صنعاء 19C امطار خفيفة

علي لطف الثور

علي لطف الثور

كان علي لطف، أطال الله بعمره، إنسانًا بمعنى الكلمة، وأرقّ من النسمة. هذا لا يزال انطباعي عنه بعد مرور 45 عامًا على توليه منصب وزير الخارجية. لا أدّعي أني كنت قريبًا منه، ولكنه ترك لديّ ولدى الكثير من الزملاء في وزارة الخارجية انطباعات نبيلة لا تمحى. سمعت منه في الديوان العام عبارة لافتة، وهي أن الرأيين أفضل من الرأي الواحد، أي رأيه، وأن الثلاثة الآراء أفضل من الرأيين. وقد أراد بذلك أن يكون لدى معاونيه في الوزارة جرأة التعبير عن آرائهم المستقلة، حتى ولو اختلفت مع رأيه، وهذا معناه أنه كان ديمقراطيًا بجانب بساطته وانفتاحه وتواضعه واحترامه لذاته.

مؤتمر السفراء 1981:

عُقد في عهده أول مؤتمر للسفراء، وقد أدار المؤتمر باقتدار. وبأثر رجعي يمكنني القول بأن المؤتمر عُقد لهدف سياسي بحت، ولا علاقة له بالمهنة. كان الرئيس الراحل علي عبدالله صالح يشعر بأن شرعيته لا تزال محل تساؤل، وأن هناك من ضباط الثورة من يرى عدم أحقيته بتولي السلطة، لافتقاده إلى "الشرعية السبتمبرية". كان صالح لا يزال في بداية عهده، وفي مرحلة التعلّم، وكان يصغي إلى الآخرين ويتعامل معهم بتواضع، وفي نفس الوقت يضخّ لهم المال. أتذكر أن مكتب الرئاسة طلب من الإدارة السياسية الحصول على مطبوعات وأشرطة تسجيل لخطب الرئيسين التونسي الحبيب بورقيبة والعراقي صدام حسين، لكي يستفيد منها صالح، الذي ظل لسنوات طويلة، بحكم خبرته السياسية المحدودة وضعف تعليمه وثقافته، لا يجيد ارتجال الخطاب الشفهي، وكانت هذه إحدى أزماته مع نائبه الخطيب المفوه الراحل علي سالم البيض. كان صالح حينها يرتاح لتسمية سلطته بـ"القيادة الشابة"، التي تعني له أنه وحده من يدير البلد.

كان من أهداف الداهية صالح من المؤتمر الالتقاء بالسفراء العسكريين/السبتمبريين مجتمعين، الذين قال لهم في لقاء خاص: "كلنا سبتمبريون، وما هيش، أي الثورة، حق أبو أحد، ومن يريد منكم هذا الكرسي فليتفضل". ران عليهم جميعًا صمت ثقيل. كان صالح يدرك أنهم على علم تام بالملابسات المحلية والجوارية التي أوصلته إلى السلطة، التي كان يستحقها غيره، رغم العلم بأنه بدأ بالتعبير عن طموحه لها في وقت مبكر بعد حركة 13 يونيو التصحيحية بمقر القيادة العامة للقوات المسلحة، الذي لم يكن عضوًا فيه، وكان قائدًا عسكريًا لمحافظة تعز. تولى صالح السلطة بعد اغتيال سلفه الرئيس الغشمي، وقد أرسل، كما أشيع، رصاصة في ظرف إلى الراحل القاضي عبد الكريم العرشي، لكي لا تسول له نفسه ترشيح نفسه للرئاسة بعد أن مارسها مؤقتًا في الأيام الفاصلة بين اغتيال الرئيس الغشمي وبين اختيار صالح رئيسًا من قبل مجلس الشعب التأسيسي. كان اختياره كمرشح وحيد يشبه اختيار هادي للرئاسة عام 2012، ولكن هادي رشحه مصدر خارجي، ثم اختاره الشعب في انتخابات كانت فريدة في نزاهتها.

