الإثني عشرية.. فلسفة الانتظار الطويل
مذهب عقد مصالحة طويلة مع الانتظار، يقف في مساحة معلّقة بين ذكرى الغدير وصمت السرداب. سياسة تتحرك في الخارج صاخبة، بينما يجلس اليقين في الداخل هادئاً كشيخ يعرف أن الحقيقة قد تتأخر لكنها تصل. تموضعت الإثني عشرية في الفضاء الإسلامي كبنية عقدية تربط قيادة الأمة بسلالة محددة، وترى في الإمامة منصباً إلهياً يتجاوز ترتيبات السياسة البشرية وموازين القوى المتغيرة.
رؤية جعلت النص مرجعية قاطعة وافترضت أن السماء تدخلت لتحديد المسار عبر تعيين علي بن أبي طالب والأئمة من ذريته. ومع الزمن تحولت هذه القناعة إلى هوية مذهبية متكاملة بأدواتها التشريعية والفلسفية، كأن التاريخ كتب وصيته مبكراً وترك للناس مهمة قراءتها تباعاً.
من جدل الخلافة استقر هذا الاتجاه على فكرة أن الإمامة عهد مستمر في ذرية الحسين بن علي. ومن هنا تبلور مفهوم الحجة القائل إن الكون يحتاج دائماً إلى إمام معصوم يحفظ التوازن بين النص والواقع، بين الوحي الذي انقطع والمعنى الذي يواصل حضوره.
ومع هذا التصور دخل التاريخ في نسق مذهبي يكون فيه الإمام حاضراً من حيث المبدأ وغائباً من حيث المشهد. فهو المفسر الأوثق لبواطن القرآن والحارس لمعناه حتى وهو يقيم خلف ستار الغيب. فكرة تمنح القداسة اقتصادها الخاص، فالإمام يحتفظ بمكانته لأنه معصوم ويبقى في مركز المعنى حتى وهو خارج مجال الرؤية، ومع الزمن أصبح الغياب نفسه صورة من صور الحضور.
خلال القرون الأولى تعلمت الجماعة التكيف مع السلطة القائمة دون أن تفقد يقينها الداخلي، فظهرت التقية كآلية اجتماعية تمنح الفرد مساحة للحركة بين العلن والباطن. وفي هذا المناخ برز جعفر الصادق الرجل الذي أدرك أن المذهب يحتاج إلى مدرسة علمية كي يتحول إلى تقليد معرفي مستمر.
ومن خلاله تشكلت نواة الفقه الجعفري، وتراكمت حولها ترسانة فكرية سمحت للجماعة بأن تتنفس خارج أروقة السلطة فتحولت الرواية من ذاكرة مظلومية إلى مشروع فكري له أصوله ومناهجه. ثم بلغت الحكاية ذروتها مع غيبة الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري، الذي كان يُنتظر أن يقود التاريخ فغاب عن مسرحه، ليدخل المذهب في أطول فترات الانتظار التي تحولت إلى فلسفة حياة يقتات فيها المؤمن على أمل ظهور قريب فيما يتقدم الزمن بهدوء تاركاً الأمل يقظاً.
ومع اتساع زمن الغيبة تولى الفقهاء سد الفراغ كنواب للغائب يديرون شؤون المجتمع. وظيفة سمحت للفقيه بأن يتحدث باسم الإمام الغائب ويجتهد في تفسير إرادته، فتشكل توازن بين الغياب المقدس والحضور البشري، بين الإمام المستتر والفقيه الظاهر. الفكرة تطورت تدريجياً حتى بلغت أحد تجلياتها السياسية الحديثة في نظرية ولاية الفقيه.
وفي خضم هذا البناء ظهرت قراءات نقدية رأت في الإمامة إلباساً دينياً لصراع سياسي قديم، وطرحت أسئلة حول كيفية حفظ الدين بعيداً عن مسرح التاريخ. غير أن الرؤية الإثني عشرية استمرت في اعتبار الغيبة وعداً مفتوحاً يمنح العدالة فرصة التأجيل، فيما تُفهم العصمة باعتبارها ضمانة أخلاقية تحفظ السلطة الدينية من الانزلاق.
وتبقى كربلاء في الخلفية كمولد عاطفي دائم في الذاكرة الشيعية، ومسرح وجداني يستعاد كل عام كأن الحدث يقع الآن. يتحول البكاء إلى أداة لاستبقاء الهوية يقظة، وإلى طقس يعيد وصل الحاضر بجذر المأساة الأولى.
ومع القرن السادس عشر انتقلت القصة من فضاء الانتظار إلى مركز السلطة حين أعلنت الدولة الصفوية الإثني عشرية مذهباً رسمياً، فتحولت العقيدة إلى مشروع حكم يتعامل مع الجيوش والحدود. وفي هذا التحالف التقت حاجة التاج إلى الشرعية بحاجة العمامة إلى الدولة، واستُدعي العلماء لصياغة بنية فقهية قادرة على إدارة مجتمع يعيش زمن الغيبة. واكتسبت فكرة الغيبة وظيفة سياسية جديدة يظل فيها الإمام مصدراً للقداسة ويحضر فيها الفقيه نائباً عملياً يمارس السلطة، ليتشكل توازن بين قداسة بعيدة لا تُسأل وسلطة قريبة لا تتوقف.