إذا جاءك "الملوقون": مجتمع الرثاثة الإرهاب يأتي من الداخل
إلى فنانات اليمن الشجاعات وهن يقاسين ألوان العنف من قبل مرجلة الديناميت، إلى سالي حمادة وأخواتها!
**
في اليمن (السعيد)، يجري تجريم وتحريم الفنون، فتنعت بالتفاهة والانحلال والمجون، بل ويربط غضب الطبيعة من الزلازل والجفاف والمهالك المزمنة، بأن سببها الفنون والفنانون، حتى أصبح ذلك جزءًا أصيلًا من ثقافتنا وهويتنا.
الفنان/ة فيها يتبوأ مرتبة دونية وأسفل السلم الاجتماعي: "مُزين، ناقص، زنبيل، عنضيل"... الخ من ألقاب الوضاعة. بل ويصارع جبهات مختلفة من القوت والشظف المادي ومنظومة العار، وأشد وبالًا يقع مضاعفة على فنانات اليمن.
قيود صنعها وقدسها المجتمع الذكوري الفحل، المتحجر والمتحلزن داخل نفسه، حددها بمنطق الأنا المتضخمة بفائض من القسوة والوحشنة للتراتب الاجتماعي اللاإنساني في اليمن، "يمن الإيمان والحكمة والرب الغفور، والأرق قلوبًا، وألين افئدة، وحوت كل فن"... الخ من الألقاب الوهمية التي لاتمت لمعنى الإنسان وواقعه بصلة، بل تذهب إلى عكس ذلك بسمية قاتلة.
صورة يمن اليوم، لا تخرج عن التعبير الشعبي "خلف الشمس" بألف قرن وقرن، اليمن المناهض لأدنى قيم المواطنة والمساواة والتعايش والتسامح، اليمن القاهر بفخر للنساء والأقليات والأكثريات. ففي عرفه وقانونه وميسمه الصالح لكل زمان ومكان، خصوصًا مع أهل الفن والفنانات: "نحن شعب محافظ"، "شعب العرض والشرف، والنقاء"، "هل ترضاه لأمك وأختك وجدتك"، كل هذه الحفريات لما قبل إنسان ما هو إلا كناية عن التخلف والتعصب والجمود والجهل والولاء للعرق، الطائفة، والمذهب، أما العزف على أسطوانة، "نحن مجتمع حضاري ومحافظ"، فالخلطة العجيبة والمستحيلة، اليمني هو الكائن الوحيد الذي استمزج هذه الخلطة فائقة التخدير: "البردقانية -القاتية" بين الحضارة والمحافظة!
لا أجد وصفًا يمثل المجتمع اليمني إلا وصف الدكتور العراقي فارس كمال نظمي، للعراق: "مجتمع الرثاثة"، وفي اليمن الرثاثة المضاعفة، حيث التراتبية الحجرية المقدسة لما قبل البشرية، مجتمع يباهي باحترافه الحرب والسلاح والقتل "من طاقة لطاقة" والغزو والغنيمة والفساد والمخدرات، والمتاجرة بالبشر، زواج الصغيرات... الخ.
مجتمع الرثاثة، يُعلي من شأن الدم، وترتعد مفاصلة ورأسه من رؤية وجه امرأة مكشوف أو خصلة شعرها، أو كحل عين لأم وجدة.
مجتمع الرثاثة ينشد ويرقص لافتتاح مقابر -رياض جديدة للجثث (الشهداء) الفائضة، ويصيبه الجنون من صوت امرأة، فنانة، تشتغل بالفنون من غناء ورقص وتمثيل، وعرض أزياء ورسم، ووو... الخ (جميعهن محجبات في الدراما اليمنية)، وينقصف من رؤية وجه فتاة على السوشيال ميديا.
كم يستلذ مجتمع الرثاثة بمحاربة المرأة -الضلع الأعوج بحسب الثقافة الإسلامية والمجتمعية، فهي حلبة صراع الأضداد من أساطير القراميد ذات الأصول والعرق والبطون والأفخاذ. ويتضاعف نهش النساء في أوقات الحرب والمجاعات، ازاداد سعارها منذ بداية الألفية الثالثة، والغزو الحوثي. إنهم عالقون وغارقون في مستنقع الأنساب العرقية وتدويرها، واستكمال حقن النساء بمصل: العوووورة لكل زمان ومكان.
أضرب لكم مثلًا لمجتمع الرثاثة العدمي والهاذي، ففي أقل من شهر، تصارعوا بحمى هستيرية وبمجون مخز لحماية "قداسة الهوية الحضارية الحفاظية"، يتجولون في المستنقعات الرثة، من حكاية شيماء أبو غانم المواطنة اليمنية الأمريكية، التي تم الاتجار بها من قبل أبيها وإخوتها، وللأسف شاركت الأم الضعيفة، ليمنعوها، تحت التهديد بالقتل من حق اختيار شريك حياتها، ولولا القضاء الأمريكي لكانت في أعداد المقتولات من الإناث في اليمن.
وبالمثل قصة "الشال"، حيث قامت بضع فتيات بوضع الشال على أرديتهن السوداء الجلباب -الشرشف. وليس بآخر مشهد الحضن التمثيلي أخ لأخته، سالي حمادة وصلاح الوافي لمسلسل "لصوص العمارة" 2026، وقبله مسلسل "الدلال" 2018، لتستمر القيامات والجلد والاستعراض المجاني المسعور للدفاع عن "اليمن الحضاري والعريق والمحافظ" ضد النساء (...)، وفي رمضان الشهر الكريم، فاض الاستذئاب الجماعي، وتصدر الوعي الكهفي المأزوم ليتسابق الرجال والنساء والأطفال، وكل يصارع في جبهته الإعلامية عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهستيريا تفوق كل جنون البقر والبشر والوحوش.

