صنعاء 19C امطار خفيفة

بحث في معنى قوله تعالى: "لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون"

قبل قُرابة سِتِّ سنوات، وأنا أقرأ فِي «سُورة التحريم»؛ في الآية السَّادسَة منها، وهي تتحدث عن الملائكة، بَدر لِي سؤال عن الفرق بين هاتين الجملتين المتعاطفتين فيها: (لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون)، وبدت لي آنذاك مُشكِلةً في معناها.

فإنَّ كَونَ الملائكة لا يعصون فِيمَا أمِرُوا به، يَقتضي -بالضَّرورة-فِعلَهُم لِمَا نُدِبوا إليه وأمروا به.
فَمَا الفَرق إذن؟
وما فائدة هذا العطف؟
وَمِن المعروف أنَّ العطف يقتضي المغايرة بين جملتي العطف؛ والجملتان هنا بمعنى واحد؟
فهل سيقت الجملة الثانية المعطوفة لمجرد التأكيد؟
كُلّ هذه الأسئلة احتشدت في رأسي.
وَرَجعت إلى تفسير «الكشاف»، للعلامة الكبير جار الله الزمخشري، فوجدته طَرحَ نفس السؤال، وأجاب عنه.
ثُمَّ نظرت في تفسير «التحرير والتنوير»، لابن عاشور؛ فذكر جَوابًا غير الذي ذكره الزمخشري، ثُمَّ نسيت الأمر وتشاغلت عنه.
وَقَبل البدء بسوق كلام الزمخشري وابن عاشور ومناقشتهما، يحسن بي التمهيد بالحديث أيضًا عن سؤالٍ آخر أشكَلَ عَليَّ معناه، والتبس علي فهمه لِمُدَّة طويلة؛ وهو الفرق بين أداتي النفي: «لا»، و«ما».
وَلَطالمَا كنت أتساءل وأقول: متى ينبغي النَّفي بـ «ما»، ومتى يسوغ لي أن أنفي بـ «لا»؟
ومتى يصح أن أقول: «مَا زَالَ»، و «مَا يَزال»، ومتى يفترض بي أن أقول «لازَالَ»، و«لايزال»؟
وما الفرق بينهما على وجه الدِّقة؟
وَكُنت ذكرت في بعض أبحاثي في التفسير؛ وهي منشورة بكتابي «الفنون جنون»، أنَّي لَمْ أرَ -بحسب علمي- من بين المفسرين من يجيد طرح الأسئلة في تفسير الكتاب العزيز كالعلامة الكبير الزمخشري مِنْ المتقدمين، وكالطاهر بن عاشور في المتأخرين؛ وإن كان ابن عاشور ينحو في أجوبته مَنحىً آخر، بحسب ما يؤدي إليه نظره واجتهاده.
وَبِالنَّظر في آية سورة التحريم، والتتبع لغيرها من الآيات التي وَصَفَ الحّقُّ فيها نفسه، أو وَصَفَ كتابه أو غيره في كتابه الكريم، نجد أنه -سبحانه- وصفها بإحدى طريقتين: إمَّا الوصف بالإيجاب، أو الوصف بالسَّلب (النفي).
فالوصف بالإيجاب: كوصفه تعالى نفسه تعالى بأنه: حي، قادر، عليم، سميع، بصير، باقٍ..، ووصفه لكتابه بأنه عربي، وأنه مبين، ووصفه للمشركين: بأنهم صُمٌّ، بُكمٌ... إلخ.
والوصف عن طريق السَّلب (النفي)؛ كنفيه عن نفسه الظلم: (إنَّ الله لا يظلم الناس شَيئًا)، أو وصفه لكتابه بأنه (لا رَيبَ فيه). أو وصفه للمشركين بأنهم (لا يعقلون)، و(لا يرجعون)، و(لا يفقهون)، و(لا يعلمون).
وبالنظر أيضًا في بعض أساليب الوصف فِي العربية كالأحاديث النبوية، وكلام البلغاء، وَصلت إلى نتيجة مؤداها: أنَّ النفي بـ «لا» في العربية يعني النَّفي المطلق.
وأنَّ النفي بـ «ما» هو نفي لسؤال وارد أو مفترض أو ردٌّ لدعوى أو زعم.
فإخبار الله سبحانه في كتابه عن الملائكة أنَّهم (لا يعصون الله ما أمرهم)؛ يعني أنهم طُبِعُوا، وفطروا على عدم معصيته بِشَكلٍ مطلق.
فالآية إخبار من الحقِّ سبحانه عن صفة لازمة ثابتة للملائكة جُبِلُوا عَليها؛ وهي قيامهم بالأعمال التي تُنَاط بهم وَيُكلَّفُون بأدائها دون تثاقل أو تقاعس منهم.
