التنمية الحقيقية تبدأ حين تتحول موارد الدولة من امتيازٍ للمتنفذين إلى حقٍ لجميع المواطنين
الموارد السيادية بوابة الخروج من اقتصاد الاستجداء، مازال الشعب اليمني يتطلع إلى رؤية واقعٍ فعليٍّ يترجم ما يُعلَن عنه من تحسيناتٍ وخططٍ ومشروعات، بما ينعكس على إنعاش الوضع الاقتصادي للوطن، واستعادة فاعلية قطاعات الخدمات الأساسية، والارتقاء بالمستوى المعيشي للمواطن. وما دون ذلك يظلّ مجرد فقاعاتٍ إعلامية لا أثر حقيقيًا لها في حياة الناس.
إنّ اليمن ينبغي أن تخرج من عباءة الإغاثات ومنطق الاستجداء إلى أفق الإصلاح المالي والإداري الحقيقي، القائم على خططٍ تنمويةٍ ممولةٍ ذاتيًا. ويبدأ ذلك بخطة تقشّف جادّة، تتضمن إيقاف صرف الرواتب بالعملة الصعبة، والحدّ من التضخم، وإعادة تنظيم موارد الدولة السيادية وفق أولويات الاقتصاد الوطني.
فالزكاة والضرائب، وعوائد الاتصالات، والموانئ، وسائر الموارد العامة، متى ما أُديرت بنزاهةٍ وكفاءة، ووفق قواعد الحوكمة الرشيدة والشفافية والمساءلة، يمكن أن تشكّل رافعةً حقيقية لاقتصادٍ وطني قادر على إخراج اليمن من زاوية الاستجداء إلى فضاء الاعتماد على الذات والتنمية المستدامة.
إنّ التنمية المموّلة ذاتيًا ليست خيارًا نظريًا، بل ضرورة سيادية تفرضها كرامة الدولة وحقوق مواطنيها.
كما أن أي إصلاحٍ اقتصاديٍّ جاد لا يمكن أن يتجاهل واقع رواتب الموظفين، التي أصبحت زهيدة ويجري صرفها بشقّ الأنفس، بعد أن فقدت معظم قيمتها الشرائية، حتى غدت لا تُغني ولا تُسمن من جوع. وفي المقابل، يظل من مقتضيات العدالة المالية والإدارية تقليص الرواتب والمخصصات المصروفة بالعملة الصعبة، وكبح الامتيازات والمستحقات المبالغ فيها التي يحصل عليها بعض المتنفذين وأصحاب السلطة في المؤسسات والجهات الإيرادية والخدمية.
فالإصلاح الحقيقي يبدأ حين تُدار الموارد العامة بعدالةٍ وكفاءة، ويُعاد توجيهها بما يضمن كرامة الموظف وحقوقه، ويحدّ من الامتيازات غير المبررة، لتصبح موارد الدولة أداةً للإنصاف والتنمية، لا وسيلةً لتكريس الفوارق والاختلالات.
فالدول لا تنهض بكثرة ما تتلقاه من معونات، بل بحسن إدارة ما تملكه من موارد، وعدالة توزيعها بين مواطنيها.