في ذكرى تحرير عدن.. الصور لا تكذب
تلك الوجوه التي نراها في الميدان، أولئك الرجال الذين وقفوا في الصفوف الأولى، لم يكونوا يبحثون عن منصب ولا عن مكسب، بل كانوا يحملون قضية ويدافعون عن مدينة أحبّوها حتى المخاطرة بحياتهم. كانوا رجالاً صدقوا ما عاهدوا عليه، فقاموا عندما تراجع كثيرون، وصمدوا عندما خاف غيرهم.
لكن الواقع اليوم يطرح سؤالاً مؤلماً: أين أولئك الصادقون؟
ولماذا نرى في مواقع القرار من لم يكن لهم أثر في ساعة الخطر؟
ما حدث ليس جديداً في تاريخ الثورات. فالثورات غالباً ما يشعل شرارتها الصادقون، أولئك الذين يدفعون الثمن الحقيقي، بينما يتسلل إلى ثمارها لاحقاً من يجيد ركوب الموجة، فيقصي أصحاب التضحيات، ويعيد صياغة المشهد بما يخدم مصالحه ونفوذه.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن كثيرين ممن تصدّروا المشهد بعد التحرير لم يكونوا امتداداً لتلك الروح التي حررت عدن، بل كانوا امتداداً لعقلية الإقصاء والاحتكار. بل وصل الأمر أحياناً إلى التآمر على أولئك الذين حملوا عبء المعركة الأولى.
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة:
الثورات يقوم بها الصادقون… لكن كثيراً ما يحكمها المنافقون.
غير أن الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب هي أن التاريخ لا يخلّد من ركب الموجة، بل يخلّد من صنعها.
فالصور التي نراها اليوم ليست مجرد ذكرى، بل شهادة حية بأن هذه المدينة قامت برجال أوفياء، وأن عدن – مهما طال الزمن – ستظل تعرف من وقف معها في ساعة المحنة، ومن اكتفى بالوقوف على الرصيف ينتظر لحظة الصعود.
وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي ليس على من حكم بعد التحرير، بل على استعادة روح ذلك اليوم… روح الصدق، والتضحية، والعمل لأجل عدن لا لأجل المكاسب.