صنعاء 19C امطار خفيفة

خلال 72 ساعة..

أمطار غزيرة تهدد حضرموت وتضع البنية التحتية واستجابة المجتمع أمام اختبار حقيقي

أمطار غزيرة تهدد حضرموت وتضع البنية التحتية واستجابة المجتمع أمام اختبار حقيقي

تدخل محافظة حضرموت مرحلة جوية حرجة، حيث تتصاعد التحذيرات من موجة أمطار رعدية قد تُعد من الأشد خلال السنوات الأخيرة. وفي وقت تحاول فيه السلطات المحلية مواكبة تطورات الوضع، تبرز تساؤلات حول تغير المناخ وتكرار الظواهر الجوية العنيفة، وسط مخاوف من تكرار مشاهد السيول التي تعطل الحياة وتهدد الأرواح.


تحذير رسمي

أصدر مركز الإنذار المبكر من الكوارث والمخاطر المتعددة بمحافظة حضرموت تنبيهًا جويًا رقم (2)، محذرًا من استمرار حالة عدم الاستقرار خلال الـ 72 ساعة المقبلة. وتشير التوقعات إلى هطول أمطار رعدية متفاوتة، بين المتوسطة والغزيرة، وقد تصل إلى شديدة الغزارة في بعض المناطق، خصوصًا يومي الجمعة والسبت.
وأوضح المركز أن الحالة الجوية ناجمة عن تقدم حوض علوي مصحوب بجبهة هوائية، ما يؤدي إلى تشكل سحب ركامية كثيفة، مرشحة للتطور إلى عواصف رعدية، مع احتمالية استمرار تأثيرها حتى منتصف الأسبوع المقبل على وادي وصحراء حضرموت، والمرتفعات، والمناطق الساحلية.

استجابة حكومية

في مواجهة هذه التوقعات، أكد وكيل المحافظة لشؤون الوادي والصحراء، جمعان سالمين بارباع، لـ"النداء"، أن غرفة عمليات مشتركة تم تشكيلها منذ بداية الموجة الأولى الأسبوع الماضي، تشمل جميع الجهات المختصة، مع تفعيل فرق الطوارئ والإنقاذ على الأرض.
وأضاف بارباع أن الأجهزة التنفيذية في حالة انعقاد مستمر، مع توجيهات لتعزيز الجاهزية والانتشار الميداني، ومراقبة الأضرار فور حدوثها. ودعا المواطنين إلى الإبلاغ عن أي طارئ عبر الرقم المخصص لغرفة العمليات (05447102).

من التحذير إلى الواقع

ميدانيًا، شهد منفذ الوديعة فجر الأربعاء عاصفة غبارية عنيفة، أدت إلى شبه انعدام للرؤية، وأسفرت عن حالة وفاة وعدد من الإصابات بين قوات ميدانية، إلى جانب أضرار مادية شملت اقتلاع هناجر ومظلات، بحسب مصدر في غرفة العمليات.
كما بدأت آثار الأمطار تظهر؛ حيث سجلت عدة مديريات في الوادي والصحراء هطول أمطار مصحوبة برياح وحبات برد، ما أدى إلى تدفق السيول وقطع طرق رئيسية تربط الساحل بالوادي خلال اليومين الماضيين. وبحسب روايات مواطنين، تعطلت حركة المسافرين، وسُجلت عمليات إنقاذ لمركبات علقت في مجاري السيول بعد محاولات عبور محفوفة بالمخاطر في وادي العين، وحورة، وساه.

زاوية إنسانية

في مدينة سيئون، تشهد منطقة "شحوح" تضررًا واضحًا، حيث أدت السيول إلى تشققات وحفر في الطريق الرئيسي، وحدوث حوادث مرورية أعاقت حركة السكان.
وجاءت استجابة السلطات بعد مناشدة عاجلة من عاقل الحي، شوقي سالم الدباء، الذي نقل حجم المعاناة اليومية للسكان. وبناءً على ذلك، وجّه الوكيل بارباع فرق الأشغال العامة بالنزول الميداني لفتح مجاري السيول، وإعداد دراسة لإعادة تأهيل الطريق ومعالجة مشكلات الصرف الصحي.
مشاهد مماثلة تكررت في مدن ساحلية مثل الشحر والحامي، لتؤكد أن الخطر لا يقتصر على شدة الأمطار، بل يتعداه إلى تراكم اختلالات البنية التحتية، ما يجعل كل موسم أمطار اختبارًا صعبًا للسكان.

