صنعاء 19C امطار خفيفة

خطاب القوة بين التجريد من الإنسانية وضرورة استعادة التوازن  الدولي

ترامب في مؤتمر صحفي

حين سُئل دونالد ترامب من أحد الصحفيين عن سبب عدم اعتبار استهداف البنية التحتية المدنية في إيران جريمة حرب، جاءه الرد: "لأنهم حيوانات!".


هذه العبارة، لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد زلّة لسان، بل تندرج ضمن خطابٍ أوسع يعكس، في بعض تجلياته، نزعاتٍ لتجريد الآخر من إنسانيته، وهو ما يُعدّ مدخلًا لتبرير العنف وتجاوز القيم التي أرساها القانون الدولي.
مثل هذه التصريحات تطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الخطاب السياسي في بعض دوائر القرار، ومدى اتساقه مع المبادئ التي طالما رُفعت كشعاراتٍ عالمية، وفي مقدمتها احترام حقوق الإنسان وحماية المدنيين. فالتجارب التاريخية تُظهر أن اللغة التي تنزع الإنسانية عن الشعوب غالبًا ما تكون مقدمةً لانتهاكاتٍ جسيمة، وهو ما يستوجب وقفة نقدية مسؤولة.
ولا يمكن فصل هذا الخطاب عن سياقاتٍ تاريخيةٍ أوسع، فقد تشكّلت عبر العقود منظومات فكرية وسياسية أثّرت في مسار العلاقات الدولية في المنطقة. فمنذ أطروحات تيودور هرتزل، مرورًا بمحطات مفصلية كوعد بلفور، ووصولًا إلى ترتيبات مثل اتفاقية سايكس بيكو، تبلورت معادلاتٌ سياسية أسهمت في إعادة تشكيل المنطقة وفق توازنات غير متكافئة.
كما ارتبطت هذه التحولات بنفوذ قوى مالية وسياسية عالمية، من بينها عائلات مؤثرة مثل عائلة روتشيلد، وبمواقف قادة تاريخيين مثل ونستون تشرشل، إضافة إلى أدوار شخصيات مركزية في تأسيس الكيان الإسرائيلي مثل دافيد بن غوريون. وقد تداخلت هذه العوامل مع قراءات دينية وسياسية متباينة، بما في ذلك ما يُعرف بـ"المسيحية الصهيونية"، التي حاولت إضفاء بعدٍ عقائدي على مساراتٍ سياسية.
وفي السياق المعاصر، لعب الدعم الغربي، لا سيما من الولايات المتحدة، دورًا محوريًا في تكريس اختلالاتٍ واضحة في موازين القوى، سواء عبر الدعم العسكري أو الاقتصادي أو السياسي، وهو ما انعكس على طبيعة الصراعات في المنطقة ومساراتها.
غير أن قراءة هذا المشهد المركّب ينبغي ألا تنزلق إلى التعميم أو الاختزال، بل تتطلب تمييزًا دقيقًا بين السياسات والمجتمعات، وبين المواقف الرسمية والتعدد داخل الرأي العام الغربي. فالعلاقات الدولية بطبيعتها معقدة، وتحكمها مصالح متشابكة، لكنها في الوقت ذاته يجب أن تظل محكومةً بأطرٍ قانونية وأخلاقية ينبغي التمسك بها وتفعيلها.
وفي هذا الإطار، تبرز مواقف عربية وإقليمية تدعو إلى تسوياتٍ عادلة وشاملة، وفي مقدمتها تلك المرتبطة بالقضية الفلسطينية، حيث تؤكد العديد من الدول، في مقدمتها المملكة العربية السعودية، على ضرورة أن تستند أي عملية سلام إلى الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية.
ختامًا، إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توصيف الخطابات المتطرفة، بل في اهمية إنتاج خطابٍ بديلٍ أكثر اتزانًا، يعيد الاعتبار للإنسان كقيمةٍ عليا، ويؤسس لنظامٍ دولي أكثر عدالةً وتوازنًا،  تُحترم فيه الحقوق، وتُصان فيه الكرامات، بعيدًا عن ازدواجية المعايير أو منطق الهيمنة.

- سفير وبرلماني سابق

الكلمات الدلالية