لننظر الآن لوصف الحق سبحانه لنفسه بأنه: (لا تأخذهُ سِنَةٌ ولا نوم)؛ أفلا يَدُّل هذا على النفي المطلق في أن يعتريه -سبحانه- سِّنَة؛ وهي بدء النُّعَاس، أو يعتريه نوم؟!
وكذلك هو الأمر في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في صفة المؤمن:(المؤمن أخو المؤمن لا يخذله، ولا يظلمه). (شُعَب الإيمان، للبيهقي، 13/ 474).
فالمؤمن الحق لا يتلبس على الإطلاق بهاتين الخصلتين المشينتين: خذلان أخيه، وظلمه.
وفي وصف علي -رضي الله عنه- للمؤمن، حين طلب منه هَمَّام أن يصور له صفته، فقال وَاصِفًا إياه: (قرة عينه فيما لا يزول. وزهادته فيما لا يبقى).
وهذان الوصفان لازمان للدنيا، وللآخرة، ولأعمالهما. فالمؤمن لَمَّا كانت الآخرة أكبر همه، اجتهد وارتاح للعمل لها؛ لأنَّها باقية لا تزول، ونعيمها لا يفنى أبدًا. أمَّا الدنيا، فقد تيقن أنها فانية؛ فزهد فيها ورغب عنها.
وقوله أيضًا: (لا يحيف عَلى مَنْ يبغض، ولا يأثم فيمن يحب) ...، (ولا يضيع ما استحفظ، ولا ينسى ما ذُكِّر، ولا يُنابِز بالألقاب، ولا يضارَّ بالجار، ولا يشمت بالمصائب، ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحق).
فهذه كلها أوصاف المؤمن الحقِّ الذي لا يشتط في خصومته؛ فيحيف على من يبغضه، ولا يحمله حبُّ من أحب بأن يجاوز ذلك؛ فتحمله محبته على الوقوع في الإثم والمعصية لأجل من يحب، كما أنه لا يخون الأمانة التي يوكل بحفظها، ولا يضار جاره، ولا يشمت بمصائب غيره... إلى آخر تلك الأوصاف؛ وكأنَّ من اتصف بِضِدِّ ذلك لا يُعدَّ مُؤمنًا بأيِّ حال.
أمَّا قَولُهُ تعالى: (ويفعلون ما يؤمرون)، فإخبار عن أفعالهم التي كلفهم الله بالقيام بها- بأنهم يقومون بها. فَإنَّ الله سبحانه وتعالى -مُذ خَلقَ الملائكة- لا يزال يعهد إليهم، ويلقي بأوامره إليهم، وهم يقومون -ولا يزالون- بِمَا كُلِّفُوا به على أتمِّ وجه.
فالجملة الأولى من الآية: (لا يعصون الله ما أمرهم): وصف لذوات الملائكة التي أنشأهم الله عليها وَخِصِّيصَة خَصَّهم بها.
والثانية: وصف أو إخبار عن أفعالهم التي يقومون بها.
وَلمَّا عُدت إلى تفسير «الكشاف»، للزمخشري، وجدته يجيب على السؤال الذي خطر ببالي على هذا النحو الذي كنت وصلت إليه؛ إلا في الجزء الأخير منه..
وقد زدت -مع ذلك- الأمر إيضاحًا وتبيينًا..
قَال الزمخشري: «فَإنْ قَلتَ: أليسَ الجُملتان في معنى واحد؟
قلت: لا.. فإنَّ معنى الأولى: أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها.
ومعنى الثانية: أنهم يَؤدُّون ما يؤمرون؛ لا يتثاقلون عنه، ولا يتوانون فيه».(الكَشَّاف: 4/ 571).
فما هو الجزء الأخير الذي أخالفه فيه؟
إنَّ الجملة الأخيرة التي ساقها في ذيل «معنى الثانية»؛ وهي جملة: «لا يتثاقلون عنه، ولا يتوانون فيه»، بحسب ما يرى الباحث، أكثر صِلةً ومَسِيسًا في معناها بالقسم الأول؛ أعني جملة: (لا يعصون الله ما أمرهم). فوصف الله للملائكة بأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، يفيد أنهم يؤدون ما أمروا به دون تثاقلٍ أو تراخٍ أو توان.
أمَّا العلامة ابن عاشور، فقال في «التحرير والتنوير»: «أمَّا قوله: (ويفعلون ما يؤمرون)، فهو تصريح بمفهوم (لا يعصون الله ما أمرهم)؛ دَعَا إليه مقام الإِطناب في الثناء عليهم؛ مع ما في هذا التصريح من استحضار الصُّورة البديعة في امتثالهم لِمَا يؤمرون به. وقد عُطِفَ هذا التأكيد عَطفًا يقتضي المغايرة؛ تَنويهًا بهذه الفضيلة؛ لأنَّ فعل المأمور أوضح في الطاعة من عدم العصيان، واعتبار لمغايرة المعنيين، وإن كان قالُهُمَا واحد.
