صنعاء 19C امطار خفيفة

جماعة الإخوان المسلمين.. العدم لا يحتاج إلى نفي

أعتقد بوجود ميل يتكرر في النقاشات السياسية إلى معالجة الظواهر المعقدة بوسيلة لغوية بسيطة: إعلان اختفائها. لكن التاريخ، بخلاف اللغة، لا يستجيب بسهولة لمثل هذه الإعلانات. فالأفكار والتنظيمات التي تركت أثراً في المجال العام لا تتحول إلى "عدم" بمجرد الادعاء بزوالها، لأن وجودها لا يُختزل في بنيتها التنظيمية الظاهرة فحسب، بل يمتد إلى إرثها الفكري وشبكاتها الاجتماعية وتأثيرها المتراكم في الوعي السياسي.

وعليه تنشأ هنا المفارقة التي تستدعي التأمل: حين يصبح إنكار الوجود ذاته موضوعاً للنقاش، فإن الجدل لا يعود دليلاً على الغياب بقدر ما يكشف استمرار الحضور بصيغة أخرى.
في هذا السياق تحديداً يبرز السؤال المتعلق بجماعة الإخوان المسلمين، ليس بوصفه سؤالاً لغوياً عن وجود أو عدم، بل بوصفه محاولة لفهم طبيعة الأثر الذي تتركه الحركات الفكرية والسياسية في التاريخ، حتى في اللحظات التي يُعلن فيها البعض نهايتها. ومن هذه الزاوية يمكنني مقاربة السؤال الذي يفرض نفسه في الحالة اليمنية: هل نحن إزاء تنظيم زال فعلاً، أم أمام ظاهرة ما زالت آثارها تعمل في المجال السياسي وإن تغيرت أشكال حضورها؟
بعبارة أخرى: هل صارت جماعة الاخوان المسلمين فجأة بمثابة العدم؛ هكذا بين ليلة وضحاها؟
حسناً.. دعونا نناقش هذا الطرح بهدوء. إذا كان العدم في التعريف الفلسفي (باعتباري دارس فلسفة في المنهج التعليمي الذي كان قائماً في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) هو [ما لا وجود له في الواقع] ولا أثر له في العالم، فإن تحويله إلى موضوع للجدل يكشف في تصوري تناقضاً في بنية الخطاب ذاته.
فالعدم لا يحتاج إلى نفي ولا إلى دفاع، لأنه ببساطة لا يُرى ولا يُلمس ولا يترك أثراً في التاريخ.
ومع ذلك، نلاحظ في النقاشات التي رافقت تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية أن بعض النخب اختارت طريقاً غريباً في المجادلة؛ إذ لم ولا تناقش "الفكرة" أو "الممارسة" أو "التاريخ"، بل راحت تحاول إنكار وجود الجماعة نفسها، كأن المشكلة تُحلّ بإعلان اختفائها.
هذا المسار في التفكير يضع أصحابه أمام مفارقة منطقية وعجيبة في آن: فإذا كانت الجماعة قد أصبحت عدماً بالفعل، فما الحاجة أو الداعي إلى هذا الجهد الخطابي لنفي ما هو غير موجود أصلاً؟
طبعاً هذا السؤال يقود إلى جوهر المسألة التي تشير إلى أن التنظيمات السياسية والفكرية لا تتحول إلى عدم بمجرد الادعاء بزوالها، لأن وجودها لا يُقاس فقط بحضورها التنظيمي المباشر، بل وأيضاً بـ"إرثها الفكري"، و"شبكاتها الاجتماعية"، و"تأثيرها" في المجال العام.
والتاريخ الحديث لجماعة الإخوان المسلمين يبين أنها لم تكن مجرد كيان إداري يمكن شطبه بقرار أو محوه بإنكار، بل مشروعاً فكرياً وسياسياً امتد لعقود طويلة، تاركاً بصمته الواضحة في بنية الخطاب الإسلامي السياسي وفي حركات وتنظيمات متعددة بما فيها تنظيم القاعدة.
لذلك فإن الادعاء بأنها أصبحت عدماً يظل أقرب إلى موقف خطابي منه إلى توصيف واقعي؛ لأن الأفكار - حتى وإن كانت متطرقة - لا تتبخر دفعة واحدة، بل تستمر في التداول بأشكال مختلفة حتى بعد تراجع التنظيم الذي حملها.
في الواقع أرى أن الدفاع المتكرر عن فكرة أن الجماعة لم تعد موجودة لا يلغي وجودها التاريخي ولا أثرها الفكري، بل يكشف عن استمرار حضورها في النقاش العام.
فلو كانت فعلاً قد تحولت إلى عدم، لما احتاج أحد إلى الدفاع عنها أو إلى إنكار وجودها؛ إذ ان العدم لا يُجادل فيه.
أما الإصرار على هذا النفي، فيعني ضمناً الاعتراف بأن الموضوع ما زال حاضراً في الوعي السياسي والفكري، وأن تاريخه وما دعا إليه لا يمكن ببساطة إلحاقه بمنطقة العدم. فالأفكار والتنظيمات التي تركت أثراً في التاريخ لا تزول بقرار لغوي، بل تُناقَش وتُقيَّم وتُفهم في سياقها، لأن الواقع، مهما كان، لا يُلغى بمجرد إنكاره.
والآن: هل ثمة فرع لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن؟ أم هو عدم في عدم ونتجاهل ما جاء بعاليه؟!

الكلمات الدلالية