من الطريف أن سفيرًا مدنيًا طلب لقاء صالح، وكان يتوقع عطاءه كأقرانه، وعندما حانت لحظة الوداع قال له: "شوف الوزير الثور"، رد عليه السفير: "مو أعمل له أدلك له ظهره؟"، وبعد ذلك حوّل له الرئيس بستين ألف ريال. وبالحدس وحده، فإن عطاءه للسفراء السبتمبريين كان أكبر.

لقد بلغ حرص صالح على إرضاء هؤلاء أنه لم يعترض على رغبة أحدهم، عيّنه سفيرًا في الصومال، وطلب تذاكر سفر له ولعائلته إلى الصومال عبر موسكو.

كان الوزير علي لطف محل رضاه، وقد انعكس رضاؤه على ولاء بعض مدراء الإدارات في الديوان العام، الذين استقطبهم صالح في وقت مبكر، وقال لأحدهم عن القاضي عبد الكريم العرشي: "لا تصدقوا هذا الفقيه، إحنا ثورة". ويبدو لي أن هؤلاء، عندما كانوا يلحقون الأذى ببعض زملائهم، كانوا يعتقدون أنهم يخدمون الثورة. أشاد أحدهم بكلمة الوزير الثور في المؤتمر، واقترح أن تكون من وثائقه، وبلغ به الولاء ذروته عندما عدنا من مؤتمر وزراء خارجية عدم الانحياز في نيودلهي عام 1981، الذي أُصيب فيه الوزير الثور بوعكة صحية اشتاق فيها لمطيط صنعاء، وهو يتناول فطوره في فندق أشوك، حالت دون مشاركته الفعالة في المؤتمر ولقائه بنظرائه. لقد تطوع، بدون تكليف، فخلق له نشاطات من العدم ضمنها في تقرير عن المؤتمر رُفع إلى مكتبي رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء. وعندما غيّر صالح رأيه في الوزير، تغيّرت مواقف الموالين، الذين تحوّل ولاؤهم بالتدريج إلى مكتب الرئاسة ولجهاز الأمن.

كان مؤتمر وزراء خارجية دول عدم الانحياز من أهم المؤتمرات، لأنه عُقد بعد سنتين على توقيع اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل عام 1979. وقد لعب الراحل عبد الله الأشطل، سفير الجنوب لدى الأمم المتحدة، دورًا نشطًا لطرد مصر من حركة عدم الانحياز، وتسبب في إطالة فترة المؤتمر يومًا إضافيًا، وسبب حرجًا للهند التي لم تكن مرتاحة للاتفاق، ولكنها في نفس الوقت لم تكن تريد طرد دولة مؤسسة للحركة على أرضها. قاوم قليل من الأفارقة، في اجتماعات كبار الموظفين، مساعي طرد مصر، ورفع عمرو موسى، وكان لا يزال مدير إدارة المنظمات الدولية، صوته متحديًا قائلًا، بعد أن شمر ساعديه: "مين ده اللي يقدر يطرد مصر؟".

الوزير القنوع:

عاد الوفد إلى صنعاء من بومبي، وقد نزل في فندق تاج محل الذي يطل على بوابة الهند، وهو من أرقى الفنادق. وعند المغادرة دفع الوزير الثور أجرة الفندق عن نفسه وعن أعضاء الوفد من نثرياته، وفوق ذلك وزع عليهم ما تبقى من النثريات، وهذا سلوك غير مألوف، ولم يفعله، حد علمي، لا سلف ولا خلف من نظرائه.

