قراءة في مذكرات السفير محمد عبده عبدالله السندي
مذكرات السفير محمد عبده عبدالله السندي وشهادته للتاريخ من السِّيَر المُدهِشَة. يَسرُد سِيرة حياته وحياة أسرته وحافته؛ «حافة السُّنُود»، ومدينته عدن بأسلوب سهل؛ شائق وممتع.
تخلو سيرة صاحبها من البطولات، واجتراح المعجزات والمنجزات. فهو يوثق للوقائع والأحداث بِقَدرٍ من البَسَاطة والحياد والاتزان، ولا يتصنع الثورية والتياسر والأدلجة والتحزب الأعمى والعصبيات المقيتة.
إنه، وهو ابن تجربة الرابع عشر من أكتوبر 1963، ينتقد وَيُدوِّن صَادِقًا الجنوح إلى العنف، والاحتكام إلى السلاح؛ لا في مواجهة المستعمر البريطاني فحسب، بل وفي مواجهة النفس، وهذا ما يتجلى في توثيقة غير المسبوق للاجتماع لمناقشة قرار الدمج القسري الذي فرضته المخابرات المصرية، وقيام سالم ربيع علي بتجميع السلاح من الفدائيين، ووضعه في «شواله»، ثُمَّ مناقشة القرار الذي تَمَّ رفضه، وسرده لِمَا ترتب على ذلك من بدء المواجهة مع «جبهة التحرير».
ما لفتني في «المُذَكِّرات» طابع السرد العفوي والتلقائي وَالتَّداعِي في سَرد الوقائع بِقدرٍ من الموضوعية، وبدون تكلف أو تعصب؛ والأهم إشارته إلى بداية الانجرار للعنف، ودور نايف حواتمة، وتوثيقة للمكايد ذات الطابع الإداري والسياسي.
وَكَواحدٍ من أبناء تجربة الرابع عشر من أكتوبر، يُدّوِّن إنجازات الثورة في المجالات المختلفة، ودورها العظيم في مَحْو الأمية؛ حسب شهادة اليونسكو، والإصرار على بناء أسس دولة النظام والقانون والمواطنة، وبناء أسس اقتصاد في ظروف غاية في الصعوبة، في ظل الحِصَار، وشح الإمكانيات، وتحقيق قدرٍ من المساواة والعدل والتشريعات الحديثة والديمقراطية.
المذكرات من القطع المتوسط، وتقع في 285 صفحة. وقبل الإهداء إلى أبيه وأمه يُقَدِّم تَعريفًا بنفسه «مَن أنَا» ، ثم يُقَسِّم الكتاب (المذكرات) إلى 22 جُزءًا مُختَتِمًا بتحقيقين عن السيرة الذاتية للكاتب، وعن المراسم.
اشتملت المذكرات على تقديمين: الأول للرئيس علي ناصر محمد، والثاني لرئيس الوزراء محمد سالم باسندوة.
في التعريف بنفسه يتناول ذاته وأولاده والوظائف التي تولاها والمؤهلات، كما يتناول في الإهداء لأمه وأبيه وأصدقائه فَردًا فَردًا.
في الجزء الأول يتناول أسرته والبدايات، ويشيد بالأمن والأمان والعدل في دولة الاستقلال، وأثرها الإيجابي عليه، والسلبي على والده المرتبط عمله مع سلاطين لحج.
ويدون -بِدقَّة- التفاصيل عن طفولته، ودراسته، وحياة أسرته المُصَابَة بمرض وراثي لا شِفَاءَ منه، واعتزازه في ربط تعلمه بالعمل.
يُكَرِّس «الجزء الثاني» لاستقلال الجنوب، ويدين تفجير الأوضاع بعد رفض الدَّمج القسري، ويتهم قيادة الجبهة بغياب التسامح، ويدين المُندسِّين في الصفوف لتفجير الأوضاع، ويتفجع على ما تعرض له منزل المناضل عبد القوي مكاوي، واستشهاد عدد من أفراد أسرته، ومن ثم انتقال الصراع إلى قلب «الجبهة القومية» بعد الاستقلال مُباشَرةً.
ويتناول الوقائع بالتفصيل؛ ابتداءً من أحداث مارس 1968، والمؤتمر الرابع، كَمَا يتناول الحركة التصحيحية يونيو 1969.
