذكَر، وحين اندحر جيش العوالي، فَرَّ الآلاف من السُّكَّان مع المصطافين، وَطَاردَ جيش موران القوات المتقهقرة واللاجئين؛ فقتلوا جميع الشاردين، وَفَرَّ حينئذ ابن ماضي في حالة من الاضطراب، وَأعملَ ابن مياح السَّيف في سُكَّان السَّمحَة، وإخضاعهم لحكم إرهابي، وَنَهبَ جَيشهُ كُلَّ بيت، وكُلَّ إنسان»(14).

أمرَ ابن مياح بجمع السِّلاح، وتفتيش البيوت، وإخراج الأهالي؛ فَسيقَ الرِّجَال والنساء إلى حديقة لِمُدَّة ثلاثة أيام، وَسُمِحَ بعدها لِمَنْ أرادَ مُغادرةَ المدينة، وَكَانتْ معركة السَّمحَة معركة البداية والنهاية(15).

الذين أكَّدُوا أنَّ الإنجليز لن يسمحوا بتقدم قوات خريبط اكتشفوا أنهم كانوا مُخطِئين. فالإنجليز هم الذين طلبوا من خريبط أن يغزو «العوالي».

الأموال التي صُرِفَت والأسلحة التي ظهرت، إضَافةً إلى عدد من المستشارين، ومدربي الجنود على المدافع الجديدة= تَمَّت بموافقة الإنجليز(16).

ولم يكن السُّلطَان بَعيدًا عن «مَذبَحَة السَّمحة»؛ بِعَدم الرَّد على رسالة عَمِّهِ (الكاتب).

التعاطف الدولي كَانَ قويًّا، ورسائل القناصل كانت فَيَّاضَة بالعواطف، ولكنهم في الأخير يقولون: «ذلك شَأنٌ داَخِلي».

كان ابن ماضي في غاية الضَّعف، وخيبة الأمل، والشعور بأنه مبيوع. ورغم القبول بما استولى عليه خريبط، وقبوله بترسيم حدود جديدة؛ إلا أنَّ خريبط رَفَضهَا مُطالبًا برحيله النهائي من العوالي.

بدأ الاستعداد لمعركة «الطَّرِيفَة». وتعتبر آخر معارك العوالي؛ وهي تتويج لمرحلة طويلة من الصراع والمساومة، وقد انتهت قبل أن تبدأ. ونهايتها حقيقةً في مدينة السَّمحَة.

وَدَخَلَ السُّلطان اليوم الثاني لرحيل المعز- آخر أمراء آل ماضي في العوالي، وَأرسلَ ابن مشعان في حملة إلى الشمال، وفنر في حملة إلى الجنوب.

بدأ التَّشدُّد والتدخل في معاملات البيع والشراء، وفي طُرُق دعوة الناس للصلاة، وفي منع التدخين، وجلد المدخنين، وحظر الغناء، وبدء «دولة الإيمان».

صَرخَ سعيد السَّقَّاف حين لطمه أحد جنود السلطان؛ وهو بباب دكانه: «إيش ذا يا بويه؛ احنا عبيد، والا صنف ثاني؟».

وَيتحدث السلطان عن الجنود: «بدون حرب هَمّ على القَلب».

كتب هاملتون في يومياته: «رُحتْ أجُوس المنطقة. وبعضها يعود إلى عهد ثمود». ويتناول تجميع الآثار، والنقوش. ووجد صُخورًا نحتتها الطبيعة على شكل صورة «أبو الهول»، واكتشف أنَّ فخذ أبو الهول قد قُشِطَتْ حتى أصبحت مَلساءَ نَاعمة، وَنُقِشَت عليها عبارة يبلغ طولها سبعة إنشات إلى ثمانية. غير أنَّ هذه النقوش كانت بكل أسف قد تآكلت بشكلٍ بَشع؛ بحيث كَانَ من المستحيل أن ينسخها أحد أو يجزم بأنها «نبطية»، أو «ثمودية».

«وَكَانت هذه الحقيقة مؤلمة فِعلاً، غير أني كنت على شبه يقين من أننا قد اكتشفنا «المَذبَح» الذي وَهَبَ المنطقة اسمها»(17).

الهوامش:

(1) مدن الملح، تقاسيم الليل والنهار، ص62-63.

(2) المصدر السابق، ص64.

(3) المصدر السابق، نفس الصفحة.

(4) المصدر السابق، ص67.

(5) المصدر السابق، ص68.

(6) المصدر السابق، ص70-71.

(7) المصدر السابق، ص118-119.

(8) المصدر السابق، ص123.

(9) المصدر السابق، ص137.

(10) المصدر السابق، ص137-138.

(11) المصدر السابق، ص138.

(12) المصدر السابق، ص147-148.

(13) المصدر السابق، ص150.

(14) المصدر السابق، ص151.

(15) المصدر السابق، نفس الصفحة.

(16) المصدر السابق، نفس الصفحة.

(17) المصدر السابق، ص190.