ريمة بين ذاكرة الأرض وتحولات السوق: كيف خسرت الزراعة رهانها؟
لم تكن عودة محمد الحداد إلى قريته في محافظة ريمة مجرد نهاية لرحلة اغتراب طويلة، بل بداية لاكتشاف قاسٍ لمعنى الاستثمار في الريف اليمني اليوم.
ثلاثون عامًا قضاها الرجل في السعودية، متنقلًا بين الأعمال، قبل أن يعود محمّلًا بمدخرات سنوات الكفاح، مؤمنًا بأن الأرض - كما اعتاد جيله - لا تخسر. غير أن هذا اليقين سرعان ما اصطدم بواقع مختلف، حيث لم تعد الزراعة قادرة على توفير الحد الأدنى من العائد الاقتصادي.
في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، كانت الأرض الزراعية في ريمة تمثل أكثر من مجرد أصل اقتصادي؛ كانت رمزًا للمكانة الاجتماعية والانتماء. وكان شراء الأرض بالنسبة للمغترب استثمارًا آمنًا ومصدر فخر، في مجتمع تُقاس فيه القيمة بالارتباط بالأرض.
لكن هذا التصور بدأ يتآكل تدريجيًا منذ التسعينات، مع تراجع الإنتاجية وارتفاع تكاليف الزراعة، قبل أن تتفاقم الأزمة بشكل حاد خلال سنوات الحرب.
يقول الحداد إن إحدى الأراضي التي اشتراها بمبلغ كبير لم تعد تنتج سوى أعلاف موسمية محدودة، لا تغطي حتى تكاليف زراعتها، في ظل اعتماد كامل على الأمطار وغياب أي بنية تحتية مائية أو دعم زراعي.
ولا تقتصر الأزمة على تجربته الشخصية، بل تعكس تحولات أوسع في ريمة، حيث تواجه الزراعة مجموعة معقدة من التحديات: تغيرات مناخية، شح المياه، ارتفاع أسعار المدخلات، ضعف الطرق، وصعوبة الوصول إلى الأسواق.
ومع تصاعد هذه الضغوط، بدأت الزراعة تفقد جاذبيتها كمصدر دخل، بالتوازي مع موجة هجرة متزايدة للأيدي العاملة، خاصة من فئة الشباب، نحو المدن أو خارج البلاد.
هذا التحول لم ينعكس فقط على الإنتاج الزراعي، بل أعاد تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية للريف، حيث تُركت مساحات واسعة من الأراضي دون استغلال، وبدأت المجتمعات الريفية تفقد جزءًا من حيويتها.
في المقابل، برزت المدن كمراكز جذب اقتصادية، مع توسع الأنشطة التجارية والخدمية، وارتفاع قيمة العقارات، ما دفع الكثير من العائدين من الاغتراب إلى إعادة توجيه استثماراتهم بعيدًا عن الزراعة.
بالنسبة للحداد، لم يكن الانتقال إلى صنعاء خيارًا سهلًا، لكنه كان ضرورة. بدأ من الصفر في تجارة الخضار، قبل أن يتمكن من بناء منزل متواضع، يقول اليوم إن قيمته تفوق مجمل استثماراته الزراعية السابقة.
تكشف هذه القصة عن تحول عميق في مفهوم الاستثمار لدى اليمنيين، حيث لم تعد الأرض الزراعية تمثل الضمانة التقليدية للمستقبل، بل أصبحت - في كثير من الحالات - عبئًا اقتصاديًا يصعب استثماره أو التخلي عنه.
وفي ظل غياب سياسات تنموية تعيد التوازن بين الريف والمدينة، تبدو هذه التحولات مرشحة للاستمرار، ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الزراعة في اليمن، ودور الريف في الاقتصاد الوطني خلال السنوات المقبلة.