وقفات رمضانية مع الآيات القرآنية(25)
الغفلة عن اليوم الآخر: الجذر الخفيّ لكل الجرائم
قال تعالى:
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾
الأعلى: 16–17
--------------------------------------
1. لماذا يربط القرآن الفساد بالغفلة لا بالشر؟
القرآن نادرًا ما يفسّر الجرائم الكبرى بالشرّ الخالص،
بل يردّها غالبًا إلى الغفلة.
الغافل:
• لا يرى العاقبة،
• لا يحسب الحساب،
• لا يشعر بثقل الفعل،
• يعيش اللحظة بلا ميزان.
ولهذا كانت الغفلة أخطر من العداوة،
لأن العدوّ واعٍ،
أما الغافل فيُفسد وهو مطمئن.
--------------------------------------
2. ما المقصود بالغفلة عن اليوم الآخر؟
ليست إنكارًا لفظيًا بالضرورة،
بل غياب الفاعلية لهذا الإيمان في السلوك.
أي أن الإنسان:
• قد يؤمن بالآخرة نظريًا،
• لكنه يتصرّف كأنها غير موجودة.
وهذا أخطر أنواع الغفلة،
لأنه يُبقي الشكل الديني
ويُفرغ الجوهر الأخلاقي.
--------------------------------------
3. كيف تُنتج الغفلة الجرائم؟
حين يغيب اليوم الآخر:
• لا يعود للظلم ثمن.
• ولا للخيانة نهاية.
• ولا للفساد محكمة.
• ولا للقهر حساب.
فيتحول السؤال من:
هل هذا حق؟
إلى:
هل أستطيع الإفلات؟
وهنا تبدأ الجرائم:
• الصغيرة تتكرر،
• والمتوسطة تُبرَّر،
• والكبيرة تُشرعن.
--------------------------------------
4. لماذا يربط القرآن الحساب بالعدل؟
لأن العدل لا يصمد بلا أفق محاسبة نهائية.
قال تعالى:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾
العبث هو:
• فعل بلا غاية،
• وسلطة بلا مساءلة،
• وحياة بلا ميزان.
واليوم الآخر هو نهاية العبث السلوكي.
--------------------------------------
5. كل الخطايا تعود إلى هنا
• التطفيف: سببه نسيان الحساب.
• الهمز واللمز: سببه الاستهانة بالوقوف بين يدي الله.
• الظلم في الحكم: سببه شعور الحاكم أنه فوق المساءلة.
• التكاثر: سببه نسيان القبر.
• الفساد المالي: سببه قصر النظر.
ولهذا قال تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾
لم يقل: يكذّبون..
بل: لا يرجون..
أي لا يعيشون بمنطقه.
--------------------------------------
6. لماذا لا يردع القانون وحده؟
القانون:
• يراقب الظاهر،
• ويعاقب بعد الفعل.
أما استحضار اليوم الآخر:
• فيراقب النيّة،
• ويمنع الجريمة قبل وقوعها.
ولهذا لا يبني القرآن الأخلاق على الشرطة،
بل على الضمير المرتبط بالآخرة.
________________________________________
7. رمضان وإيقاظ الوعي بالآخرة
رمضان شهر:
• تقليل،
• وكبح،
• وتأجيل،
• وانتظار.
كلها تدريبات على منطق الآخرة:
• تأخير اللذة،
• ضبط الشهوة،
• العمل بلا مقابل فوري.
رمضان يُعيد ترتيب السؤال:
ليس: ماذا سأربح الآن؟
بل: ماذا سألقى غدًا؟
--------------------------------------
خاتمة
الغفلة عن اليوم الآخر
ليست مسألة عقدية فقط،
بل خلل حضاري شامل.
فحيث غابت الآخرة:
• استُبيحت الدنيا.
• وهانت الكرامة.
• وتضخّم الإجرام.
• وتحوّل الإنسان إلى وسيلة.
وحيث حَضَر اليوم الآخر في الوعي:
• انضبط السلوك،
• واستقام الميزان،
• وتراجع الظلم،
• ولو في غياب الرقابة.
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾
ليست تذكرة روحية فقط،
بل قانون نجاة أخلاقي
قرره بوضوح
القرآن الكريم
ليكون الضمير حيًّا
حين تغيب الكاميرات.
والله من وراء القصد،،،
غدا نلتقي- إن شاء الله- في وقفة وآية أخرى
طابت أوقاتكم/ن وتقبل الله منكم/ن