ثلاثة أحداث في شهر قاصفة للنساء، ما هي إلا صورة اليمن قبل سبعة ألف عام.
ما يعيشه المجتمع اليمني ليس مجاعة البطن، بل مجاعة الوعي والتفكير الإنساني: أن يكون إنسانًا في أبسط معاني الإنسانية، أن يستخدم عقله، أن يتهجأ أ.ب الإنسان، خصوصًا في ظل ما يعصف باليمن من تغولات، وليس بأقلها الحرب.
مجتمع الرثاثة في غمضة تخزينة قات وبردقة ومسبحة وسجدة وزامل وشيلة وتعويذة وتغريدة، ظهروا كجلادين ووعاظ، وفرق إعدامية سادية، كلها تضرب وتوجع بدم بارد. وكلهم مجندون بسيف الحق الإلهي: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" .
نعم، تحولوا في ظرف شهر إلى جراجيف ودجرات ضد النساء والفنانات، كل من منصته، يهدون ويرعدون بـ"شمه إنسي وعرم عرماني باقرطه على ضرسي واسناني"* يااااالله، والجريمة الكبرى، إقحام الأطفال في المعارك الرخيصة والبلهاء يلقنونهم بألفاظ قميئة، مع بالغ الأسف (ق، ش...)، لسان حالهم، نحن من نلبي نداء الغارة وثارات العيب الأسود وكل الألوان لشيمات اليمن، وخرقة اسمها الشال، وحضن بائس في مسلسل. إنه الشعب اليمني الممغول بمليوناته في شوارع قذرة تتزاحم معهم وبهم نفايات القرون والأدخنة السامة، مجتمع ليس فيه ماء ولا كهرباء، ولا تعليم، نساءه مكفنات بالجلباب الحارق، مجتمع يتنقل بمليوناته بين ثورة 2011، وصالح سادس الخلفاء الراشدين ورئيسنا إلى الأبد، وعيدروس الزبيدي محرر الجنوب العربي، و"هبي يا الجيوش الفيالق، بعد أمر الزُبيدي نصر ولا شهادة"!، وعبدالملك الحوثي منقذ الأمة وقرآنها من كهف مران، إلى البيت الأبيض، هذا الشعب المعلول والمتفاخر بأميته، حيث تبلغ نسبة الأمية أكثر من 70%، خصوصًا بين النساء، و4 ملايين طفل خارج التعليم.

إنه "اليمن السعيد"، المجلبب والمعمي، الذي لا يمتلك الحد الأدنى من المقومات الثقافية للحياة الطبيعية، من مسرح، سينما، متحف، مكتبة، معرض كتاب، أو احتفالات، كرنفالاته مسيرات من الأكفان والأكفان المضادة، ورقصة برع مزنجرة بالجنبية والكلاشينكوف والدبابة.
2026 يمن بلا دولة، تعبث به قطعان المليشيات والقبائل والعشائر، والجنرالات والشيخ القبلي والفقيه، والمفتي، تزحر وتولد مقذوفات الطوائف السلالية المتناحرة، تغسل عار الفنون وتختطف الفنانين وتحبسهم، وتقتلهم أحيانًا، فهم يخالفون الشريعة الإسلامية، وهم أسباب الحرب والقحط، وخصوصًا عندما تغني النساء ويمثلن ويرقصن ويرسمن ويكتبن... الخ.
كيف ننجو بأنفسنا من مجتمع الرثاثة؟
بوجود دولة مواطنة وقانون سنخفف منظومة الرثاثة الضارية التي تزدهر في ظل اللادولة، ومجتمع الغاب لمن قوى صميله المستأسد على النساء في كل آن، صميل التوحش والهمجية لما قبل دولة، وما قبل إنسان، سيتوقف في حضرة الدولة الحقيقية، وأن نحيا الحياة التي تليق بالإنسان المعاصر، بلا حروب الشرف والنقاء والعيب الأسود للقبيلة والبداوة، دولة تكفل لنا حق الحرية بلا مرجعيات الأسلاف أيًا كانت قداستها.. مرجعيتنا العقل والعلم والمعرفة والفنون في كل آن.
حقنا، في دولة المواطنة، أن تمشي النساء في الشارع بلا خوف، ولا بصق وشتم وتكفير ورمي الحجارة وخلث القات على أجسادهن المطربلة بالشرشف والجلباب، أن نتعلم في المدرسة والجامعة، بلا فصل الذكور على الإناث، وبالمثل في المقهى، والحديقة، دون أن يكفرنا أي من أنصار وجند الله وأتباعهم المليونيون من حماة الأخلاق والفضيلة، وألا يفجرنا أي منهم بألغام "فقه الضرورة"، ومن رأى منكم منكرًا.."، الشتم، يا علمانية، شيوعية، يا ليبرالية (أجمل الشتائم).
قطف خبر
الإرهاب يأتي من الداخل، وتجفيف منابعه يكون بوجود دولة وقانون ودستورها الإنسان، وليس الشريعة، بصناعة ونشر المعرفة،: الثقافة والموسيقى والفنون والمتاحف والسينما والرقص، ورد الاعتبار لها، فالفن السبيل الى الحرية، وأن نحيا حياة البشر في هذا الكون.
مرة أخرى
تحية إجلال وتقدير لكل الفنانين اليمنيين الشجعان، وخصوصًا الفنانات. فأنتم من تعلون قيمة الإنسان والحرية..
فكيف تشوفواااا؟