كان من أعضاء الوفد وكيل وزارة الخارجية السفير إبراهيم الكبسي، الذي قال لي إن هدفه الوحيد هو أن يصبح سفيرًا، ولكن ظرفًا ما، وشاية ما، خيانة ما للوزير الراحل عبد الله الأصنج، دفعت به إلى السجن وحرمتْه من تحقيق حلمه المستحق. لاحظ السفير الكبسي على عضو في الوفد حرصه على أن يركب مع الوزير في سيارة الخطوط اليمنية، ليتجنب دفع أجرة سيارة أجرة كان يستخدمها بقية أعضاء الوفد. حينها لم تكن قد وُجدت قنصلية في بومبي. وعندما قص الوكيل الكبسي شعره في نفس الفندق، نصحني بحلق شعر رأسي، لأن مكان الحلاقة نظيف، وأن أجرة الحلاق ثمان روبيات فقط، وأنه دفع روبيتين بقشيش، وأضاف: "قل لذلك الذي يحرص على الركوب مع الوزير أن يحلق مرتين". كان الريال وقتذاك يساوي روبيتين.

الحدود:

ردًا على سؤالي للوزير، بعد زيارة له إلى السعودية، عما إذا كان قد بحث مع السعوديين موضوع الأراضي اليمنية التي احتلوها عام 1934، أجاب: نعم، إنه ناقشه معهم، وأنه سمع منهم حججًا بعضها غائب عنا. وعبّر في نفس الوقت عن غضبه من زميل في السفارة، كان يمتهن الكتابة الصحفية أيضًا، لأنه كان على يقين بأنه من كتب الأسئلة لصحيفة سعودية أجرت حوارًا معه.

مكتبة الخارجية:

كان الوضع الاقتصادي لج.ع.ي صعبًا، وكان الوعي بأهمية وجود مكتبة للخارجية غائبًا، وقد انعكس ذلك الوضع على الأداء الدبلوماسي، وإلى إهمال التثقيف، يُضاف إلى ذلك غياب التدريب. انتهزت فرصة احتضان جامعة صنعاء لمعرض الكتاب، وطلبت من الوزير الثور بعض المال، وعهد إليّ وتكليفي بشراء كتب تشكل نواة لمكتبة الوزارة. كانت استجابته سريعة، وحوّل عشرة آلاف ريال، انتزعتها انتزاعًا من مدير الشؤون المالية، الذي قال إني تجاوزت مديري الذي كان في مهمة في الخارج، وأنه كان عليّ أن أنتظر عودته. وبالإلحاح، وإخباره بأن المعرض سينتهي قبل عودة رئيسي، صُرف المبلغ. بهذا يمكن القول بأن الوزير الثور هو المؤسس لمكتبة الخارجية، التي تم العبث بها في ظرف عامين، ولم يبقَ من محتوياتها إلا مجلدات لسان العرب.

ترشيد النفقات:

لترشيد الإنفاق والتعيينات في السفارات، قسم الوزير الثور السفارات إلى ثلاث فئات:

الأولى: السفارات الكبيرة، التي لليمن مصالح وجالية كبيرة فيها، ولا يجب أن يزيد عدد الدبلوماسيين فيها عن خمسة، إضافة إلى السفير.

الثانية: هي التي لليمن فيها مصالح غير كبيرة، ويُعيّن فيها ثلاثة دبلوماسيين، إضافة إلى السفير.

الثالثة: السفارات في الدول التي مصالح اليمن فيها محدودة، ويُعيّن فيها دبلوماسي واحد بجانب السفير.

وقد نُفّذ الاقتراح فعلًا، ولكن، كالعادة، لم تُكتب له الاستمرارية، وزاد العبث. وعلى سبيل المثال، كانت السفارة بواشنطن عام 1989 تضم 19 دبلوماسيًا، منهم من عيّنهم الرئيس صالح "للراحة" ولإزالة ذحل صنعاء، ويفتقرون إلى مكاتب كافية.

الوزير تحت الرقابة:

لم تكن الرقابة الأمنية قاصرة على خصوم نظام الرئيس الراحل صالح، بل شملت كل من كان يعمل معه، وبالقطع كان هو خاضعًا لنفس الرقابة الأمنية. بعد مغادرة الوزير الثور لمكتبه، كان يأتي يوميًا ضابط الأمن ح.ع، الذي شغل فيما بعد منصب وكيل رئيس جهاز الأمن، لتفتيش مكتبه والأوراق المرمية في سلة القمامة، وتشغيل جهاز التقاط الأصوات، ثم يغادر، وكان هذا الروتين يوميًا.

