صنعاء 19C امطار خفيفة

14 أكتوبر… حين قررنا أن نحتفل بالثورة بهويتها العدنية

في 14 أكتوبر 2025م، قررنا أن نحتفل بالثورة بهويتها العدنية، بعد أن أدركنا أن الرواية التي جرى تسويقها طويلًا لهويتها "الجنوبية" لم تكن بريئة تمامًا، بل بُني كثير منها على أنقاض صراع رفاق الكفاح المسلح بعد 1967م؛ ذلك الصراع الذي لم يكتفِ بتصفية الرجال، بل امتدّ لاحقًا إلى تصفية التاريخ نفسه.

لقد أُقصيت من الذاكرة الرسمية عمليات فدائية كبرى، فقط لأن أبطالها لم يكونوا من الجهة التي انتصرت في صراع ما بعد الاستقلال، بل من جبهة التحرير، التي كان لها حضورها ودمها وتضحياتها في قلب المعركة الوطنية ضد الاستعمار البريطاني.
ولأننا لا نريد أن نستدعي روح الصراع القديم، ولا أن نعيد فتح جراح الرفاق، فقد قررنا منذ وقت مبكر أن نكون أوفياء للتاريخ لا أسرى للأحقاد.
لكن إنصاف التاريخ كان يفرض علينا أن نذكر أسماءً حاول البعض دفنها في الظل، وعلى رأسهم الفدائي البطل عبدالقوي مكاوي ورفاقه، وأن نعيد الاعتبار لمحطات كفاحية مفصلية، منها عملية المطار التي نفذها الفدائي خليفة عبدالله خليفة؛ تلك العملية النوعية التي فجّرت الكفاح المسلح في عدن، حين جُرح فيها المندوب السامي البريطاني، وقُتل نائبه، وأُصيب عدد من السلاطين وهم في طريقهم إلى لندن للتوقيع على وثيقة "اتحاد الجنوب العربي"، ذلك المشروع الذي أرادت به بريطانيا سلخ عدن عن عمقها الوطني بالقوة.
كما لا يمكن أن ننسى الزحف المقدس نحو المجلس التشريعي، ذلك الموقف الشعبي الرافض لمشروع "الجنوب العربي" الخاضع للوصاية البريطانية، والذي عبّر بوضوح عن أن عدن لم تكن يومًا مشروع اقتطاع، بل كانت قلبًا نابضًا في معركة التحرر والكرامة والسيادة.
هذه الحقيقة التاريخية أقلقت سلطة الأمر الواقع في عدن، لأنها كانت وما تزال تستثمر مشروعًا سياسيًا قائمًا على تشويه الوعي، ومحاولة إقناع الناس بأن الجنوب ليس يمنيًا، وأن يمننة الجنوب كانت "فرضًا" جاءت به ثورة أكتوبر، بينما الحقيقة أن عدن كانت في قلب المشروع الوطني التحرري، وأن أكتوبر لم تكن أداة ضم، بل ثورة تحرير ضد الاستعمار ومشاريعه التفكيكية.
في ذلك اليوم، ومن وسط ساحة البنوك، وبينما كنا نخاطب الناس، طوّقت قوات الانتقالي الجموع، ثم أقدمت على اعتقالنا بطريقة كشفت عن حقد دفين على دور عدن الوطني والتنويري.
تم اعتقالي أنا والزميل المناضل هاني اليزيدي، ثم جرى التفريق بيننا في مشهد لا يزال محفورًا في الذاكرة.
كانت ساعات ثقيلة من الإهانات والترويع والاتهامات الجاهزة، والزنازين المظلمة، وانتهاك الكرامة الشخصية، والعبث بالممتلكات، ومحاولات كسر الإرادة.
ولم يكن التحقيق تحقيقًا بقدر ما كان محاكمة للفكرة، ومحاولة لإجبارنا على الانحناء.
كانوا يستعرضون مقالاتنا ولقاءاتنا التلفزيونية، لا بحثًا عن حقيقة، بل بحثًا عن موقف سياسي حرّ يريدون إخضاعه.
بل وصل الأمر إلى مطالبتنا صراحة بكتابة مقالات تدعم الانتقالي وعيدروس الزبيدي.
لكنهم، ككل سلطات الخوف، لم يفهموا شيئًا واحدًا:
أن الكلمة الحرة لا تُهزم بالزنازين، وأن الكاتب الحقيقي لا يمكن أن يتحول إلى موظف دعاية مهما اشتد القمع.
ومع اتساع التعاطف الشعبي، وتصاعد المناشدات والإدانات من المثقفين والقوى الحية، بدأ خطابهم يلين، وبدأت قبضة التحقيق تخفّ، حتى أُطلق سراحنا بعد محاولات لانتزاع تعهد بعدم الكتابة.
وقلنا لهم بوضوح:
نحن لا نستطيع التوقف عن الكتابة.
فالكتابة بالنسبة لنا ليست ترفًا، ولا هواية عابرة، بل هي أكسجين الروح الوطنية.
نكتب لأن الصمت في زمن المؤامرات خيانة للوعي، ولأن السكوت على ما يُحاك ضد الوطن موت بطيء لكل روح حية ولكل ضمير وطني شريف.
خرجنا… وكتبنا.
وسنظل نكتب.
لقد سقط الانتقالي سياسيًا وأخلاقيًا، كما سقط من قبله كل طغاة التاريخ الذين ظنوا أن القمع يصنع شرعية، وأن السجون قادرة على هزيمة الوعي.
أما نحن، فما زلنا نكتب، وسنكتب…
لنستعيد للوطن روحه، ولعدن هويتها، وللأرض سيادتها، وللأمة مشروع الحياة.
سنكتب حتى تعود اليمن إلى مقامها الذي تستحقه:
حكمةً، ودورًا، ومكانةً، وتأثيرًا في المنطقة.

الكلمات الدلالية