ويقرأ في «الجزء الثالث» الجمهورية الثانية: سالم ربيع علي كرئيس. وَيُسَجِّل في الرابع شهادته للتاريخ عن حادثة طائرة الدبلوماسيين التي عاش تفاصيلها، وقد تعرض هو للاتهام؛ لأنَّهُ تَفَوَّهَ بكلامٍ أخِذَ عليه.
ويتناول في الخامس عودته إلى رئاسة الوزراء. ويتناول الأيام السبعة المجيدة، ولوثة التأميم والمصادرة في الجزء السادس؛ وهي بداية ما يسميه صاحب «الفرق بين اليسار الحقيقي واليسار المغامر» في لبنان بِـ «اليسار المغامر».
فالتطبيقات شديدة القسوة في الجنوب قُوبِلَت بالانتقاد مِنْ قِبَل مفكرين اقتصاديين، ومن بعض الأحزاب الشيوعية ورفاق التجربة في الجنوب؛ ومنهم قادة «حزب الشعب الاتحادي الديمقراطي»؛ رفاق المفكر عبد الله عبد الزراق باذيب؛ وقد تعرضوا للاعتقال والتهديد، واعتبرها الدكتور أبو بكر السقاف بمثابة التهديد الحقيقي للاستقلال، وقد انتقدها الأستاذ وَالَّسفِير بِدقَّة وموضوعية.
ورغم الاعتراف بالخطأ والتراجع إلا أنَّ الآثار الكارثية ظلت تطبع الخطاب، وَتُستَغلّ إلى المدى الأبعد من أعداء الثورة الرائدة وخصومها، وما أكثرهم؛ وقد اعتبر أعوامها 1970، و 1972 أصعب الأعوام.
خَصَّصَ الجزء السابع لسقطرى، وَفَنَّدَ أكذوبة القواعد السوفيتية.
وعنون الجزء الثامن: اعتقال، إخفاء، اختطاف. مُتناولاً اختطاف وزير العدل عادل خليفة، ويتناول العديد ممن نالهم الإخفاء القسري والاختطاف والاعتقال.
كما يتناول بقدر من التوسع للتوطئة بشأن تطور الأحداث قبل كارثة الـ 13 من يناير في الفصل التاسع، وعمله في الجزء العاشر مع الشهيد محمد صالح مطيع، وزيارات مهمة إلى عدن لوزير الخارجية السعودي سعود الفيصل في الجزء الحادي عشر. ورئاسة علي ناصر محمد في الجزء الثاني عشر.
أمَّا الجزء الرابع عشر، فيكرسه لعلاقات اليمن الديمقراطية مع الجوار الإفريقي. والخامس عشر عن زيارة الصين، ووقفة مع يناير المشؤوم في الجزء السادس عشر.
والسابع عشر لِمَا بعد 13 يناير. ويتناول في الثامن عشر قبل وبعد الوحدة. ورئاسة عبد ربه منصور في التاسع عشر. وانتقال السلطة إلى المجلس الرئاسي في الجزء العشرين.
ويكرس الجزء الحادي والعشرين عن البلدان التي زارها. أمَّا الجزء الثاني والعشرون فعن التعازي، وسيرته الذاتية بالتفصيل، وعن المراسم. وَأخيرًا زيارته الأخيرة لصنعاء.
الكتاب من ألِفِهِ إلى يِائِهِ مُزدَان بالصور، ويتسم بتوثيق وتتبع موضوعي ودقيق للأحداث.
ما أدهشني مسلك كاتب المذكرات المتزن في أجواء مضطربة وشديدة الصراع والتقلبات وهيمنة «الجملة الثورية» الميتة والمقيتة؛ خُصوصاً في الأيام السبعة المجيدة.
والرائع في السَّارد الاتزان والعقلانية والخلاص من الأحقاد أو الافتئات على تجربة تُعدّ أنموذجًا في العالم الثالث، وَحَقَّقَت إنجازات عظيمة أودت بها صراعات قياداتها، وألحقت بها أكثر مِمَّا فَعَلَ أعداؤها.
التحية للسَّارد الرائع السفير محمد عبدالله السندي. فعندما أرسل لي العزيز عبد الكريم قحطان المذكرات كنت أعرف ذائقته ورؤيته العميقة. فكريم قارئ جيد ومثقف متعدد واسع الاطلاع وحسن الاختيار..
فَلَهُما التَّحيَّة والإعزاز.