تقديرات كمية الأمطار

تشير خرائط التنبؤات إلى تباين كميات الهطول خلال الفترة من 26 إلى 29 مارس، حيث تتراوح في بعض المناطق الساحلية بين 20 و50 ملم، بينما ترتفع في مناطق واسعة من وادي وصحراء حضرموت إلى 80–100 ملم، مع مؤشرات محلية قد تتجاوز هذا المعدل في بعض النطاقات الداخلية.
وتتركز أعلى كميات الهطول في المناطق الداخلية، ما يزيد من احتمالية تشكل سيول جارفة، خصوصًا في الأودية والشعاب، ويعزز المخاوف من تأثير مباشر على الطرق والبنية التحتية والمناطق السكنية القريبة من مجاري السيول.

مؤشرات تغير مناخي

لا تُنظر إلى هذه الحالة الجوية كحدث عابر، بل كمؤشر على تغيّرات مناخية أوسع تؤثر على المنطقة. ووفق الباحث في علوم المناخ محمد علي عبدالرحمن، تدخل شبه الجزيرة العربية مرحلة جديدة من التأثيرات الجوية، مع امتداد تأثيرات عاصفة متوسطية عميقة قد يصل ضغطها إلى مستويات نادرة.
وأشار إلى أن هذه الحالة قد تؤدي إلى تشكل عواصف رعدية فائقة الشدة (Supercell)، وهي ظواهر شديدة الخطورة قادرة على إنتاج أمطار غزيرة ورياح مدمرة خلال فترات قصيرة.

ذاكرة حضرموت

التحذيرات الحالية تتقاطع مع ذاكرة جماعية مليئة بالكوارث. ففي عام 2008، اجتاحت السيول الجارفة مدنًا وقرى بأكملها، مخلفة مئات الضحايا وخسائر كبيرة في الممتلكات والبنية التحتية.
كما لا تزال العواصف المدارية في الأذهان، مثل إعصاري "تشابالا" و"ميج" عام 2015، اللذين ألحقت أمطارهما الغزيرة وسيولهما أضرارًا واسعة في المحافظات الشرقية، في سابقة نادرة من حيث القوة والتأثير.

تأثيرات المحتملة

رغم المخاطر، تحمل الأمطار فوائد واضحة تتمثل في تغذية المخزون المائي وتحسين الموسم الزراعي، خصوصًا في المناطق الريفية. غير أن هذه الفوائد تترافق مع تحديات كبيرة، أبرزها:
تهديد الأرواح بسبب السيول الجارفة.
تضرر البنية التحتية والطرق.
تعطيل حركة النقل والتجارة.
زيادة مخاطر الانهيارات الصخرية في المناطق الجبلية.

ماذا يعني ذلك للمستقبل؟

تشير هذه التطورات إلى تصاعد وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة، حيث أصبح ما كان نادرًا أكثر تكرارًا، سواء في شكل سيول مفاجئة أو عواصف غير معتادة.
كما تحوّلت المخاطر المناخية إلى نمط شبه دائم، ما يستدعي إعادة التفكير في التخطيط الحضري، خصوصًا في تصريف المياه، وتعزيز وسائل الحماية من السيول، إلى جانب رفع مستوى الوعي المجتمعي.

اختبار جديد

مع اقتراب ذروة الحالة الجوية، تبدو حضرموت أمام اختبار جديد بين الجاهزية والاستجابة؛ فإما أن تمر الموجة ضمن حدود السيطرة، أو تعيد إنتاج مشاهد مؤلمة شهدتها المحافظة سابقًا.
وفي كل الأحوال، يبقى العامل الحاسم ليس فقط شدة الأمطار، بل مستوى الاستعداد لها، رسميًا ومجتمعيًا، في ظل واقع مناخي يتغير بوتيرة متسارعة.

الكلمات الدلالية