صنعاء 19C امطار خفيفة

أزمة السيولة في اليمن: من اختلال نقدي إلى معاناة يومية

أزمة السيولة في اليمن: من اختلال نقدي إلى معاناة يومية

شكا عدد من المواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، قبيل وبعد إجازة عيد الفطر، من اختفاء العملة الوطنية من السوق المصرفي، ما دفع التجار إلى بيع مستلزمات العيد، من الملابس والحلويات، بالدولار الأمريكي أو الريال السعودي. ولا تزال هذه الأزمة مستمرة لدى كثير من الأسر اليمنية، في ظل اتساع نطاق التعامل بالعملات الأجنبية، الأمر الذي فاقم معاناة المواطنين غير القادرين على توفيرها أو تحويل مدخراتهم من الريال اليمني.

الثلاثيني جميل كردي، حارس أمن في أحد فنادق مدينة المكلا، يتقاضى راتباً شهرياً يبلغ 80 ألف ريال، وهو مبلغ يفقد جزءاً كبيراً من قيمته عند تحويله إلى عملات أجنبية. يقول لـ"النداء" إنه لم يعد يملك أي مدخرات بعد انتهاء إجازة العيد، مشيراً إلى أنه عجز عن شراء كسوة لنجله الوحيد، بعدما وجد أن الملابس في أحد المولات بمنطقة فوه تُباع بالريال السعودي.

شح السيولة

مواطنون آخرون أكدوا أن الوضع لا يختلف في محافظات عدن وتعز، حيث تُباع الملابس وبعض السلع الاستهلاكية بالعملات الأجنبية وبأسعار مرتفعة. ويوضح الأربعيني محمد البار أنه اضطر ليلة العيد لشراء بنطلون وقميص بـ150 ريالاً سعودياً، وهو سعر يفوق ما كان يدفعه في الأعوام السابقة. كما أشار صابر بامحمد إلى أنه لم يتمكن من شراء حلويات العيد بالكميات المعتادة، مكتفياً بنصف احتياجات أسرته مقارنة بالعام الماضي.

وفي السياق، يقول محمد عمر، وهو موظف في إحدى شركات الصرافة بالمكلا، إن بعض شركات الصرافة تحتفظ بكميات كبيرة من العملة المحلية خارج التداول، وترفض ضخها في السوق عبر عمليات التحويل إلى الدولار أو الريال السعودي، ما أدى إلى تفاقم أزمة السيولة.

ويرى الصحفي وفيق صالح أن أزمة السيولة باتت تمثل تحدياً حقيقياً أمام البنك المركزي في عدن، مشيراً إلى أن تعقيدات الأنشطة المصرفية أضعفت ثقة المواطنين بالبنوك، وأثّرت بشكل مباشر على المعاملات اليومية والتجارية، محذراً من أن استمرار الأزمة قد يقوض الإصلاحات النقدية التي نُفذت خلال الفترة الماضية.

انزعاج مجتمعي

من جهته، يعزو الصحفي المتخصص في القضايا الاجتماعية محمد السامعي الأزمة إلى ممارسات بعض الصرافين، الذين يفرضون أسعار صرف غير عادلة، ويشترطون عمولات مرتفعة عند تحويل العملات. ويضرب مثالاً بقيام بعض الصرافين بصرف 100 ريال سعودي مقابل 40 ألف ريال يمني بدلاً من 41 ألفاً، وهو ما يرفضه بعض المواطنين، بينما يضطر آخرون للقبول به تحت ضغط الحاجة.

استياء شعبي من ازمة السيولة ـ مننصات

ويضيف السامعي أن الأزمة تمس حياة المواطنين اليومية، وكان يفترض أن تحظى بأولوية في المعالجة الحكومية، منتقداً ما وصفه بصمت البنك المركزي في عدن، ومطالباً بتحرك فعلي لتوضيح أسباب الأزمة واتخاذ حلول عاجلة.

تدخل حكومي

وفي أواخر مارس الماضي، ناقش مجلس إدارة البنك المركزي أزمة شح السيولة، وأقر حزمة إجراءات عاجلة ومتوسطة المدى لمعالجتها، مع تكليف الإدارة التنفيذية بمتابعة الوضع واتخاذ التدابير التصحيحية اللازمة بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

البنك المركزي اليمني

وشملت الإجراءات، بحسب وكالة الأنباء الرسمية، اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع (QR Code) لكافة المؤسسات المالية، وربط المحافظ الإلكترونية لتعزيز كفاءة أنظمة الدفع، إلى جانب مساهمة البنك كمساهم رئيسي في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية.

وكان البنك المركزي قد أصدر في وقت سابق تعاميم تمنع التسعير أو التداول بغير الريال اليمني، إلا أن كثيراً من محلات الصرافة لم تلتزم بها، وفق ما أفاد به مواطنون لـ"النداء".

بدوره، يرى الخبير الاقتصادي هشام ناجي أن أزمة السيولة لم تعد مجرد خلل فني، بل تحولت إلى أداة ضغط تمس المواطن والمغترب على حد سواء، مشيراً إلى أن المغترب "يُستنزف بسيفين": أسعار صرف مجحفة، وارتفاع حاد في أسعار السلع والخدمات.

ويخلص ناجي إلى أن المشهد يعكس اختلالاً مزدوجاً يتمثل في سيولة محتجزة وأسعار متضخمة وثقة آخذة في التآكل، مؤكداً أن الحل يكمن في كسر الاحتكار، وإعادة ضخ الكتلة النقدية إلى السوق، وفرض الانضباط على القطاع المصرفي.

الكلمات الدلالية