المؤتمر القومي العربي بصنعاء عام 1988:

عُقد في صنعاء لأول مرة في ديسمبر عام 1988 في فندق شيراتون، وكان الأستاذ الثور من أعضاء الوفد اليمني فيه. وكان قد غادر منصبه الوزاري قبل سنوات، ولكنه لم يغادر قناعاته. رفض الراحل د. أحمد الأصبحي، المضيف والنظير للدكتور الراحل خيري حسيب، مؤسس المؤتمر، أن يضمني إلى الوفد اليمني كعضو، برغم أني كنت عضوًا في المؤتمر، واستجابةً لمساعٍ، وكحل وسط، قبل أن أشارك فيه كمراقب.

استفدت من هذا الموقف التعسفي بدعوتي لحضور مؤتمر في القاهرة نظمه في يناير 1989 مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ومنتدى الفكر العربي في الأردن. وكان للدكتور أحمد يوسف أحمد، أستاذي في كلية التجارة بجامعة صنعاء عامي 1984 و1985، دور في دعوتي. وقد كان من المشاركين المصريين مدير المركز، زميلي في الدراسة، د. عبد المنعم سعيد.

جلست بجانب الراحل د. عبد القدوس المضواحي، أمين عام التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، وفي ثاني أيام المؤتمر اختفى د. المضواحي لساعات. وبعد أن أقلقني غيابه، اكتفيت بإشعار الأستاذ علي لطف ود. الأصبحي، ولم أشعر أحدًا غيرهما، حرصًا مني على أن يسير المؤتمر في جو لا يعكره خبر الاختفاء. د. الأصبحي قابل الخبر ببرود، وربما أنه لم يدرك أبعاده السلبية لو شاع خبره، أما أ. الثور فانزعج وقال: "إن حبر الميثاق الوطني لم يجف بعد"، ورأى التزام الصبر حتى انتهاء جلسة المؤتمر، وأن أتابع، وأعطاني رقم هاتف منزله لإشعاره بأي جديد.

من تسبب في اختفاء د. المضواحي لم يكن يدرك عواقب فعله، لو شاع خبر الاختفاء في المؤتمر الذي يتمتع أعضاؤه بنوع من الحصانة.

دام الاختفاء ساعات، وبملامح غاضبة عبّر د. المضواحي، عند عودته، عن ازدرائه لما حدث، ولجهل صاحب القرار بتداعيات خبر الاختفاء، حتى ولو لساعات، بين المؤتمرين الذين كانوا من كثير من الدول العربية.

عضوية مجلس الشورى:

عُيّن أ. الثور عضوًا في مجلس الشورى، وكاقتصادي، كُلّف برئاسة لجنة كان من بين أعضائها السفير أحمد المتوكل، لإعداد تقرير عن إصلاح الوضع الاقتصادي. بعد انتهائها من عملها، سلّم أ. الثور التقرير إلى رئيس مجلس الشورى الراحل عبد العزيز عبد الغني، الذي سلّمه بدوره إلى الرئيس صالح. طال انتظار رئيس وأعضاء اللجنة لتوجيهات الرئيس، وكانت خيبتهم كبيرة عندما علموا بأن الرئيس صالح لم تعجبه اقتراحات الإصلاح، وتم حفظ التقرير في الأدراج.

أختم بقوله لي: "لقد خوّفوني منك، وقد وجدت أن ليس فيك ما يخيف". لم يكن وحده الذي خوّفوه مني، وقد سمعت من وكيل مساعد سابق في الخارجية، بحضور السفير محمد علي الجايفي، كلامًا مشابهًا عن توصية صالح له بمراقبتي ومراقبة آخرين، ورئيسه وزير الخارجية د. عبد الكريم الإرياني عند تعيينه في منصبه. ربما أتطرق لهذا في مقال قادم.

الكلمات الدلالية