وَلَكَ أن تجعل مرجع (لا يعصون الله ما أمرهم) أنهم لا يعصون فيما يكلفون به من أعمالهم الخاصة بهم، ومرجع (ويفعلون ما يؤمرون) إلى ما كلفوا بعمله في العصاة في جهنم». (التحرير والتنوير: 13 /366).
أقول: لا شَكَّ أنَّ المنطوق والمصرح به أوضح في معناه من المفهوم. فالمفهوم يحتاج إلى إعمال فكر وَلقدرٍ من الرَّويَّة حتى يُستَخرَج وَيُستنبط معناه؛ بخلاف الصريح، لكن السؤال يبقى حَاضِرًا: هل هناك مِنْ فرق في المعنى بين هذا المفهوم، والمنطوق المُصرَّح به؟
بحسب رأيي لا فَرقَ؛ إذا ما ذهبنا إلى ما ذهب إليه ابن عاشور. كما أني لا أفهم وجه الفرق بين قولهم: ولدي لا يعصيني، وولدي يفعل ما آمره به؛ إلا إذا سيقت الجملة الثانية على وجه التأكيد؛ بأن تساق على هذا النحو: (ولدي لا يعصيني، ويفعل ما أمره به).
أمَّا قوله: «وَلَكَ أن تجعل...» إلخ.
فَتحكُّم وتخصيص من دون مُخَصِّص؛ إذ كلا الجملتين صالحةٌ لحملها على المعنى الذي ذهبت إليه؛ إذ لا فرق بين الجملتين وِفقًا لذلك. فلقائلٍ أن يقول: إنَّ جملة: (لا يعصون الله ما أمرهم) خاصة بعمل الملائكة مع العصاة، وجملة: (ويفعلون ما يؤمرون) إشارة إلى أعمالهم خاصة.
ثَانيًا: إذا كَانَ «لا شَيءَ يُوجد خارج النص»؛ كما يقول أهل الدِّلالَة؛ فَكيفَ، ومن أين استفاد ابن عاشور هذين المعنيين المغايرين من جملتين مؤداهما واحد، حتى وإن تَمَّ صياغتهما وتصريفهما بشكل مختلف؟!
فهل يفيد قولنا على سبيل المثال: الابن البارّ لا يعصي أباه، ويفعل ما يأمره به= أنه لا يعصيه في أموره الخاصة، ويفعل ما يأمره فيما يتعلق بغيره؟!
هذا ما لا يكون بحال!
خاتمة
كُنتُ طرحت على الوالد ليلة البارحة رأيي حول معنى الآية، ومعنى «لا» النافية، والفرق بينها وبين «مَا» النافية؛ فطلب مني مُراجَعة كُتب معاني الحروف، فتناولت كتاب «الجنى الداني في حروف المعاني»، للمُرادي، وشرعت أقرأ في معاني «لا» النافية منه؛ فذكر أقسامها الثلاثة:
فالأولى: النافية للجنس التي تعمل عمل إنَّ؛ وهي مختصة بالدخول على النكرات، وتفيد استغراق النفي وعمومه نحو: لا رَجُلَ في الدار.
والثانية: العاملة عمل ليس؛ وهي أيضًا داخلة على النكرات، واستشهد لها بـ
تَعَزَّ فَلا شَيءٌ على الأرضِ بَاقِيَا
وَلا وَزَرٌ مِمَّا قَضَى اللهُ وَاقيًا
وَكَمَا يلاحظ أيضًا أنَّ منفي «لا» على عمومه واستغراقه؛ إذ لا شيءَ يبقى على وجه الأرض، ولا وزر يقي ويعصم من قضاء الله.
ثُمَّ ذكر القسم الثالث: وهي النافية غير العاملة؛ وذكر أنواعها الثلاثة: العاطفة، والجوابية، وغيرهما.
وذكر أنَّ الجوابية إذا دخلت على الفعل، فالغالب أن يكون مُضارِعًا، وأنها تُخَلِّص الفعل للاستقبال؛ وهو ظاهر مذهب سيبويه، ونَصّ عليه الزمخشري ومعظم المتأخرين؛ بحسب قَولِه.
أمَّا الأخفش والمبرد وابن مالك، فذهبوا إلى عدم لزوم ذلك، بل قد يكون المنفي بها للحال. واستدلوا على ورودها في مواضع تنافي الاستقبال؛ نحو: أتظن ذلك كَائنًا أم لا تظنه؟ وما لك لا تُقبِل؟ وأراكَ لا تُبالي؟
قال المرادي: «وَغَرَّ الزمخشري وغيره من المتأخرين قول سيبويه: «إذا قال: هو يفعل؛ أي هو في حال فِعْل؛ فإنَّ نفيه: ما يفعل.
وإذا قال: هو يفعل، ولم يكن الفعل وَاقِعًا؛ فإنَّ نفيه: لا يفعل». (الجنى الداني، ًص 297).
وقول سيبويه هو محل الشاهد في الفرق بين «لا»، و«ما» النافيتين.

الكلمات الدلالية